برحيل الشاعر اللبناني حسين حيدر تخسر القصيدة الكلاسيكية واحداً من أعلامها البارزين بعدما كادت الساحة الشعرية العربية تصبح حكراً على شعراء الحداثة، وبخاصة في شقها النثري إثر الانخفاض المطرد لمنسوب قصيدة الوزن التفعيلية في السنوات الأخيرة. يكتسب هذا الرحيل إذاً بعداً دلالياً متصلاً لا بالغياب الفردي للشاعر اللبناني فحسب، بل بأفول نجم القصيدة العمودية التي رحل ممثلوها البارزون من أمثال الجواهري والأخطل الصغير وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة واحداً بعد الآخر، ولم يبق من أعلامها الكبار سوى سعيد عقل، رغم أن هذا الأخير قد لاذ بالصمت منذ سنوات عدة، وهو يطعن في شيخوخته المتأخرة ويتلمس طريقه نحو عامه المائة.

تبدو الكتابة عن حسين حيدر بالنسبة لي شاقة ومربكة لأن صداقة عميقة ربطتني منذ عقود بالشاعر الراحل، الأمر الذي يصعّب علي مهمة قراءته قراءة موضوعية ومجردة من العاطفة الشخصية. ومع ذلك ورغم ان قراءتي السريعة لأعماله الشعرية هي تحية من القلب لشاعر أحببته، فسأكون حريصاً قدر المستطاع على المسافة الموضوعية التي يستلزمها النقد الهادئ والموضوعي وعلى أن يكون المرجع في القراءة ليس الشاعر ولا أخلاقيات الصداقة، بل النصوص نفسها وقد باتت الآن عزلاء وبلا ظهير في معركتها مع البقاء.

لابد بداية من الإشارة إلى أن أعمال حسين حيدر الشعرية قد صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت في مجلدين اثنين يعود صدور أولهما إلى منتصف الثمانينات من القرن الفائت، بينما يعود الثاني إلى عام 2008 بفارق ثلاثة وعشرين عاماً بين الاثنين. كما لابد من الإشارة إلى أن الأعمال تلك حملت خلافاً لما هو سائد في حالات مماثلة عنواناً إضافياً هو كلمات للريح والأرض، وإذا كان المكتوب يقرأ من عنوانه كما تقول الحكمة الشائعة فإن تقسيم الشعر بين الريح والأرض ليس أمراً عارضاً بأي حال لأنه يرد الشعر إلى مصدريه المتخابرين والمتكاملين في الآن ذاته، مصدر الثبات والانتماء والتجذر في المكان الذي تمثله الاقامة في الأرض، ومصدر السفر والنأي والبحث عن مواطئ جديدة لأقدام الحياة واللغة الذي تمثله الريح. وهو ما يؤكده قول أبي تماما: وطول مقام المرء في الحي مخلف/ لديباجتيه فاغترب تتجدد. وإذا كان الشاعر على المستوى الحياتي قد وزع نفسه بين السفر لسنوات طويلة إلى الإمارات بداعي العمل، وبين الاقامة في وطنه الأم، فإن هذا التوزع لم يأخذ أي بعد تراجيدي في شعره وحياته، ربما لأن ايمانه العميق بالوحدة العربية جعله يحس دائماً أنه لا يزال مقيماً بين أهله وبين قومه بحيث لم يكن لديه ذلك الشعور المرير بالغربة الذي نجده في نتاج الشعراء المهجريين في بدايات القرن الفائت.

ان وصف قصائد حسين حيدر بالجزالة والتدفق وقوة السبك يبدو لشدة بديهيته بعضاً من نافل القول، لأننا نتلمس تلك الخاصة منذ بداياته المبكرة في الخمسينات وحتى القصائد التي سبقت وفاته بقليل، فهو شاعر مطبوع ومتوقد الموهبة ومتمكن من النظم وممتلك لناصية الأوزان والقوافي ولمجمل المعايير التي يتطلبها ولوج عالم الكتابة الشعرية في إطارها الخليلي على وجه الخصوص. وإذا كانت بعض القصائد التفعيلية مبثوثة هنا وهناك في أعمال الشاعر، فهي في اعتقادي لا ترقى إلى مستوى مثيلتها العمودية، بل تبدو أقرب إلى المحاكاة النمطية للقصيدة التفعيلية الشائعة. وهو أمر يمكن فهمه انطلاقاً من الإرث الثقافي للشاعر ومن طبيعة نشأته وتكونه فضلاً عن حساسيته العالية تجاه الأوزان والبحور التقليدية التي تجعله يجد نفسه وضالته عبر هذا النوع من التأليف الشعري أكثر من أي نوع آخر.

