العديد من الجرائم الأسرية يتحمل وزرها آباء وأمهات تجاهلوا العدل بين أبنائهم وميزوا بعضهم على بعض حيث أغدقوا على أبناء العطايا والهبات وأمطروهم بمشاعر العطف والحنان، وحرموا البعض الآخر من أبسط الحقوق . . وهذا كما يقول العلماء هو العقوق الذي يمارسه الآباء، وهو لا يقل خطورة عن عقوق الأبناء .
طرحنا قضية تمييز بعض الأبناء على بعض للمناقشة على بعض العلماء، فماذا قدموا من توصيات ونصائح؟
في البداية ترصد لنا أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، د .سامية خضر، مشكلة التمييز بين الأبناء داخل الأسر العربية، فتقول: تمييز أحد أو بعض الأبناء على بعض مشكلة ملحوظة داخل كثير من الأسر العربية، ففي داخل كل أسرة تجد ابناً أو أكثر يحظى بالعناية والرعاية وبجرعات أكبر من الحب والحنان، وربما بمزايا أكثر من أشقائه في المأكل والمشرب والملبس والمصروف والمعاملة .
الابن المدلل
وتضيف: قد يكون هذا الابن المدلل من جانب والديه يحمل سمات شخصية وإنسانية تميزه عن أشقائه وشقيقاته، وقد يكون بارا بأبويه، ولطيفاً ورقيقاً في التعامل مع الجميع، وقد يكون متفوقاً في دراسته ويملك مهارات لا تتوافر للآخرين . . لكن كل هذا لا يبرر دينياً وتربوياً واجتماعياً، أن يعامل بأسلوب مميز عن أشقائه، ومن الخطأ أن يتورط الأبوان في تمييز ابن عن أشقائه نتيجة بره أو خفة دمه أو تفوقه، ولو فعل الأب أو الأم ذلك تشجيعاً لهذا الابن فينبغي أن يكون هذا التشجيع أو الحافز بعيداً عن عيون أشقائه وشقيقاته .
وتضيف: على الأب ألا يستجيب لمشاعره ويعبر عن حبه لأحد أبنائه ويغدق عليه العطايا والهبات ويترك الآخرين ينظرون ويحقدون ويحسدون ويفكرون في الانتقام . فالأبوان اللذان يتورطان في مثل هذه السلوكيات مخطئان لا شك في ذلك وعليهما أن يتوقفا عن ذلك فوراً ويعالجا تأثير ذلك في نفوس باقي أبنائهما . وترى أستاذة علم الاجتماع أن الجرائم التي تقع بين الأشقاء مصدرها هذا التمييز، ومن المؤلم أن نقرأ في صفحات الحوادث قيام طفلة عمرها عشر سنوات بخنق شقيقها الذي يبلغ من العمر سنة ونصف السنة، بسبب ضرب أمها لها بسبب عدم حمله وإسكاته عن البكاء .
رواسب في النفوس
أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، د .عادل مدني، يؤكد أن التمييز الذي يصدر عن الآباء والأمهات بحسن نية وكشعور تلقائي تجاه كل ابن حريص على حقوق والديه، أو يحسن التعامل معهما أكثر من غيره من أشقائه . . هذا التمييز يترك رواسب نفسية لدى أشقائه الذين لم يحظوا بهذا التميز في المعاملة، وتظل هذه الرواسب كامنة في نفوس الصغار، حتى يأتي الوقت المناسب للتعبير عنها، وقد يظل الشعور بالغيرة أو الحقد على الابن المدلل أو على الأب أو الأم التي دللته لسنوات طوال حتى يأتي الوقت المناسب للانتقام، وقد يأتي الانتقام في صورة عتاب وفضفضة، وقد يكون عنفاً مزعجاً ومجرماً، لأن العلاقة بين الأشقاء تقوم على الرحمة والتسامح والابن المدلل هنا لا يدفع ثمن أخطائه هو لكنه يدفع ثمن أخطاء والديه .
ويطالب أستاذ الطب النفسي الآباء والأمهات بأن يتصرفوا بعدل وحكمة حتى لا يورثوا أولادهم بغضاء وكراهية تفسد العلاقة بينهم بسبب تصرفات غير مسؤولة، ويقول: الإخوة فيما بينهم في حالة مقارنة مستمرة، وهنا ينبغي أن يتجنب الوالدان عملية المقارنة بين الأبناء وعدم إطراء أحدهم من دون أن يكون هناك عمل خارق يستحق هذا الإطراء العلني الذي يمهد لغيرة غير مرغوبة بين الأشقاء، وهنا ينبغي للوالدين الحرص التام على عدم وضع أي مقارنة بين الأبناء خاصة في الذكاء والقدرات العقلية، والتفوق الدراسي فهنا يشعر الإخوة الآخرون بالإحباط والغيرة من أخيهم، ويجب أيضاً عدم المقارنة بين البنات في الجمال، فهذا الأسلوب يسبب صدمة كبيرة للأخت الأقل جمالاً ويولد لديها انكساراً وعدم ثقة في النفس .
ويرى د . عادل مدني أن كثيراً من الأطفال الذين تعرضوا للتمييز رافقتهم مشاعر الضيق والحقد عند بلوغهم، وانعكست على معاملتهم لأبنائهم في المستقبل، وقد يعاني الطفل المفضل هو الآخر من نظرة إخوانه العدائية .
وهنا ينصح د .مدني الوالدين بقراءة نفسيات أبنائهم جيداً كمحاولة لفهم دواخلهم ومعرفة احتياجاتهم وردود أفعالهم، وهو ما يتطلب جهداً ودراية خاصة لترجمة مشاعر المحبة إلى سلوكيات وتصرفات .
