التفكير في نظر الإسلام فريضة دينية لا يجوز للإنسان أن يتخلى عنها بأي حال من الأحوال، فالعقل الإنساني من أجل نعم الله على الإنسان، والوظيفة المنوطة بهذا العقل هي التفكير، وقد اهتم الإسلام كثيراً بالتفكير الذي من خلاله يستطيع الإنسان أن يميز بين الأمور ويحكم على الأشياء والأشخاص، ويبتكر ويبدع في جميع المجالات وقد ورد الحث على التفكير في نصوص قرآنية كثيرة ومن ذلك قوله تعالى: لعلكم تتفكرون، وقوله: أفلا تتفكرون، وأكثر التعبيرات التي وردت في هذا الصدد قوله تعالى: إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون .
هذه النصوص القرآنية وغيرها تؤكد أن حرية الفكر حظيت باهتمام بالغ من شريعة الإسلام التي احترمت عقل الإنسان وإرادته، وفرضت على كل من له عقل قادر على التمييز وعلم يستطيع به تحقيق نفع للآخرين ولو يسيراً أن يعمل عقله ويفكر ويعبر عن رأيه من دون مصادرة لحقوق الآخرين خاصة الذين يختلفون معه في الرأي .
يقول المفكر الإسلامي د . محمد عبدالغني شامة أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر: الإسلام جعل حرية التفكير والتعبير فريضة لكل من له عقل قادر على التفكير السليم ولا يجوز لأحد مصادرتها وقد عاب القرآن الكريم على الذين يعطلون قواهم العقلية والحسية عن أداء وظيفتها وجعلهم في مرتبة أحط من مرتبة الحيوانات، ولذلك جاءت عشرات الآيات في كتاب الله تحض على العلم، وتعلي من شأن العقل، وتجعل من عمارة الأرض تكليفاً إلهياً للإنسان، ومن التفكير واجباً دينياً . . فالبحث العلمي مطلوب وحرية التعبير مصانة طالما كان ذلك من أجل خير الإنسان، وهذا هو الموقف المبدئي للإسلام في قضية حرية البحث وحرية التفكير والتعبير .
مناط التكريم الإنساني
ويلتقط المفكر الإسلامي د . محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري السابق خيط الحديث من د . شامة ويقول: لا توجد شريعة سماوية أو نظام سياسي واجتماعي وفكري اهتم بحرية الفكر والبحث والتعبير والإبداع كما فعل الإسلام، ولو دققنا النظر في الأساليب القرآنية الواردة في هذا الشأن لوجدنا أن القرآن الكريم يحفز الناس على التفكير ويأمرهم به في سياقات متنوعة، وعادة يأتي ذلك عقب ذكر العديد من آيات الله الكونية أو الإنسانية، أو الحديث عما يتضمنه القرآن الكريم من حكم بالغة، أو بعد الإشارة إلى بعض الأمثال أو القصص، أو حتى بعد التنبيه إلى ما بين الزوجين من المودة والرحمة، أو غير ذلك من أمور تتطلب من الإنسان أن يشحذ ذهنه وعقله لفهمها وإدراك ما تنطوي عليه من سنن وأسرار إلهية .
ويضيف: العقل الإنساني في نظر الإسلام هو مناط التكريم الإنساني . . هو العنصر الجوهري الذي يمتاز به الإنسان عن جميع الحيوانات، والذي به يدرك نفسه ويدرك الكون من حوله ويدرك خالقه . ومن هنا يعد العقل نعمة كبرى من نعم الله على الإنسان في هذا الوجود .
ومن أجل ذلك لا يجوز للإنسان أن يعطل العقل عن أداء وظيفته، مثلما لا يجوز له أن يعطل جارحة من الجوارح التي أنعم الله بها عليه عن طريق أداء وظيفتها مثل اليد والرجل والعين والسمع والشم . . إلخ . فهذه كلها جوارح خلقها الله للإنسان لتؤدي كل منها وظيفة معينة، والعقل خلقه الله تعالى أيضاً للإنسان ليؤدي وظيفة معينة فتعطيله عن أداء وظيفته يعد تعطيلاً لنعمة من نعم الله تعالى عن أداء وظيفتها .
ولهذا يعبر القرآن الكريم عن هؤلاء الذين يعطلون عقولهم عن التفكير ويصمون آذانهم ولا يبصرون أو لا يريدون أن يبصروا ما حولهم يعبر القرآن الكريم عن هؤلاء بقوله: لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام . ولو كانت الآية قد وقفت عند هذا الحد لكان في ذلك ظلم للأنعام، لأن الأنعام لا تعقل . ومن هنا كانت تكملة الآية: كالأنعام بل هم أضل فهم أقل مرتبة من الحيوانات، لأن الإنسان الذي يعطل عقله عن التفكير هو إنسان قد تنازل عن إنسانيته، ومن هنا لا يستحق أن يطلق عليه وصف الإنسان لأنه ارتضى لنفسه أن يكون في مرتبة أقل من مرتبة الحيوان .
