المحافظة على أسرار العلاقات الزوجية واجب مشترك على كلا الزوجين لا يجوز لأحدهما إفشاؤها وإلا كان خائناً للأمانة، وقد أحاط الإسلام هذه العلاقة بعناية خاصة وصيانة قوية وحذر من الاستهانة بالتحدث فيها.
لكن للأسف هناك بعض الأزواج والزوجات لا يحترمون هذا الحق ولا يخجلون أن يكشفوا أسرار علاقاتهم الحميمة في المجالس الخاصة وغرف الدردشة على شبكة الانترنت. وكشفت إحصائية حديثة أن 60% من المحادثات والحوارات التي تتم في المنتديات العامة والخاصة وغرف الدردشة تتطرق إلى أسرار العلاقة الزوجية والممارسات الجنسية بين الزوجين على سبيل الفضفضة أو بغرض الشكوى من تجاهل الشريك الآخر، أو لطلب النصيحة من الآخرين.
في البداية تؤكد الدكتورة فايزة خاطر أستاذة العقيدة الإسلامية بجامعة الأزهر أن حفظ الأسرار الزوجية واجب على الزوج والزوجة معا، لأن العلاقة بينهما مقدسة ولها حرمتها ولا يجوز لأي من الزوجين أن يتحدث عنها تحت أي ظرف إلا في حالات خاصة كأن يكون في الزوج عيب يعوقه عن القيام بواجباته بشكل طبيعي وتضررت الزوجة من ذلك، ورفض الزوج تطليقها واضطرت إلى اللجوء للمحكمة ففي هذه الحالة فقط يجوز لها أن تتحدث عن أمر يخص علاقتها الخاصة جداً بزوجها، ويكون الحديث لهيئة المحكمة بعيدا عن الآخرين.
أشر الناس
أما الزوج الذي لا يحافظ على أسرار علاقته الخاصة بزوجته ويهوى الحديث عن مغامراته مع زوجته في جلسات الأصدقاء وغرف الشات فهو ضعيف الشخصية وضعيف الإيمان لأن تعاليم ومبادئ ديننا وعاداتنا وتقاليدنا العربية الأصيلة تجرم هذا السلوك من الزوج أو الزوجة، لأن فيه إهانة للطرف الآخر، حتى لو حدث الطلاق لا يجوز لأي من الزوجين أن يتحدث عن أمور علاقته الخاصة بالطرف الآخر.
وتؤكد د.فايزة خاطر أن الإسلام أحاط هذه العلاقة بسياج من القدسية والتكريم فيقول الله تعالى: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثَاقاً غَلِيظاً، ومبنى هذه العلاقة على السر والخفاء، وقال عز وجل: هُن لِبَاسٌ لكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لهُن.
ولما كان في الحديث عن هذه العلاقة من إشاعة الفاحشة وجرح المشاعر وابتذال العواطف والأحاسيس فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم من يفشي سر أهله بأنه من أشر الناس.
فقد جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة تحكي لصديقاتها عما يحدث مع زوجها، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: إن الذي يفعل ذلك مثله مثل شيطان يأتي شيطانة على قارعة الطريق وهذا تصوير يؤكد التنفير والتقبيح لأن الأمور الزوجية ينبغي الحفاظ عليها بكل الوسائل.
خصوصية في كل شيء
الدكتور محمد نبيل غنايم أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية دار العلوم جامعة القاهرة يرى أن خصوصية الحياة الزوجية لا تقف عند ما يخص العلاقات الخاصة بين الزوجين وما يتعلق بأمور المعاشرة الزوجية، بل كل ما يحدث بين الزوجين من مناقشات وخلافات وأمور تتعلق بالأولاد وما يخص الظروف المالية للأسرة، كل ذلك له حرمته، ولا يجوز لأحد من الزوجين أن يتحدث عنه لأطراف أخرى، فلا يجوز للزوجة مثلا أن تنقل لأسرتها أسراراً بينهما وما يمتلكه الزوج من أموال وما يكتسبه من عمله، وإذا كان الزوج مريضاً لا يجوز أن تتحدث عنه لأي شخص مهما كانت صلة قرابته أو علاقته بالأسرة، فما يدور في بيت الزوجية يجب أن يبقى داخل جدرانه لأن اطلاع الآخرين على ما يخص الزوجين أمر مخالف للمروءة ومناف للآداب والتعاليم الإسلامية، والأحاديث النبوية الواردة في هذا الشأن كثيرة وكلها تحث على الاحتفاظ بأسرار الزوجية حتى لا تصبح حديث الناس.
