يستعيد القارئ سيرة الرجال الكبار من قادة الإمارات، لأهمية حضور هذه السيرة العظيمة في الشعر الشعبي في أكثر تجلياتها وضوحاً، ويقرأ واحدنا في كتاب حياة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، في الخامس من الشهر الثامن من عام ،1971 فيستمع إليه، رحمه الله، صارخاً بأعلى صوت، اجتمعت فيه إرادة أصحاب السمو، حكام الإمارات، ورجال الإمارات، وأبناء وبنات الإمارات: الاتحاد أمنيتي وهدفي، فأبناء هذه المنطقة شعب واحد، وإن أبناء هذه المنطقة إخوة من أصل واحد، لغتهم واحدة، ودينهم واحد، وحتى الأرض التي عاشوا عليها منذ آلاف السنين كانت دائماً وحدةً واحدةً.

من هذه المقولة الخالدة للمغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، يستشف الباحث في الشعر الشعبي أسرار المسيرة التي قد تبدأ بعبارات قليلة تتردد على لسان الشخص ليصير أسطورة شعبٍ في واحد، وواحد في شعب، وليصير الحاكم متخيلاً عظيماً يفترض أبعاداً لا تحدّه كشخص، مهما بلغ من مراتب التقدير والتبجيل والمحبة، فهو لم يعد هو، بل صار وطناً وشعباً ورجالاً في رجل، بل صار درساً خالداً للتاريخ في بناء الأوطان والإنسان، والوطن في مرحلة التمكين بعد مرحلة التأسيس، والمواطن واحدٌ ينظر في العهدين والمرحلتين ليقرأ في كتاب تاريخ الإمارات الرائدة، ببصمات خالدة، تحفر عميقاً في ذاكرة البشر والحجر والشجر، بأحرف من نور، تليق برجالات الوطن الإماراتي وأصحاب السمو حكامه الكرام، وهذا ما يظهر في وصف الشاعر صالح بن عزيز المنصوري في قصيدته بعنوان درع الوطن للعلاقة الإشكالية ذاتها، إذ يبادر إلى إهداء التحية في العيد السابع والثلاثين للوطن إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلطان آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، يقول:

تهدى لبو سلطان مني تحيات

سلام وافي والقوارع شريفة

كريم سبلا لك فضايل ومدات

وفضلك كما وبلٍ حشودٍ قنيفة

من ساس حكامٍ لهم صيت وثبات

وتاريخكم تشهد عليه الصحيفة

أهل الكرم وأهل النفوس العزيزات

وانته مغن الطيب وانته حليفه

فيك الرجا ما يخلف الظن هقوات

وانته ذرانا عقب زايد خليفة.

والشخص الرمز إذاً، كما يرد في القصيدة، شخص قائد، اجتمعت فيه الصفات العظيمة للإنسان المثال، من كرم وجود، وعزة نفس، وفضائل كثيرة لا تحصى، يصير حلماً ورجاءً لدى الكثيرين من أبناء الوطن، بل يصير أسطورة حلم ترقى إلى مصاف الأساطير الخالدة لأبطال الملاحم اليونانية والرومانية والعراقية القديمة.

ويظهر هذه الجدلية التي لم تعد إشكالية في الإمارات، بل صارت مسلّمةً وحقيقة لا جدال حولها، الشاعر راشد شرار في قصيدته رمز الإمارات يقول:

طالع بقلبي سيدي شوف وش فيه

دمه خليفة وحس نبضه الإمارات

وطالع بصدري وشوف عرشه وكرسيه

تجلس عليه وتسكن بداخل الذات

أخذت من زايد وفاه ومعانيه

وأضفيت من طيبك لطيبه علامات.

الرمز

كأن الشاعر يغوص في عمق هذه الجدلية ليقول في الشعر ما اعتاده من فلسفاتٍ قديمة، وحكم خالدة على مر العصور، ويقول في الحكم وعلم السياسة والاجتماع والفكر، لا علم اللغة والمعاني والبيان فقط، فالقائد هو رمز الوطن، وخليفة هو رمز الإمارات، يرجو الشاعر طيفه الحضور ليكون المخاطَبَ العزيز، والحاضر الحبيب، ويصير الشاعر في امتحان الولاء والانتماء، قلباً نابضاً بحب وطنٍ لا يكون إلا بحب قائده، وصفحةً مخطوطة بمداد من نزف القلب لعبارات يكتبها الشاعر بالأحمر في بياض الروح ونقاء النفس وصفاء السريرة لا في بياض الصفحة وحدها.

