غزو فكري وثقافي منظم أصاب مجتمعاتنا العربية والإسلامية دون استثناء، من خلال الأسماء الماسخة التي يختارها بعض الناس لأطفالهم ربما على قاعدة خالف تعرف، وفي معظم الأحيان دون وعي أو اكتراث بحقيقية الأسماء الغريبة التي يختارها الأهل لأطفالهم من البيئة المحيطة بهم، أو من الإنترنت، أو يلتقطون من الأفلام والمسلسلات والبرامج الفضائية التي أصبحت تتحكم في كثير من سلوكياتنا وتوجهاتنا .

لم يعد غريباً أن تضطر إلى قبول اسم لابنك أو حفيدك وأنت لا تعرف معناه، لأن أمه اختارته ومتمسكة به، وبعد تسجيل الطفل، وبعد أن يشتهر به بين الناس تكتشف مصادفة أو بعد بحث أنه اسم لفصيلة من الكلاب أو لنوع غير شائع من الحشرات، فيشعر الجميع بالعار من الاسم المسيء يكون والتعاطف مع هذا الطفل المسكين الذي لا حول له ولا قوة في اختيار اسمه .

لذلك انتشرت الأسماء الغريبة والشاذة لأطفالنا في كل البلاد العربية وأصبحت تمثل مشكلة حقيقية تسهم في تهديد الهوية العربية والإسلامية، ما يوجب التدخل لمواجهة هذا العبث في تسمية الأطفال العرب .

العالم الأزهري، الدكتور حسن الشافعي، رئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة، يؤكد أن الأسماء الغربية للأطفال والشركات والمحال العامة التي انتشرت في بلادنا العربية تمثل تهديداً حقيقياً للهوية العربية والإسلامية، حيث انتشرت هذه الأسماء دون حاجة أو مبرر، وأخذ الناس يقلدون بعضهم بعضًا ويتنافسون في اختيار أسماء غريبة وشاذة لأطفالهم ومتاجرهم وهم لا يدركون معناها أو خطورة الانكباب عليها . . والنتيجة انتشار الأسماء الغريبة والعجيبة هنا وهناك .

ويرى رئيس مجمع اللغة العربية أن فوضى الأسماء التي تغزو مجتمعاتنا العربية والإسلامية بدءاً بأسماء الأولاد والبنات وانتهاء بأسماء الشركات والمشروعات التجارية والسكنية هي نتيجة عدم وعي جماهيري بأهمية أو قيمة أن يرتبط كل مجتمع بهويته، وهي مظهر من مظاهر ضعف الهوية وتلاشى قيمة الوطنية في بعض النفوس، حيث لا يوجد ما يبرر إعلان كثير من الآباء والأمهات التمرد على الأسماء العربية والإسلامية المتوارثة واللجوء إلى أسماء جديدة بعضها غريب والبعض الآخر لا يحمل معنى ذا قيمة بل لبعضها دلالات ومعانٍ غير مقبولة دينياً واجتماعياً ويتم اختيارها لمجرد غرابتها .

هذه الفوضى في أسماء الأولاد التي انتشرت في جميع بلادنا العربية يجب أن تتوقف كما يقول الدكتور الشافعي فالأب أو الأم مسؤولان أمام الله وأمام المجتمع عن اختيار اسم حسن لطفلهما، فالإسلام الحسن كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق من حقوق الطفل، إلى جانب حسن تربيته وتعليمه أمور دينه، والانفاق عليه، ورعايته حتى يخرج إلى الحياة شابا قويا نافعا مقبلا على الحياة، سعيدا باسمه وحسن تربيته وتفوقه وقدرته على العمل والإنتاج .

تدني الذوق الاجتماعي

يتفق الخبير الاجتماعي الدكتور نبيل السمالوطي، أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة الأزهر مع الدكتور الشافعي في تقدير خطورة فوضى الأسماء الغريبة والشاذة التي نطلقها على أطفالنا، ويقول: في كل المجتمعات العربية يتبارى الآباء والأمهات في إطلاق أسماء غريبة وشاذة على أولادهم . . وقد كشفت دراسات اجتماعية أن هناك أناساً يطلقون على أبنائهم أسماء غريبة وغير مألوفة، وذلك إما طمعاً في حياة أطول لأبنائهم أو خوفاً عليهم من الحسد، حيث فضل أحد الآباء أن يطلق على ابنه الوحيد اسم مسكين لكي ينجو من حسد الجيران . كما لاحظ الباحثون أن بعض الناس يطلقون على أبنائهم أسماء طيور وشركات تجارية ومأكولات ومشروبات غازية وماركات سجائر ومواد مخدرة ويسجلونهم بها في الأوراق الرسمية .

