قدم العرب المسلمون في عصور نهضتهم روائع فنية ظلّت مثار إعجاب إلى عصرنا الراهن، وكان من هذه الروائع البديعة الحرف العربيُّ الذي كان له تأثير واضح في الفنون الغربية في كل من صقلية وإيطاليا وإسبانيا وغرب فرنسا والبلقان، حيث استخدم الفنانون الغربيون الحرف العربي في معظم الأساليب المعمارية والزخرفية والفنون التشكيلية والتطبيقية المختلفة .
لقد كان للحرف العربي حضوره المتميّز والذي استمر من القرن الثامن حتى بداية القرن الماضي في الإبداعات الفنية الغربية نتيجة لتضافر جهود الأمم التي انضوت تحت راية الإسلام، والتي عملت من خلال مبدعيها من الخطاطين على تجويد هذا الفن الجميل الذي شهد تقدماً كبيراً أسهم في وضع الحرف العربي في أسمى مراتب الفنون . ويتجلَّى ذلك بوضوح في إسهام الحرف العربي في تطوير بعض أشكال الحروف الأوروبية نفسها، عندما حاول بعض الفنانين الأوروبيين أن يكتبوا بالحروف اللاتينية بصورة تقرب في شكلها العام من صورة الخط الكوفي، ونجحت هذه المحاولة، وتجلت بأروع صورة في الكتابة القوطية .(1) ومن أمثلة ذلك صحن زُيّنت أطرافه بعبارة لاتينية بالخط القوطي ونصها: Ave Meria وهي عبارة مأخوذة من إنجيل لوقا .(2)
كما يتضح تأثير الخط العربي في الكتابات الأثرية بالخط القوطي على قبور (ريتشارد الثاني) وعلى أحد القبور في (فيشيليك) وفي (يوكشير) وفي كنيسة (ساوث ايكر) .
الكنائس
ومن أمثلة تأثر الفنانين الغربيين بالخط العربي ما تذكره الكثير من المراجع والدراسات العربية والأجنبية عن وجود الكنائس والأديرة المنتشرة في أماكن متفرقة من أوروبا، والتي خُطَّت بكتابات عربية كوحدات زخرفية، سواء في عمارتها أو في أبوابها، ومن هذه الكنائس والأديرة نذكر على سبيل المثال كنيسة (خرا لميوس) في مدينة كالماتا في اليونان والتي تحتوي على زخارف قائمة على الخط الكوفي، حيث نسِّقت أطراف الألف واللام من لفظ (الجلالة) . . على شكل الصليب المتساوي الأضلاع .(3)
ونرى آثاراً أخرى للحرف العربي على مزولة قصر روجر الثاني تمثل كتابات وأدعية بأن يمد الله في عمر الحاكم ويؤيد بيارقه، وقد دوّن بالتاريخ الهجري .
وفي مذبح كنيسة (أوفيدو) في إسبانيا، يوجد إفريز حفرت عليه (البسلمة) كاملة ورغم ذلك الخلط بين حروفها الذي أضاع معناها، فإنها لم تفقد جمالها .(4) ويتزيّن باب كنيسة (البوي)، بزخارف مستمدة من الخط الكوفي، تنتشر في أعلى الباب وجوانبه، ويعتقد أنها تكرار لعبارة (الملك لله)، منقولة بتصرف عن تحفة إسلامية .