والقرآن الكريم يخبرنا بأن عدم استخدام العقل يعد ذنباً من الذنوب التي سوف يسأل عنها الإنسان يوم القيامة . ومن هنا يشير القرآن الكريم إلى أن الكفار سوف يلومون أنفسهم يوم القيامة لأنهم لم يستخدموا عقولهم في الدنيا: وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم .
واجب ديني
إن دعوة القرآن الكريم للإنسان لاستخدام ملكاته الفكرية دعوة صريحة لا تقبل التأويل . فالتفكير في الإسلام يعد واجباً دينياً وفريضة إسلامية . وإذا كانت ممارسة الوظائف العقلية تعد واجباً دينياً في الإسلام فإنها من ناحية أخرى تعد مسؤولية حتمية لا يستطيع الإنسان الفكاك منها وسيحاسب على مدى حسن أو إساءة استخدامه لها مثلما يسأل عن استخدامه لباقي وسائل الإدراك الحسية . وفي ذلك يقول القرآن الكريم: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً .
ومن منطلق حرص الإسلام على ممارسة العقل لوظائفه التي أرادها الله كان حرص الإسلام شديداً على إزالة كل العوائق التي تعوق العقل عن ممارسة نشاطاته . ومن أجل ذلك طالب بتحطيم هذه العوائق ليشق العقل طريقه للفهم الصحيح والتفكير السليم . ويتجلى لنا ذلك بوضوح من رفض الإسلام للتبعية الفكرية والتقليد الأعمى . فالتقليد ضلال يعذر فيه الحيوان ولكنه لا يصح بحال من الأحوال من الإنسان القادر على التفكير والتمييز .
وكما رفض الإسلام التقليد الأعمى رفض أيضاً كل أساليب الدجل والشعوذة والاعتقاد في الخرافات والأوهام . كما قرر المسؤولية الفردية التي تقوم على حرية الفرد واطمئنانه إلى حقوقه في الأمن على نفسه وعقله وماله . وقد جعل الإسلام الأمن على العقل من بين المقاصد الضرورية الأساسية التي قصدت إليها الشريعة الإسلامية لقيام مصالح الدين والدنيا . وكذلك حرر الإسلام الفرد المؤمن بعقيدة التوحيد من عقدة الخوف من الجهر بالحق فالمؤمن لا يخشى في الحق لومة لائم .
وهكذا كفل الإسلام للإنسان المناخ الحقيقي الذي يستطيع فيه أن يفكر ويتأمل ويعي ويفهم وبهذا أطلق الإسلام سلطان العقل من كل ما كان يقيده، وخلصه من كل تقليد كان يستعبده . وبهذا كما يقول الشيخ محمد عبده تم للإنسان بمقتضى دينه أمران عظيمان طالما حرم منهما وهما: استقلال الإرادة واستقلال الرأي والفكر وقد كان لهذا الموقف الأساسي للإسلام من العقل أثره العظيم في صياغة الحضارة الإسلامية والعقلية الإسلامية .
مبدأ الاجتهاد
ولم يقتصر الإسلام على حث الناس على ممارسة التفكير في الأمور الدنيوية البحتة، بل فتح الإسلام كما يقول د . شامة الباب واسعاً لممارسة التفكير أيضاً في الأمور الدينية من أجل البحث عن حلول شرعية لكل ما يستجد من مسائل الحياة، وهذا ما يطلق عليه علماء الإسلام الاجتهاد بمعنى الاعتماد على الفكر في استنباط الأحكام الشرعية .
ويعد الاجتهاد بهذا المعنى مبدأ الحركة في الإسلام كما يقول المفكر المعروف محمد إقبال في مؤلفه الرائع تجديد التفكير الديني في الإسلام وهنا تبرز قاعدة إسلامية تقول: إن المجتهد إذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد وإذا اجتهد فأصاب فله أجران وقد كان لمبدأ الاجتهاد أثره العظيم في إثراء الدراسات الفقهية لدى المسلمين وإيجاد الحلول السريعة للمسائل التي لم يكن لها نظير في العهد الأول للإسلام وقد نشأت عنه مذاهب الفقه الإسلامي المشهورة التي لا يزال العالم الإسلامي يسير على تعاليمها حتى اليوم .