وفي مقام آخر في القصيدة ذاتها، يقول الشاعر راشد شرار:

شوف الوطن شرقه يغني لغربيه

يا باني فوق الحضارة حضارات

إسمك شرايين الأحبة تغذيه

وحبك ينع في دارنا وصار واحات

ننطق خليفة يقول الإحساس لبيه

وايصك بجناح الحروف السماوات

الحرف إنته صرت بحره وشاطيه

والمفردات بذكرك تصير دانات

يا سيدي هذا العطا ما نوفيه

وإنته بقدرك فوق كل العبارات

لكن لو إنت تشوف قلبي وما فيه

تلقى خليفة فيه رمز الإمارات.

وهنا تبرز الجدلية أكثر، لا عبر الإنسان الشخص/ الرمز كما هي، بل عبر الصفة للموصوف، فكأن الوطن هو، في اتساع أفق تفكيره، وسعة قلبه المحب للوطن وأبنائه، وعظمة أفعاله التي يخلّدها التاريخ، فالشخص الرمز يدخل عالم الأسطورة في قصيدة الشاعر راشد شرار، به يتوحد الوطن بجناحيه، وهو بانيه وباني حضارته ومجده، واسمه اختزال حب المواطن للوطن فيه، تخضر به الصحراء وتتفتح بحبه براعم الخير في الواحات والصحراء، ماء حب وانتماء وولاء، لينطق الجميع باسمه فيلبي الإحساس العاجز عن التعبير، في اللغة المكسورة لضعفها عن الوصف، إذ يقول الشاعر: يا سيدي هذا العطا ما نوفيه.

ويقول الشاعر عارف عمر في جدلية الوطن الإنسان أو الشخص الرمز الذي يخرج بذاته عن اللفظة والحرف إلى الدلالة أو لغة المعنى، من قصيدته وطن مجد:

وطن مجد ووطن عز ووطن ذكرك تعلا به

شعب يا موطني يزرع غلاك بداخله أوطان

وطن فخر ووطن طهر ووطن ما نمشي إلا به

وطن كل ما نقول اسمك نعرف أن الكلام اوزان

وطن تشرق بك الدنيا كبير وما لك مشابه

تشربنا شموخك يا وطن وعروقنا وديان

على نهج الزعيم اللي ترك في حضنك كتابه

تربينا على قوله وعرفنا أن الوطن إنسان

وإن اختلفت قصيدة الشاعر في الرمز إلى الشخص الرمز، وبرمزية أعمق ودلالة أبعد، فالشاعر عارف عمر لا يتردد في كتمان جدلية العلاقة بين الشخص/ الإنسان/ القائد والوطن، إذ يريد لشعره أن يحمل البيت المفتاح، والعبارة الموضوع، وهي قوله على نهج الزعيم اللي ترك في حضنك كتابه/ تربينا على قوله وعرفنا أن الوطن إنسان، وبهذا يرقى عارف عمر إلى تعبير شعري عميق الدلالة، يتسع بقدر حب الشاعر الخالص للوطن، ورمز هذا الوطن، حاكمه وإنسانه وشخصه، فالغلا في داخل أبناء الإمارات من محبتهم لقائدهم ورمزهم الوطني، فهو الموصوف بالفخر والطهر والشموخ وكلها أوصاف الزعيم/ الشخص/ الرمز.

وفي مكان آخر من قصيدة وطن مجد تبرز سمة الوضوح في الغرض، كأن للشاعر عارف عمر أسلوباً جماهيريا في القول الشعري، يعتمد على مبدأ السهل الممتنع، فهو في المقطع التالي من القصيدة يسرد، ويلجأ إلى السرد، لأن الوطن تاريخ، والتاريخ حكاية، بطلها هذا الشخص بكل صفاته التي تليق بالوطن المنسوب إليه وهو المنتسب إليه، فهما طرفا علاقة انتماء وحب، علاقة جدلية التبادل الرائع، ونبل الوفاء، من الحاكم لشعبه، ومنه لأرضه، وهما في ذاته، ضرورتان ليكتمل، يقول الشاعر عارف عمر:

وشع بوسط غيمات الحزن نور وسرينا به

وبان الفجر بعيون الوفي الحر أبو سلطان

خليفة مد يمناه وخذا الحمل وتعدا به

دروب المستحيل وصار ذكرك يا وطن عنوان

نفاخر بك على الدنيا وحملك ما شقينا به

لأنك يا وطن عشق وترابك للوفا أحضان

وطن حلم ووطن علم ووطن كل تغنا به

إماراتي عشقناها، وطن، واحنا لها أوطان.