على أن الأمر الأكثر إلفاتاً للنظر في شعر حسين حيدر، هو انه منذ بداياته قد ربط الشعر بوظائفه السياسية والايديولوجية والاجتماعية بحيث بدا الفن بالنسبة إليه أقرب إلى الرسالة الأخلاقية والنضالية منه إلى المساورة الداخلية والتأملية التي لا نلمحها إلا في النزر القليل من قصائده، والتي تتجلى من خلالها في رأيي ذراه الشعرية الحقيقية. ولا يعني ذلك أن القصائد السياسية الغالبة على ديوانه لا تتمتع بمواصفات المتانة والفخامة وبراعة التأليف، بل يعني أن مماهاة الإبداعي مع السياسي والعقائدي حرمت الشاعر من أن يذهب أبعد في استكناه العالم وسبر أغواره أو في اللقاء مع الذات في أكثر أبعادها حميمية وخفوتاً.

هكذا احتلت المناسبات القومية والوطنية والنضالية، فضلاً عن المراثي، القسم الأكبر من قصائد الشاعر ووقفاته وتوزعت بشكل أساسي بين قصائده الكثيرة في جمال عبد الناصر وثورة 23 يوليو وقضايا الوحدة وبين قصائده عن المقاومة الوطنية اللبنانية وحصار بيروت وصولاً إلى مرحلة المقاومة الإسلامية التي أفرد لها ولقائدها في الآونة الأخيرة معظم شعره وأناشيده الحماسية والغنائية.

هكذا يكاد شعر حسين حيدر أن يكون تأريخاً شبه تام لعصر الشاعر الحافل بالوقائع والهزائم والكوارث والمنعطفات السياسية والتاريخية الحادة وصولاً إلى بعض الانتصارات التي جسدتها بوجه خاص المقاومتان الفلسطينية واللبنانية. لكن ما لفتني في هذا الإطار هو أن حيدر يعطي للشاعر أبعاداً حدسية استشرافية ذات طابع تنبئي أحياناً حيث يشير في مقدمة قصيدته العراف والزلزال إلى أن هذه القصيدة البشارة قد كتبت قبل ولادة المقاومة الوطنية اللبنانية كما لو انها أرهصت لها وتنبأت بها. وكذلك الأمر بالنسبة لقصيدة لن أساوم، سأقاوم التي يشير الشاعر إلى كونها استشرفت مجازر أيلول الأسود عام ،1970 على أن الأمر الذي يسترعي الانتباه في نتاج الشاعر هو أن الموت وبخاصة من خلال مراثي الشهداء والأصدقاء والأقرباء والقادة وشهداء المجازر الجماعية، يكاد يحتل نصف قصائده ويضفي شعوراً بالحزن وإحساساً عارماً بالفقدان على الديوان برمته. فثمة مراث كثيرة لغسان كنفاني وطربيه العنز وكمال ناصر واحسان عباس وكمال جنبلاط والسيد عباس الموسوي وسناء محيدلي ولأقرباء كثيرين من آل حيدر بحيث يبدو هاجس الموت حاضراً في أعماق الشاعر جنباً إلى جنب مع الحضور المماثل للحياة ولرغبة العيش والتمتع بجمالاته التي مثل قصر المنهل المطل على سهل البقاع وجهها الأكثر سطوعاً.

على أن توزع حسين حيدر بين الرثاء والمناسبات السياسية المختلفة، كما انشغاله بالمنبر وما يتطلبه من احتفاء باللغة والإيقاع والصوت العالي لم يستطع أن يحجب موهبته العالية التي تبدت من خلال مطالعه الكثيرة اللافتة من مثل: لا تحول عينيك إلا قليلا/ فالصهيل المكتوم يضني الخيولا، أو باحت بأحزانها للربح والعشب/ كأنها وطن في بال مغترب، أو أقم في مسار الشمس كالزمن الغالي/ وأشعل نواصي الغيب يا شمس أجيال، أو ضيوفي نجوم الليل والشعر في القيد/ فردي علي الباب يا غربتي ردي. وهذا البيت الأخير هو مطلع احدى قصائد الشاعر التي تحمل عنوان العمر والغربة والتي هي من القصائد الأكثر تميزاً في الديوان، ربما لأنها من المرات القليلة التي ينصت الشاعر فيها الشاعر لأحزان نفسه وأسئلتها الشائكة والمضنية بعيداً عن صخب المناسبات، وللسبب إياه نرى اللغة هنا تشف وتصبح أكثر حنواً:

كبرنا على بعد، فهل أنت قادر

عليها وحيداً، غربة العمر، والبعد

لكل غريب غربة في حياته

ولي غربتان: الشعر، والشعر من بعدي

تساورني والشعر يعصى قصيدة

تقول الذي ما قيل في الزمن الوغد

أحط رحالي فوق أحزان غربتي

فأدرك أن السر في جعبتي وحدي

مقابل هذه الشفافية التي نتلمس ملامحها في قصيدة العمر والغربة نتعرف في القصيدة الملحمة بعلبك إلى جوانب أخرى من شعرية حسين حيدر تتمثل، اضافة إلى متانة أسلوبه وقوة سبكه، في توظيفه البارع للسرد والإخبار داخل القصيدة التي تتحول إلى معلقة حديثة تتضافر على إنجازها الحواس الخمس وتوفر للمخيلة ما يلزمها من مواد أولية للتحليق في فضاءات المدينة وأزمنتها المتعددة، ولم يكن الأمر لينجح في رأيي لو لم يتفاعل الشاعر بصدق وحرارة مفرطين مع المدينة التي ينتمي إليها جسداً وعاطفة وروحاً والتي رأى فيها لا إحدى منابع شاعريته الشخصية فحسب، بل إحدى المنابع الكبرى للشعرية على الأرض. والشاعر الذي يعطي في العادة للسمع حيزاً أساسياً من كتابته يولي في هذه القصيدة أهمية بالغة للعنصر البصري متحدثاً عن النقوش والمجسمات والأعمدة وقصائد الصخور والأزاميل وهياكل بعل وفينوس وباخوس ومعابد اللذة متصادياً مع البحتري في قصيدته الشهيرة عن ايوان كسرى دون أن يخسر بصمته الشعرية الخاصة:

عصائب الزهر تيجان العجول فهل

رأيت في الحلم عجلاً تاجه الزهر

إن ضيّع الشعر إعزاف الرموز، هنا

أوشكتُ من لفتة في الرمز أنبهرُ

لقد بدت هذه القصيدة بحق جدارية حسين حيدر الخاصة والمتأتية عن احتكاك الشاعر بموضوعه الأثير ما ولّد في داخله شرارة الكهرباء التي اتسعت على امتداد روحه وجعلته يقدم على الكتابة في حالة انخطاف وتعبّد كاملين، واللافت هنا أن ثمة تقاطعاً بين جدارية حيدر وجدارية درويش التي أعقبتها بسنوات عدة لا من حيث المقاربة الأسلوبية، حيث لكل عالمه ومناخاته، بل من حيث الانتباه الى العلاقة بين الإبداع والموت من جهة، وبين الإبداع والزمن من جهة أخرى. وإذا كان درويش قد كتب عام 1999 هزمتك يا موت الفنون جميعها فإن شاعر بعلبك قد كتب عام 1993 ما هو قريب من ذلك:

أود لو سفرتي في الدهر أعكسها

لكي أقبّل من شادوا ومن حفروا

ما فضل أربابها، أبناء أخيلةٍ

لخائفٍ أرعبت أيامه الحُفَرُ

جدارة الخلد ليست وهم آلهة

جدارة الخلد بالإبداع تنحصرُ

ولا يمكن اختتام هذه المقالة بأي حال من دون التوقف قليلاً عند واحدة من أجمل قصائد الديوان هي قصيدة الريح والعشب البري التي يهديها الشاعر إلى بادية مقيماً مع الابنة، التي تقع موقعاً خاصاً في نفسه، حواراً مفعماً بالحنين والحب حول الشعر والأبوة والغربة وتحولات الأيام.

ويا عمر قل لي أين تمضي هنيهة

سقتنا رحيق العمر وانفلتت تجري

ويا قاهر الأعمار ما العمر ما الردى؟

غريبٌ حديث الوقت والموت والنشرِ

أتأخذ من أعمارنا زاد رحلةٍ

ويأخذ منك الوقت إكسيره السحري

وكيف يصير الموت وقتاً مسافراً؟

وكيف يصير الوقت بوابة البحرِ؟

في مثل هذه الإطلالات الوجودية المتصلة بالكينونة والمصير وأسئلة الحياة المؤرقة تتجلى موهبة الشاعر الحقيقية حيث يعود الشعر إلى منجمه الطبيعي وترابه الأم، لا في قصائد المناسبات والواجبات الاجتماعية والتوظيف السياسي المباشر والمثقل بالخطابة والشعارات.

ولو أن حسين حيدر خلد أكثر إلى أقبية نفسه المثلمة بأكثر من جرح لكان له من موهبته الخام ما يؤهله لإعطاء المزيد من الروائع، ولرفد القصيدة العربية الكلاسيكية شبه المتخثرة بعناصر الجدة والمغايرة والتحديث.