وهكذا كان اعتماد المسلم على عقله وتفكيره فيما يشكل عليه من أمور الدين والدنيا مما لم يرد في شأنه نصوص شرعية هو الدعامة الأولى في الموقف العقلي الراسخ للإسلام، وقد كان هذا الموقف بمثابة الأساس الذي بنى عليه المسلمون حضارتهم الزاهرة على امتداد تاريخ الإسلام خلال القرون التي شهدت قوة المسلمين وقدرتهم على الإبداع .
لماذا تخلف المسلمون؟
لكن . . ماذا حدث عندما توقف المسلمون في حقبة من الزمن عن التفكير السليم والاجتهاد الديني المنضبط؟
يقول د .زقزوق: عندما توقف المسلمون عن التفكير وانتشرت بينهم الأوهام والخرافات وأصبح شعارهم: ليس في الإمكان أبدع مما كان توقفت حضارتهم وتوقف إبداعهم واكتفوا بترديد ما قاله السابقون، وقد أدى ذلك بطبيعة الحال إلى توقف عطائهم الحضاري وإخلاء المجال لغيرهم من الأمم الأخرى لتحمل راية التقدم .
ومن هنا فإن تقدم الآخرين وتخلف المسلمين الحضاري في القرون الأخيرة يرجع إلى أن الآخرين قد مارسوا التفكير واستخدموا عقولهم جيداً بينما توقف المسلمون .
والتفكير في الأمور الدنيوية واجب بهدف البحث عن حلول لمشكلات الحياة المتجددة والارتقاء بالمجتمع المسلم وتوفير الرفاهة لكل من يعيش على أرض الإسلام من مسلمين وغير مسلمين، كما أن الاجتهاد في أمور الدين واجب العلماء المؤهلين لذلك، ولا يجوز التخلي عن هذا الواجب بأي حال من الأحوال .
فالعقل الإنساني قد أوجده الله تعالى للتفكير والتدبر والاهتداء إلى ما يسعده في دينه وفي دنياه، والإسلام يحث على إعمال العقل والاجتهاد حتى في الأحكام الشرعية وعدم التسليم بما قاله العلماء السابقون في الأمور الاجتهادية، فالاجتهاد أصبح ضرورة الآن لأنه دليل على سعة شريعة الإسلام وعلى يسرها وسماحتها وعلى خصوبتها ومرونتها، وعلى صلاحيتها لكل زمان ومكان .
ويؤكد علماء المسلمين أن باب الاجتهاد الذي يجسد حرية التفكير في الإسلام مفتوح ولن يقفل في وجه العلماء المؤهلين للاجتهاد، وهذه دعوة صريحة لكي يستعيد العقل المسلم عرشه المفقود سواء في أمور الدين أو في أمور الدنيا، فإذا كان الاجتهاد مطلوباً في الأمور الشرعية فهو أكثر إلحاحاً وضرورة في الأمور الدنيوية للارتقاء بأحوال المسلمين السياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية .
ضوابط التفكير السليم
والإسلام الذي أطلق للعقل البشري حرية التفكير والتعبير وحث الإنسان على استخدام عقله في كل شيء، جاء بقواعد وضوابط يجب على العقل أن يلتزم بها حتى لا تتحول الحرية إلى فوضى، وتتحول حرية الفكر إلى حرية كفر يرفضها ويدينها الدين والعقل والمنطق .
يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة عضو مجمع البحوث الإسلامية: لابد أن نفرق بين حرية الفكر التي يكفلها الإسلام وحرية الكفر التي يمارسها البعض أو يدعو إليها تحت شعار حرية الفكر، فحرية الفكر مكفولة، وحرية الكفر مرفوضة ومدانة وتستوجب العقاب .
ومن هنا فإن المقدسات والمعتقدات لا يجوز المساس بها، فكل أمة لها مقدساتها التي تعتز بها ومعتقداتها التي تسري في كيانها وقيمها وثوابتها الدينية التي تحرص عليها، وذلك كله له تأثيره القوي في تكوين شخصية الأمة، وصياغة ثقافتها، والاعتداء على هذه المقدسات بالقول أو بالفعل أو بالسخرية منها يعد اعتداء على ذاتية الأمة ويعد اعتداء على النظام العام فيها، ومن حق كل أمة أن تحمي مقدساتها، وأن تصون نظامها العام من العبث به بأي شكل من الأشكال .
ولذلك لا يجوز لأحد من الكتاب أو المثقفين والأدباء كما يقول د . عمارة أن يتطاول على ثوابتنا الدينية باسم حرية الفكر والإبداع فالفكر والعمل الأدبي إذا مس المقدسات وحاول النيل من الثوابت الدينية فلا علاقة له بالفكر والإبداع، لأن الإبداع في حقيقته ارتقاء بالفكر والوجدان وإذا لم يحقق ذلك فهو عمل هابط فنياً بمفهوم الأدب واصطلاحات الأدباء والنقاد .