ومن مظاهر التأثير الحضاري العربي الإسلامي الذي يمكن رؤيته بوضوح في وجود كلمة الله والسنة الهجرية في مكان كان يتوقع المرء أن يجد فيه نزعة مسيحية بارزة أنه شاهد قبراً مكتوب عليه باللغة العربية أقامه الملك غريزانتي سنة 1149م، لأمه المتوفاة في كنيسة شيدت خصيصاً لها .(5)
الصناعات الحرفية والتقليدية
انتشرت الصناعات الحرفية والتقليدية الإسلامية في أسواق أوروبا في العصور الوسطى انتشاراً كبيراً، حيث أقبل على شرائها الملوك والأمراء والأثرياء ورجال الدين، فأثارت الغيرة عند الصناع الأوروبيين، وحفّزتهم على محاولة محاكاتها، سواء من حيث أساليب الصنعة، أو طرز الزخرفة . ومما لا شك فيه أن وفرة استيراد أوروبا للتحف الإسلامية من مختلف البلاد ومنذ بداية الحروب الصليبية، قد فتح الطريق أمام تطور الفنون والصناعات الأوروبية، تطوراً أدى إلى نموها نمواً كبيراً، حيث أصبح إنتاج التحف الفنية ضرورة من مقتضيات عصر النهضة الأوروبية . وقد كانت المحاكاة أول حلقة من حلقات هذا التطور، ثم أخذ رجال الفن الأوروبي يستكشفون أساليب جديدة في الصناعة، ويصوغون الزخارف بروح متجددة ويلبسونها صبغة أوروبية بقيت تكشف عن مصادرها الإسلامية العربية .(6)
ألف الصناع الأوروبيون شكل الخط العربي وعرفوه بالتدريج مع أنهم لم يستطيعوا قراءته . . ومن الأدلة على معرفتهم شكله وجهلهم قراءته وجود صليب أيرلندي مطلي بالبرونز البراق في المتحف البريطاني . . يرجع عهده إلى القرن التاسع، حيث كتب في وسطه بالخط الكوفي عبارة عربية هي باسم الله .(7)
ومنذ ذلك الوقت أخذ نقل الحروف والزخارف الإسلامية يزداد انتشاراً في الصناعات الأوروبية، وأصبحنا نشاهده على مطارق الأبواب مثل مطرقة باب كنيسة (ورتبرغ) في ألمانيا التي كتب عليها كتابة دائرية تتضمن أدعية وألقاباً مكتوبة بخط عربي زخرفي جميل . وكذلك مطرقة باب من البرونز في (كابلة بوهيموند) الجنائزية في (كانوسا)، ورف خلف المذبح في كنيسة وستمنستر وشبابيك قديمة من الزجاج الملون، ولوحة من الرخام ب(التسيون) في أثينا .(8)
نجد الزخرفة المستمدة من الحرف الكوفي على بعض الخزفيات التي تعود لعامي 1200 و1300م . مثل حافة صندوق من الخشب المطعم بالعاج من إسبانيا في القرن السادس الهجري (12م) وهو محفوظ في كاتدرائية طرسوسة بإسبانيا، ويحيط بحافة الصندوق كتابة بالخط المغربي الذي تصعب قراءته . (9)
المنسوجات
لقد كانت للمنسوجات العربية الإسلامية المزخرفة بزخارف نباتية وخطية كوفية بصماتها الواضحة في فنون أوروبا، وذلك لما تمتاز به هذه المنسوجات من جمال رائع يمتاز برقتها وتوازنها الذي تتسم به تصاميمها . وهذه المنسوجات - شأنها شأن التحف الإسلامية - كثيراً ما سلكت طريقها إلى خزائن الكاتدرائيات الغربية حتى وإن كانت نقوشها تحمل اسم الخليفة المسلم أو كانت مكرسة للدعاء إلى الخالق، وهي لاتزال محفوظة هناك منذ ذلك الحين . (10) وقد وصلت اقتباسات الفنانين الغربيين للخط العربي ذروتها عندما طرزت بعبارات مختلفة ذات محتوى ديني ودنيوي نقلاً عما طرزت به الأقمشة العربية، فظهرت هذه العبارات بحذافيرها على أردية تتويج الأمراء والأباطرة، بل حتى على الملابس الدينية لكهنة الكنائس ورجال الدين، والأغطية المستخدمة في الطقوس . (11)
ومن أشهر المنسوجات المزخرفة بالخط العربي، عباءة تتويج الملك روجر الثاني التي نسجت في صقلية عام 1134م، المحفوظة الآن في فينا، حيث زينت حافتها بشريط من الخط الكوفي، وهي تتضمن العبارة التالية: مما عمل بالخزانة الملكية - المعمورة بالسعد والإجلال والكمال والطول والأفضال والقبول وبلوغ الأماني والآمال وطيب الأيام والليالي بلا زوال ولا انتقال بالعز والرعاية والحفظ والحماية والسعد والسلامة والنصر والكفاية بمدينة صقلية سنة ثمان وعشرين وخمسمئة . (12)
ومن العباءات الأخرى التي صنعت في أوروبا وتمتاز بطابعها العربي عباءة حريرية لقس يدعى (أوتو الثاني) المتوفى عام 1196م، حيث نجد على عباءة هذا القس شريطاً زخرفياً مؤلفاً بالكتابة بالخط الكوفي غير مقروء . (13)
التوقيعات
نشأ فن التوقيعات في ظل الدولة الإسلامية منذ العصر النبوي، ولعل أبرز مظاهر الجمال في هذا الفن، قصر الجمل، وامتد تأثير هذا الفن إلى توقيعات بعض ملوك أوروبا وعلاماتهم، ومن أشهر التوقيعات الحروفية توقيع روجر الأول حاكم صقلية (1060-1091م) حيث كان توقيعه عبارة (الحمد لله شكراً لأنعمه) . وتشير مخطوطتان قوطيتان في مكتبة بوردو، اتخاذ ملوك أراجون عام (1084-1134) توقيعات لهم بالحرف العربي .