هذا فضلاً عن الأسماء الحركية الغريبة التي يتسمى بها المهنيون، والأسماء الشاذة القبيحة التي يتسمى بها البلطجية والمسجلون خطر ويتفاخرون بها بين الناس .

هذا بالطبع غير الأسماء الأخرى التي يكون موضوعها الطيور مثل (بطة - ووزة - وفرخة ) أو الخضروات والفواكه مثل (بطاطا وطماطم وعنبة وبرقوق) وغير ذلك .

هذه الأسماء التي شاعت في بلادنا العربية تكشف كما يقول الخبير الاجتماعي الأزهري الدكتور السمالوطي عن تدنٍ في الذوق الاجتماعي، وفقدان تدريجي للهوية العربية والإسلامية، وضعف في الانتماء للدين الذي ألزم الآباء بإحسان اختيار أطفالهم . والانتماء للوطن الذي شوهنا وجهه الحضاري بمسميات شاذة غريب للأبناء والأماكن .

عقوق آباء

الخبير التربوي، الدكتور صلاح عبدالسميع، أستاذ التربية في جامعة حلوان المصرية، يؤكد أن إساءة تسمية الأطفال عقوق آباء، موضحا أن من أهم مسؤوليات الأبوين تجاه طفلهما هو إحسان تسميته، فهذا واجب تربوي، وواجب أخلاقي، وحق كفله الإسلام للطفل، فمن أبرز الحقوق التي كفلها الإسلام للطفل حقه في اختيار اسم حسن، فهو في طفولته لا يملك من أمر نفسه أو اسمه شيئاً فلا يختار اسم نفسه وليس أهلا لهذا الاختيار، وإنما يختار الأبوان له اسمه، ولذا كان حقا له أن يختار أبواه له اسماً حسناً لا اسماً سيئاً أو مكروها، يتحرج منه بعد ذلك عندما يكبر، فمما لا شك فيه أن لاختيار الاسم أثراً نفسياً يعود على الطفل بعد ذلك، ومن أجل هذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد أحدا يحمل اسماً كريها أو قبيحاً غيّره في الحال، فقد نقلت لنا السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغير الاسم القبيح .

الفقيه الدكتور محمد الشحات الجندي، أستاذ الشريعة الإسلامية، عضو مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر، صوته إلى صوت الدكتور صلاح عبدالسميع ويؤكد أن الشريعة الإسلامية لم تطلق العنان للأبوين لكي يختارا الاسم الذي يحلو لهما لطفلهما، الإسلام، فالشريعة الإسلامية تلزم الآباء باختيار الأسماء الحسنة لأبنائهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: إنكم تدعون يوم القيام بأسمائكم وأسماء آبائكم، فحسنوا أسماءكم، ويقول في حديث آخر من حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه ويحسن اسمه، وجاء في توجيه نبوي ثالث قوله عليه الصلاة والسلام: من ولد له ولد فليحسن اسمه وأدبه، فإذا بلغ فيزوجه، فإن بلغ ولم يزوجه فأصاب إثما فإثمه على أبيه .

وهناك آثار كثيرة وشواهد متعددة ورد الحديث عنها في كتب السنة تؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستحب الاسم الحسن، فكان يأمر إذا بعثوا إليه رسولا أن يكون حسن الاسم، حسن الوجه، وحدث أنه غيّر عدة أسماء، ونهى عن بعض أسماء لمعان وأسباب متعددة .

ويؤكد الدكتور صلاح عبدالسميع أن الهدف من وراء اختيار الاسم الحسن للابن هو بسلوكه في المستقبل وتحسين صورته، بما يجعله مقبولاً مرغوباً كريماً عزيزاً بين الناس، فقد أكد خبراء التربية وعلماء السلوك أن الشخص يتأثر باسمه في سلوكه الشخصي والاجتماعي، وأن اسمه سلاح ذو حدين، يمكن أن يوجهه إلى الخير أو الشر، كما يلاحظ أن الاسم الحسن يعطي صاحبه شعوراً بالارتياح النفسي عندما يسمع اسمه ينادى به كنغم حلو ينساب إلى نفسه، فتهدأ أعصابه، ويمتلئ قلبه نشوة، وبالتالي يكون له أثره على الصحة العامة وعلى سلوكه أيضاً .

