حصّةُ الغريب هو العنوان الذي اختاره الشاعر والباحث والمترجم العراقي كاظم جهاد لكتابه الضخم ، الذي هو في أساسه بحثٌ أكاديمي في شعرية الترجمة وترجمة الشعر عند العرب، والكتاب موضوعٌ أصلاً باللغة الفرنسية، وقام بترجمته إلى العربية المغربي محمد آيت حنا . وقد صدَرَ عن منشورات الجمل، بغداد - بيروت، 2011 .
يتميّزُ هذا الكتاب بالسعة والشمول والعمق والدقة . فهو من جهة بحثٌ في فلسفة الترجمة: إمكانيتها، جدواها، مشكلاتها، آفاقها . وهو من جهة ثانية تبصرٌ في قضية الترجمة إلى اللغة العربية، وتحديداً في ترجمة الشعر إلى هذه اللغة .
في إحدى مقدّمات الكتاب، يتحدّثُ المؤلفُ عن أقسام عمله، بجانبيه النظري والتطبيقي . وفي ما يأتي نُوردُ بعضَ ما جاء في حديثه: القسمُ الأوّلُ
من الكتاب مخصصٌ لتحليل تصوّرات الترجمة التي قدّمها مفكّرو الغرب ومترجموه في العقود الأخيرة، ويتوقف عند تلك التي بدتْ مثمرة أكثر من غيرها، وقام في الفصل الأول من القسم الثاني بعرض مختلف المراحل التي اجتازتْها حركةُ الترجمة في الثقافة العربية في العصر الوسيط، باحثاً عن سبب تجنّب هذه الثقافة ترجمة الآثار الشعرية . أما الفصل الثاني من القسم نفسه فأوقفه على دراسة الترجمة الأدبية في الثقافة العربية في العصر الحديث وانبثاق ترجمة الشعر فيها رويداً رويداً، وفي القسم الثالث عمل على دراسة بعض الترجمات العربية للأشعار الأوروبية دراسة مقارنة نقدية .
إذن، يتألفُ الكتاب من ثلاثة أقسام ، تمتد على أكثر من ستمئة صفحة .
ولا أرْمي الآن، هنا في زاويتي هذه، إلى عرْض الكتاب أو تقويمه أو نقده، فالمجال لا يتّسعُ لمثل ذلك، والكتاب يستحق فعلاً أنْ يكون محوراً لدراسات ومناقشات مستفيضة وعميقة، لِما ينطوي عليه من جهد كبير، ومن تبصر مرهف في قضايا الترجمة بمختلف أبعادها وتشعباتها، وإنْ كان التركيزُ فيه على ترجمة الشعر إلى العربية .
ما رميْتُ إليه، في مقالتي هذه، هو التنويه بأهمية الكتاب الذي بدا لي فريداً بمزاياه التي أشرْتُ إلى بعضها . وقد يكون نادراً في مجاله، أي في مجال البحث في قضايا الترجمة .
إلى ذلك، أحببتُ التوقّفَ قليلاً عند بعض المواقف من الترجمة، التي عرَضَها المؤلف في القسم الثاني من كتابه . وهي من جهة مواقفُ أسلافنا في العصر العباسي (كالجاحظ والتوحيدي والجرجاني)، ومن جهة ثانية مواقفُ مفكّرينا وأدبائنا في عصر النهضة والعصر الحديث . فالمقابلة بين هذه المواقف وتلك من شأنها أنْ تكشفَ لنا ملامحَ أساسية للعلاقة بين الثقافة العربية والثقافات الأجنبية، ولتطوّر هذه العلاقة من القديم إلى الحديث .
في الماضي لم تفرض الترجمة نفسها كهدف في ذاته إلا بعدما صار الإسلام قوة واثقة من إمكاناتها وساعية إلى كسب نفوذ روحيّ وماديّ (ص189) . فالإقبال على الترجمة، خصوصاً على نقل الكُتب العلمية والفلسفية اليونانية إلى العربية، لم يكنْ يشوبه شعور بالنقص أو بالخطر . وقد يصح القول إنّ هذا الإقبال كان يمازجُهُ شعورٌ بالتفوّق لدى العرب، إذْ كانوا آنذاك في سياق تثبيت شخصيتهم الحضارية التي راحت تقوى وتمتدّ .
أما بالنسبة إلى روّاد النهضة ومن تلاهم في عصورنا الحديثة، فإنّ الإقبال على الترجمة بدأ وظل محفوفاً بالحذَر أو الخوف أو النقْص أو الحاجة . . . الخ، وذلك في ظل الحديث المتواصل عن خطر الثقافة الغربية على الثقافة العربية، بل على الشخصية الحضارية العربية . هكذا ارتبط الإقبالُ (الجديد) على الترجمة بكلمات أو مصطلحات أو مفاهيمَ (جديدة)، كالذوبان، أو الاستلاب، أو التبعية، أو الانبهار . . . أو ما شابهَ ذلك .
لقد أظهر كاظم جهاد في الفصل الثاني من كتابه أبرز الدلالات للمواقف العربية من الترجمة، مقارناً بين قديمها وحديثها، ومشيراً إلى دعوات لتجنّب ترجمة الشعر إلى العربية في القديم، وإلى تأخّر المبادرة إلى هذه الترجمة في الحديث، ومستقرئاً أسبابَ هذا التأخّر وأسبابَ ذاك التجنّب .
كتابٌ غنيّ، بذل كاظم جهاد في تأليفه جهداً كبيراً، متوخياً فيه الكثيرَ من التفصيل والدقّة . وهو المعروف بدأبه ومثابرته في البحث على أنواعه . وقد كان لي أنْ ألمسَ ذلك من قبل، عندما اطّلعتُ على ترجمته الكوميديا الإلهية لدانتي، وأُعجبتُ كثيراً بالمقدمة الوافية التي وضعها لهذه الترجمة .