أما الشاعر محمد بن حماد الكعبي فيباشر في خطاب الشخص الرمز، ويصفه بصفات الوطن ليصيره، اثنين في واحد، كما اتساع قلبه الكبير حتى يصير معلماً للأجيال حب الوطن في أروع صور هذا الحب، في أعمق صفات المروءة والنجدة واللهفة التي عرفها العرب فبجّلوها وخلّدوها في مخزونهم التراثي شعراً ونثراً وسيرةً من سير الخالدين، يقول الشاعر محمد بن حماد الكعبي في قصيدته ميثاق الوفاء:

تحت ظل الكريم اللي غلاك مغذي دمه

زعيم قلوبنا وسراجها الوهاج في الاعتام

إذا قلنا خليفة شبهر الطيب وشمر كمه

هذا راس المراجل والتقى عن هاوية الايام

عليه آمالنا تتزاحم وأحلامنا جمّه

عسى الله يرزقه حسن القدا واخوانه الحكام

ويتغنى الشاعر جاسم الماس في قصيدته معجز الإعجاز بحب خليفة ويخاطبه بالود والتبجيل، ويصل بالتحقق الشعري للمعنى إلى أقصى غاياته، فبه تتمنى الأهداف وتتحقق أمانيها، به نهوض الشعب والدولة والوطن، وهما ثلاثة المجد الذي اذا اجتمع لأحد، فاز الفوز العظيم، فكيف به يصير ذكراً عطراً في الشعر بعد الحياة، وفي المعنى والدلالة بعد اللغة واللفظة.

انتصار الإرادة

وتكتمل صورة الشخص/ الرمز، في علاقة الإنسان بالوطن، والأرض، والوطن وجهة كل قلب، واتجاه كلّ سيرة ومسيرة، فكيف إذا كانت المسيرة تسرد المصاعب والمعوقات، وصراع الإرادات، وانتصار الإرادة الجبارة في بناء وطن وتأسيس دولة، يقول الشاعر عبيد راشد اليليلي في قصيدته الوطن الإنسان:

الوطن إنسان وإنسانه وطن

موطنين بموطن واحد سطن

أب وابنه صار له مثله كأب

ذا ظهر هذا وذا لهذا بطن

عمرهم ما ناموا في وقتٍ سوا

لو غفا موطن ترا موطن فطن

الوطن صرح وعمدانه هله

وما سقط صرح وعمده ما سقطن

موطني كلي فدا له موطني

موطني فيه انتصاراتي بطن.

كأن الشاعر عبيد اليليلي يصل إلى الغاية التي تجد حلاً لهذه الجدلية في علاقة الشخص بالوطن، ورمزية هذه العلاقة، فالوطن قلب بالنسبة إليه، ولا يمكن للوطن أن يكون إلا إذا كان حباً مستوطناً قلوب أبنائه، بل قلب الرمز في حياة هؤلاء، الحاكم القائد والوالد، وهو البدر لهذا الوطن، إذا عزت الشمس، وهو الرمز إذا عجز اللفظ عن التعبير الشعري الأصدق في العمق، والأقوى في الإيحاء، والأوسع في الدلالة، والأبعد في الإشارة.

والشاعر عبيد اليليلي ينظم قصيده في كل ذلك، ويصل الأول بالثاني والثالث وهكذا، فالأول الوطن، والثاني حاكمه وقائده وسيده، والثالث الشعر والشاعر والإنسان، وبين هؤلاء تسلسل الدلالة في المعاني المترابطة كعقد في جيد التاريخ، التاريخ الذي يقوله شعراء الإمارات في الشعر، في العيد السابع والثلاثين للاتحاد وفي كل عيد، لا كخطاب مديح اعتاده الشعر حتى ملّه، وغاص فيه الشعراء حتى استهلكوا مفرداته والفاظه فضاعت معانيه، بل كخطاب مودة وانتماء عميقين عمق ارتباط الإنسان الإماراتي بأرضه ووطنه، فالشعر يقول في الانتماء مقولة الهوية، والهوية هي الوطن والوطن هو الشخص الرمز، يقول الشاعر اليليلي في موضع آخر من القصيدة:

الوطن قلب عظيم وين ما

تذهب أنفاسه لضلعيك امتطن

الوطن شمس وناسه كالبدر

وكم كوكب دون شمس ما انشطن

الوطن بالمختصر أرضي وأنا

موطنين بموطنٍ سمي وطن.