توجيهات الإسلام وتشريعاته كلها تحث على حسن معاشرة الرجل لزوجته والصبر عليها وتحمل أذاها المقبول، فالله سبحانه وتعالى يقول: وَعَاشِرُوهُن بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُن فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً.
رغم أن حسن المعاملة حق للزوجة منحته لها الشريعة الإسلامية وعدم توافره يبيح لها طلب الطلاق للضرر، فإن بعض الرجال نسوا هذا الحق واعتبروا أن الضرب والإهانة حق لهم بحجة تأديبها وتهذيب سلوكها، فقد كشفت دراسة حديثة أعدها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بمصر أن 22% من النساء يتعرضن للعنف المتمثل في الضرب والإهانة والمعاملة القاسية من أزواجهن، وأن 70% من الرجال يرون أن هناك مبررات تبيح لهم ضرب الزوجة.
في البداية يوضح الدكتور نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية الأسبق أن الإسلام أقام العلاقة بين الزوجين على أساس من الحب والتفاهم والاحترام المتبادل، فتوجيهات الإسلام تحث الزوجين على اتباع ما يعمق مشاعر الحب ويضاعف من المودة والألفة بينهما وتجنب ما يؤدي إلى البغضاء والكراهية، ويكفي هنا قول الحق سبحانه: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم منْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم موَدةً وَرَحْمَةً فالعلاقة بين الزوجين هي في حقيقة الأمر علاقة سكن ومودة ورحمة.
ويضيف: قد يجد الرجل عيوبا في زوجته أو تصرفات لا يرضاها لكن هذا ليس معناه أن يكرهها أو يبغضها أو يهينها، فقد قال الحق سبحانه: وَعَاشِرُوهُن بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُن فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً، وهذا معناه أن الزوج إذا وجد في زوجته خلقا يبغضه سيجد فيها آخر يرضاه، وأنها قد تعاب في أمر لكنها تحمد في أمور أخرى، كما تحث الآية الرجال على أن ينظروا إلى ما في زوجاتهم من حسنات ومميزات ولا يقفوا فقط عند النقائص والسلبيات، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر.
والرجل مطالب شرعا بأن يحفظ كرامة زوجته؛ فلا يضربها ولا يمارس أي شكل من أشكال العنف ضدها، ولا يتوقف الأمر على الإيذاء البدني بل نهى الإسلام عن كل ما يسبب اهانة للزوجة ويسيء إليها، ولو كان عن طريق نظرة أو كلمة.
وكذلك فان الإسلام نهى عما يمارسه الأزواج من شتم وإهانة لفظية للزوجة، بل اعتبر حسن معاشرة الزوجة واحترامها دليلا على اكتمال الإيمان، ففي الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم.
أسوة حسنة
الشيخ فرحات المنجي- عضو مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر يؤكد أن حسن معاشرة الرجل لزوجته من الحقوق المؤكدة للزوجة، ويرى أن هذا لا يعني حسن الخلق في معاملتها فقط بل إن حسن المعاشرة يكون أيضا بالتسامح معها والصبر على عيوبها، خاصة إذا كان ذلك في العيوب الشائعة في النساء مثل مطالبتها بنفقات زائدة أو عصبيتها واندفاعها، لأن عدم الصبر سيؤدي إلى زيادة حدة الخلاف بينهما.
وينصح الشيخ المنجي الأزواج بأن يتخذوا من رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في الصبر وتعليم المرأة بالصبر وحسن الخلق كي تتقي الله في زوجها.
ولنا في صحابته رضوان الله عليهم قدوة حسنة، فقد جاء أعرابي يعاتب زوجته فلما ارتفع صوتها عليه قرر أن يشكوها إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما وقف بباب سيدنا عمر رضي الله عنه سمع امرأة عمر رضي الله عنه تستطيل عليه وتقول: اتق الله يا عمر فيما ولاك وهو ساكت لا يتكلم، فهمّ الرجل بالانصراف وقال في نفسه: إذا كان هذا هو حال أمير المؤمنين فكيف حالي؟ وبينما هو كذلك إذ خرج عليه عمر رضي الله عنه فلما رآه قال له ما حاجتك يا أخا العرب؟ فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين جئت إليك أشكو خلق زوجتي واستطالتها عليّ فرأيت عندك ما زهدني، إذ كان ما عندك أكثر مما عندي، فهممت بالرجوع وأنا أقول: إذا كان هذا حال أمير المؤمنين مع زوجته فكيف حالي؟ فتبسم عمر رضي الله عنه وقال: يا أخا الإسلام إنني احتملتها لحقوق لها عليّ إنها طباخة لطعامي خبازة لخبزي مرضعة لأولادي غاسلة لثيابي، وبقدر صبري عليها يكون ثوابي، فقال الرجل: وكذلك زوجتي يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: إذن تحملها فإنها مدة يسيرة.