لقد ذكر الرحالة بن جبير أثناء زيارته لصقلية عام 581ه / 1185م، عن الملك غليالم الثاني (561-585ه/ 1166-1189م) أنه كان يتشبه بملوك المسلمين (ومن عجيب شأنه المحدّث به أنه يقرأ ويكتب بالعربية وعلامته الحمد لله حق حمده وكانت علامة أبيه الحمد لله شكراً لنعمه) . (14) كما ذكر أيضاً أن الأمير الإسباني الأراكوني، سانجو الأول كان يصر بأن يوقع اسمه بحروف عربية (15)
التصوير والنحت
رغم قلة الأعمال الفنية الموثقة تاريخياً، إلا أننا نستنتج من خلال بعض الدراسات التي تناولت هذا الموضوع أن الحرف العربي قد لفت أنظار الفنانين الأوروبيين ووظفوه في لوحاتهم، منذ العصور الوسطى وحتى القرن العشرين، حيث عمل الأوروبيون على إضافة عناصر الفن الإسلامي من زخارف نباتية وكتابية إلى أعمالهم بطريقة تكميلية أو زخرفية، من دون معرفة مدلولات الكلمات عند نقل أشكال حروف الكتابة العربية، أو حتى إدراك لمعنى مفهوم الزخرفة عند الفنان المسلم، فكل ما في الأمر أنهم نقلوا الشكل من دون المحتوى، بطريقة تدل على انبهار من الخارج بملامح الأشكال الزخرفية . (16)
ومن أوائل الفنانين الأوروبيين الذين استخدموا الحرف العربي كعنصر زخرفي في لوحاتهم الفنان الإيطالي جيتو Giotto (1276-1337م) .
ومن الفنانين الذين وظفوا الحرف العربي في لوحاتهم، الفنان فرا أنجيليكو Fra Angelico والفنان فرا ليبو ليتي Fra Lippo Lippi (1406-1469) حيث قاما بتوظيف الحرف العربي في أكمام العذراء وحواشي ثوبها، وعلى هالة الرؤوس .
ويتضح توظيف الحرف العربي في لوحة تبجيل الملوك للفنان جنتلي دافبريانو Gentil da Fabriano 1370 (1370-1427) إذ زين وشاحاً يرتديه أحد الأشخاص بالكتابات العربية، كما نشاهد هذا التوظيف للحرف العربي أيضاً في الهالات المرسومة حول رأس العذراء ومن يحيط بها . كما نشاهد الكتابات الكوفية أيضاً في لوحة عشق المجوس للفنان نفسه، كما نشاهدها تتكرر على الهالات وعلى العباءات والملابس في لوحات أنطونيو فيفاريني Antonio Vivarini (1440-1480)، وفي لوحة Jacopo Bellini (1400-1470)، وهنري بيليشوسو Henri Belechoso (1415-1416) .
واستفاد الفنان الفلورنسي فيروكيو (1435-1488) أستاذ ليوناردو دافنتشي من خط النسخ في زخرفة تمثاله البرونزي داود المحفوظ في البارجيلو في فلورنسا .