ومن هنا فلا يجوز والكلام على لسان د.غنايم لأحد من الزوجين نقل المشكلات الزوجية القائمة بينهما إلى أسرتيهما أو أصدقائهما دون موافقة الطرف الآخر، كما أن التسرع في نقل هذه الخلافات غالبا ما يؤدي إلى تضخيمها وتعقيدها، فهناك وسائل إصلاح متعددة ومتدرجة أمر بها الإسلام لحل ما يطرأ بين الزوجين من خلافات ونشوز من جانب الزوجة، تبدأ بالنصح والوعظ ثم الهجر في المضاجع، ثم الضرب غير المؤثر جسدياً وفي حالة فشل كل هذه الوسائل يأتي الحل الأخير وهو التحكيم الأسري عن طريق اختيار عناصر حكيمة من الأسرتين لعرض الخلافات عليهما بهدف الإصلاح.
أمانة يجب صونها
الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر السابق يؤكد أن العلاقة بين الزوجين أمانة يجب على كل منهما أن يصونها ويقول: عن أسماء بنت يزيد أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجال والنساء قعود عنده فقال: لعل رجلاً يقول ما فعله بأهله ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها فأزم القوم أي سكتوا فقلت: أي والله يا رسول الله إنهم ليفعلون وإنهن ليفعلن قال: فلا تفعلوا، فإنما مثل ذلك مثل شيطان لقي شيطانة فغشيها والناس ينظرون.
ويقول: لا يوجد إنسان عاقل سواء رجلا أو امرأة لديه مروءة وكرامة وشهامة يتحدث مع زملائه في العمل أو أشخاص لم يرهم ولا يعرفهم سوى من خلال غرف الدردشة عن علاقته بزوجته وما يحدث بينهما في غرف النوم.
ويضيف: إن الحياة الزوجية لن تستقر على دعائم متينة من الحب والألفة إلا إذا كان هناك احترام متبادل بين الزوجين، والزوج أو الزوجة التي تفشي أسرار حياتهما لا يمكن أن يكونا جديرين بالاحترام، وقد أوصى الإسلام بالحفاظ على أسرار الحياة الزوجية سواء منها ما يخص العلاقات الخاصة أو ما يتعلق بأمور الأسرة بصفة عامة، فعلى كل طرف أن يحافظ على سر الآخر ويحترم خصوصياته.
خراب البيوت
الدكتورة سامية الساعاتي أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس تؤكد أن حفظ أسرار العلاقة الخاصة بين الزوجين حق لهما وإذا وقعت مشكلة وكان ولابد من طرف ثالث ليحلها فلابد أن يكن شخصاً كتوماً مشهوداً له بالتقوى والصلاح حتى لا تتعقد الأمور وتتطور المشكلة.
وترى د.سامية الساعاتي أن من يتحدث عن العلاقات الجنسية يعاني في الغالب مشكلة نفسية أو مرضية، فالزوج الذي يفعل ذلك فيحاول أن يثبت لنفسه أنه سعيد أو لا ينقصه شيء بدليل أنه يفخر برجولته أمام الآخرين، والعكس، فالزوجة التي تروي لصديقاتها عن زوجها لن تفعل ذلك إذا كانت على وفاق مع زوجها.
وتؤكد أن إفشاء سر البيت أول وسائل هدمه وتخريبه، وكما قال رب العزة سبحانه وتعالى فإن العلاقة بين الزوجين ميثاق غليظ، يفرض على كل طرف من طرفي العلاقة أن يكون أمينا على سر صاحبه هذا إذا كان الأمر يتعلق بموضوع عام داخل الأسرة، أما في ما يتعلق بالعلاقة الخاصة فحديث المرأة فيها خروج عن الحياء وحديث الرجل فيها تخل عن كل معاني الرجولة.
الدكتور ممتاز عبدالوهاب أستاذ الطب النفسي في جامعة القاهرة يرى أن الحديث في الأسرار الجنسية يجلب خرابا للبيوت لأنها ستمس أسرار الأسرة الاجتماعية والمادية. ويرى أن الإهمال العاطفي يعتبر الدافع الأساسي عند الزوجين للخوض في علاقات أخرى يتحدثون فيها عن مشاكلهم الخاصة بغرف النوم فحين تنصرف الزوجة إلى أعبائها الأسرية والشخصية وحين ينصرف الزوج إلى أشغاله تتقلص مساحة الاهتمام بينهما، وتكون النتيجة إهمال الزوجة لمظهرها ولزوجها مما يولد شعور الزوج بالفراغ العاطفي فيلجأ إلى تكوين صداقات بعيدا عن زوجته.