تبادل المودة
أما الدكتورة آمنة نصير أستاذة العقيدة الإسلامية في جامعة الأزهر فترى أن الزوجة حين تكون مطيعة لزوجها يقابل إحسانها بالإحسان وطاعتها بالطاعة ويتبادلان الحنان والبر والمودة، كما جاء في وصايا أم لابنتها: كوني له أمة يكن لك عبدا ورضا الزوج الصالح المعتدل سبب لدخول المرأة الجنة.
وتشير د.آمنة نصير إلى انه كما ألزم الإسلام الرجل بالحفاظ على زوجته وعدم ضربها أو إهانتها بأي شكل من الأشكال فإنه ألزم المرأة أيضا بحسن معاملة زوجها، والدليل على ذلك ما روي انه لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال الرسول: ما هذا يا معاذ؟ قال: أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم فوددت في نفسي ذلك لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا تفعلوا فإني لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، فالزوجة ملزمة بحسن معاملة زوجها وطاعته ما لم يأمر بمعصية، وفي حالة التمرد والعصيان تصبح ناشزا ويكون من حق الزوج تقويم سلوكها.
أما ما نسمعه هذه الأيام وتؤكده الإحصاءات والدراسات الميدانية من أن بعض الرجال يتعرضون للضرب والإهانة على يد زوجاتهم؛ فهذا مرفوض تماما حتى إن كان الزوج هو البادئ بهذا السلوك، فحقوق الزوج لا يمكن المساس بها بأي حال من الأحوال.
وتؤكد د.آمنة نصير أن الخلل الذي نعاني منه في حياتنا الزوجية يرجع إلى إهمال الواجبات المتبادلة بين الزوجين وتجاوز كل منهما إطار المودة والرحمة الذي رسمه الإسلام، فقد وضعت شريعتنا الإسلامية الحلول المثلي لإصلاح الزوجة الناشز وفصلها القرآن الكريم في الآية: وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُن فَعِظُوهُن وَاهْجُرُوهُن فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُن فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِن سَبِيلاً إِن اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً، وذلك حتى لا يترك سبيلا للرجل يجتهد فيه أسلوبا يؤدب به زوجته.
النساء أنواع
الدكتور نبيل السمالوطي أستاذ علم الاجتماع في كلية الدراسات الإنسانية في جامعة الأزهر يرى أن ما تعانيه بعض نسائنا في عش الزوجية من إهانة وضرب وإهدار لحقها في المعاملة بالإحسان، نتيجة طبيعية للعادات والتقاليد المتوارثة التي ظلمت المرأة وحرمتها من الكثير من حقوقها وجعلت البعض ينظر اليها نظرة دونية ليس لها ما يبررها في دين أو عرف، لكنه لا يعفي المرأة من المسؤولية، فإهانة الزوجة وضربها وإساءة معاملتها لا يكون في كل الأحوال نتيجة فهم عقيم من الزوج أو سيطرة عادات وتقاليد متوارثة عليه، بل قد تكون الزوجة هي السبب الرئيسي الذي يدفع الزوج إلى أن يفقد أعصابه نتيجة عصيان الزوجة وتمردها واستفزازها المستمر له.
فهناك نساء متمردات مترفعات على أزواجهن يتكبرن ويتعالين على طاعة الأزواج وهذا النوع من النساء قد يدفع الزوج إلى العنف والإهانة بحثا وراء أسلوب لردعها وتقويمها.
ويؤكد الدكتور ماهر الضبع أستاذ علم النفس أن هناك بعض الرجال لديهم مفاهيم خاطئة عن الزواج بصفة عامة، فالبعض يرى انه يعني شراء زوجة لتقوم بإعداد الطعام وتلبية الرغبة الجنسية وتربية الأبناء، وهي نظرة خاطئة للزواج الذي يعني في مفهومه الصحيح: المودة والرحمة والمشاركة بين اثنين متساويين في الحقوق والواجبات وفي الأدوار التي يؤديانها في الحياة.
ويحذر د.ماهر الضبع من خطورة العنف وإهانة الزوجة وقهرها لأن الإهانة التي تتعرض لها الزوجة تسبب لها إحساسا بالقهر والدونية وتشعرها بأنها مقهورة فتضطرب صحتها النفسية، ويشير إلى مظاهر القهر التي تتعرض لها المرأة وتعتبر من قبيل الإساءة للزوجة فيقول: إن تسخيف الزوج آراء زوجته أمام الآخرين واتهامها بالتقصير وإجبارها على الاعتذار المتكرر له عن أخطاء لم ترتكبها؛ يخلق نوعا من الضغينة فتبدأ بالإحساس بعدم الرضا عن حياتها لأنها تجعل من نفسها كائنا بلا قيمة، بما يجعلها تمارس العنف مع أولادها.