كما يوجد في متحف اللوفر بباريس كراسة تعود للفنان بيزانلو الإيطالي (1395-1455)، حيث تشتمل هذه الكراسة على ورقة كتب عليها بخط النسخ المملوكي: (عز لمولانا السلطان الملك المؤيد أبو النصر شيخ عز نصره) .
واستفاد الفنان الإيطالي جيوفاني جوليانو (1430-1516)، من السجاجيد الشرقية حيث قام بتضمين لوحته المرسومة ب(البورتريه) سجادة مزخرفة بعناصر نباتية وكتابة كوفية، حيث جاء في أرضية اللوحة تكرار كلمة (عند) وكذلك حرفا (م) و(و) .
ومن الرسامين الأوروبيين الذين عملوا على توظيف الكلمة والحرف في بداية القرن الماضي على مسطحات لوحاتهم، الفنان بول كلي (1879-1940)، ونذكر من لوحاته المهمة الرسوم التي أطلق عليها اسم الصور الرمزية . . ويتضح فيها تأثره الكبير بالخط العربي وباتجاهه من اليمين إلى الشمال واستدارة حروفه . (17)
حظيت الكتابات العربية على المنتجات الإسلامية باهتمام كبير من الباحثين القدامى والمحدثين، سواء منهم العرب والمسلمين، أو المستشرقين لتكون في متناول الباحثين والمختصين في هذا المجال .
لكن لم تحظ الكتابات العربية في الفنون الغربية بالأهمية نفسها، وما كتب حولها يعدُّ قليلاً من كثير مما يمكن أن يكتب وهو الذي يجب أن تفرد له المزيد من البحوث والدراسات التحليلية المتعمقة، لذلك فقد آثرت أن أستفيد من تلك الدراسات والأبحاث قديمها وحديثها للوصول إلى فكرة غنية جديدة تسهم في توضيح الدور المهم الذي لعبه الحرف العربي في فنون الغرب الحضارية والمعاصرة .
الهوامش:
1- مجلة المورد: تراثية فصلية، تصدرها وزارة الثقافة والإعلام - دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، الجمهورية العراقية، المجلد الخامس، العدد (4) شتاء ،1986 ص104 .
2- إيناس حسني: أثر الفن الإسلامي على التصوير في عصر النهضة، دار الجيل للطباعة والنشر، ط،1 2005م، ص134 .
3- مجلة الثقافة العربية: العدد (11)، 1978م، ص89 .
4- المصدر نفسه .
5- اتنجهاوزن، فن التصوير عند العرب، ترجمة وتعليق عيسى سلمان وسليم طه التكريتي، بغداد، 1974م، ص44 .
6- حسن عبدالفتاح: الرسوم الإسلامية وأثرها في التصوير المعاصر، رسالة دكتوراه، ،1984 ص363 .
7- إيناس حسني: المصدر نفسه، ص132 وانظر كذلك مجلة الثقافة العربية: الجماهيرية الليبية، العدد (6) يونيو 1997 ص132 .
8- مجلة المورد: مصدر سابق . ص109 .
9- د . مايسة محمود داود: الكتابات العربية على الآثار الإسلامية من القرن (1-12ه)، مكتبة النهضة المصرية، ط،1 يناير، ص153-154 .
10- ديفيد تالبوت رايس: الفن الإسلامي، ترجمة: فخري خليل، ط،1 ،2002 ص93 .
11- مجلة المورد: مصدر سابق، ص103 .
12- محمد عبدالعزيز مرزوق: مكانة الفن الإسلامي بين الفنون: مجلة كلية الآداب-جامعة القاهرة، المجلد ،19 ج،1 1957م، ص128 .
13- مجلة فكر وفن: العدد (10) 1967م، ص20 .
14- المصدر نفسه .
15- ابن جبير، رحلة ابن جبير، تحقيق حسين نصار، القاهرة، ط،2 دار صادر، د .ت، ص83-84 .
16- إيناس حسني: المصدر السابق نفسه، ص120 .
17- مجلة المورد: المصدر السابق نفسه، ص108 .