أما الاسم القبيح فله أثره السيئ على الحالة النفسية للطفل وعلى علاقته بالناس عندما يندمج في المجتمع ويحس بوجوده ويحدد ملامح شخصيته، فهو يتألم إذا سمع الناس ينادونه به، حتى لو كان النداء بريئا لا يصحبه ما يجرح الشعور، ولا يقصد به إحراج أو تنقيص . فماذا يكون الحال إذا كان نداؤه به يصحبه استهزاء أو غمز أو لمز؟ خصوصاً من أطفال وزملاء لا يتورعون عن المعاكسة، بل يتمادون فيها عند العناد والضغط، وقد يثيره ذلك فيحتك بهم أو يكظم غيظه فيؤثر العزلة والسلبية، ويتهيب المجتمع والاختلاط بالناس، كما يحمله ذلك على تغيير قلبه وشعوره نحو والده ومن اختار له هذا الاسم القبيح، فيكون العقوق والتصادم الذي تضطرب به حياته وحياة أسرته، وتتكون عنده عقدة نفسية تلازمه ما لازمه هذا الاسم الكريه .

معان وإيحاءات

ويعود الدكتور السمالوطي ليؤكد أن مساحة الأسماء الحسنة والمطلوبة من المسلم أن يختار منها لأبنائه كبيرة ومتنوعة، فكل اسم يحمل صفة جميلة أو معنى نبيلا فهو اسم حسن، وكل اسم يدل على النبل والشجاعة والكرم هو اسم حسن، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أحب الأسماء إلى الله عبدالله وعبدالرحمن، وورد عنه أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام قال: تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله عبدالله وعبدالرحمن، وأصدقها حارث وهمام وأقبحها مرة وحرب .

من هنا فإن واجب كل أب أن يحسن اختيار اسم ابنه ولا يجري وراء المسميات الغريبة والشاذة، وأفضل الأسماء ما يوحي إلى صاحبه إيحاء طيباً ولا يسيء إليه بين الناس، وبما يحثه على الأدب والتواضع، ويغريه بالعبادة والطاعة كعبدالله وعبدالرحمن، وما يدعوه إلى تقليد الشخصيات البارزة كأسماء الأنبياء، كما أن أقبح الأسماء ما كانت له دلالات ومعانٍ وإيحاءات سيئة . . وما أكثر هذه الأسماء الآن في بلادنا العربية والإسلامية .

روي أن النبي صلى الله عليه وسلم غيّر اسم عاصية، وقال لمن سميت بها الاسم أنت جميلة، ورد في حديث صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غيّر اسم العاصي، وعزيز، وعتلة، وشيطان، والحكم، وغراب، وحباب وشهاب .

الفأل الحسن

إلى جانب هذا الهدي النبوي الكريم في رفض الأسماء القبيحة كما يقول الدكتور أحمد عمر هاشم، أستاذ السنة النبوية في الأزهر كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مواقف وحوادث يؤثر فيها صاحب الاسم الحسن، ويقدمه على غيره في مواطن الخير حتى يكون ذلك حثاً للناس على التسمية الحسنة، فعن يعيش الغفاري قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم يوماً بناقة فقال من يحلبها؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله، فقال: ما اسمك؟ قال: مرة . . قال له الرسول اقعد ثم قام آخر فسأله الرسول: ما اسمك؟ فقال جمرة . . قال له اقعد ثم قام رجل فقال ما اسمك؟ قال يعيش قال احلبها .

لقد كان صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن، وتستريح نفسه إلى الأسماء الحسنة والعبارات الجميلة، والأوصاف النبيلة التي تشرح الصدر، وتدخل السرور على النفس خصوصا إذا تلاقت الأسماء والعبارات مع معانٍ تختلج في النفس فيطمئن بها الخاطر وتهدأ الأعصاب ويستبشر صاحبها بالخير .

من هنا يدعو الدكتور هاشم كل الآباء الذين أطلقوا على أبنائهم أسماء منفرة وغير مقبولة دينيا أو نفسيا أو اجتماعيا إلى تغيير هذه الأسماء حرصا على مستقبل أطفالهم وصورتهم بين الناس، ويؤكد أن من أبرز حقوق الطفل على والديه حسن اختيار الاسم الذي يدعى به بين الناس، ويميزه عن غيره من الأشخاص، بحيث يكون اسماً ذا معنى محمود، أو صفة طيبة يرتاح لها القلب وتطمئن لها النفس، أو اسماً يبعث على الأمل والفأل الحسن، أو اسماً يدل على الشجاعة والنشاط والهمة .

وينتهي د .هاشم إلى أن الأب الذي يختار اسماً سيئاً لابنه أو ابنته هو أب آثم ومخالف لتعاليم وتوجيهات الإسلام .