وفي حالة عدم القدرة على ذلك فلا بأس من التصنع لإبداء المحبة لجميع الأبناء، ومن المؤكد أن الأبناء سيرتاحون لهذه المبادرة وستظهر إيجابيتها ولو كانت بسيطة، كما يجب إعطاء الأبناء حقهم في التعبير عن مشاعرهم وحاجاتهم والاستماع إليهم جميعاً .
وينبه أستاذ الطب النفسي إلى ضرورة بث روح التعاون والمحبة بين الأشقاء منذ الصغر وحل الخلافات التي قد تحدث بينهم في أسرع وقت وعدم تركها تتراكم وتتصاعد .
توجيه نبوي كريم
أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية أصول الدين بالأزهر، د .علي السبكي، يؤكد أن الإسلام يرفض تمييز الآباء والأمهات لبعض أبنائهم على بعض ويحذر من التمادي في هذا السلوك المفسد للعلاقة بين الأشقاء . ويقول: ديننا يأمر بالعدل والإحسان في كل شيء ويرغب الوالدين في العدل بين أبنائهما ليدوم الحب والود والبر بين الإخوة وبين الآباء والأمهات، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "اعدلوا بين أبنائكم، ولو في القبل"، فالعدل بين الأبناء واجب ليدوم الاستقرار العائلي ويتحقق الأمن والأمان، وإذا وجد الأب أحد الأبناء عاقاً له فلا يجوز شرعاً أن يقابل الأب العقوق بعقوق مثله، بل يقابله بالبر والعدل والمساواة ليكون قدوة لأبنائه، ولعل البر من الوالد يكون سبباً في استحياء الابن من حسن معاملة الأب .
وعن الجرائم التي تحدث في محيط الأسرة نتيجة عدم التسوية بين الأبناء يقول د .السبكي: هذه جرائم طبيعية نتيجة الخروج على توجيهات الإسلام وتشريعاته العادلة . . التي تحث الآباء والأمهات بل تأمرهم بالتسوية بين أبنائهم ليس في العطايا والهبات فحسب، لكن في المشاعر أيضا، وحرم الإسلام سلوك كل أب أو أم يميزان بين ابن وآخر، فالتفرقة بين الصغار والتمييز بينهم يغرس في النفوس الأحقاد والضغائن ويفقد بعض الأشقاء مشاعر الأخوة والرحمة تجاه أشقائهم، والآباء بهذا السلوك يزرعون البغضاء بين أبنائهم، وهنا أذكّر كل الآباء والأمهات بقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"، وهذا التوجيه النبوي الكريم عام بين كل الأبناء سواء أكانوا ذكوراً فقط أم ذكوراً وإناثاً، فلا يجوز لأب أن يميز ولداً على ولد ولا أن يميز ولداً على بنت، والالتزام بما أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم فيه الأمان النفسي والأمان الاجتماعي الذي نفتقده الآن بسبب بعدنا عن منهج الله .
لكن والكلام على لسان د .السبكي يجوز للأب أن يخص أبناءه الصغار ببعض العطايا والهبات في حياتهم، خاصة الذين لم ينالوا حظهم من الرعاية والتعليم مثل الكبار، أو المرضى الذين يحتاجون إلى نفقات علاج، ويكون ذلك في صورة هبة أو عطية في حياته وليس بعد مماته، ويشترط أن يكون جميع الأبناء على علم بأن هذا ليس من باب التفضيل وإنما من أجل رعاية الصغير والمريض أو ما شابه ذلك، حتى لا يكون هناك حقد بين الأبناء، فالآباء مطالبون بتحقيق العدل بين الأبناء قدر استطاعتهم، ليكون ذلك عوناً على صلة الرحم وإبقاء على المعروف والمحبة بين الإخوة .
صيحة تحذير
الشيخ علي أبو الحسن الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر يساند ويدعم ما قاله د .السبكي ويطلق صيحة تحذير لكل الآباء والأمهات من ارتكاب خطيئة التمييز بين أولادهم، ويقول: العدل بين الأبناء هو شريعة السماء، وهو من أبرز ما قررته الشريعة الإسلامية من حقوق للأطفال، فالله سبحانه وتعالى أمر بالتسوية بين الأبناء في كل شيء، ابتداء من النفقة عليهم ورعايتهم صحياً وبدنياً واجتماعياً وتوفير فرص التعلم والتثقيف لهم حتى الابتسامة والمشاعر .
والإسلام بتقرير هذه المساواة يؤكد أنه دين عدل وإنصاف، فهم جميعاً أولادنا ولا يوجد ما يبرر تمييز ولد على آخر، وهذه التسوية كما يؤكد علماء النفس وخبراء التربية والاجتماع وسيلة من وسائل الاستقرار النفسي للأولاد وللأسرة، فهي تعمق المحبة بين الأولاد بعضهم لبعض، وتضاعف من محبتهم للوالدين والبر بهما والإحسان إليهما، وينعكس أثر ذلك على علاقاتهم بالناس عامة وبالمجتمع الكبير خارج نطاق الأسرة .
ويوضح عالم الفتوى الأزهري أن التسوية التي قررتها شريعة الإسلام وجعلتها حقاً للأبناء على آبائهم تشمل التسوية بين الذكور والإناث حيث لا يجوز أبداً التفريق في المعاملة بين الذكر والأنثى، ذلك أن تفضيل الذكور على الإناث سلوك جاهلي حاربه الإسلام ودانه بكل وسائل الإدانة، كما يعني العدل بين الأبناء في الحقوق الواجبة لهم، أن الأطفال في ميزان الآباء ينبغي أن يكونوا سواسية لا فضل لابن على آخر، فهم إخوة متساوون في كل شيء .