شهدت الساحة العالمية في السنوات الأخيرة جرائم اعتداء على الإنسان بشكل عام استهدفت النيل من عرضه وسمعته، وساعدت في انتشار هذه الجرائم كثرة وتعدد وسائل الإعلام والاتصال بشكل كبير حتى صار العصر الذي نعيشه يطلق عليه عصر الإعلام والفضاءات المفتوحة.

لكن مما يؤسف له أن البعض من الناس لم يستخدم هذه التقنية الحديثة والتقدم في وسائل الاتصال والإعلام بالشكل الصحيح، فصار يسخر هذه الوسائل للعدوان على سمعة وعرض الناس سواء كان ذلك في الصحف أو التلفزيون أو الفضائيات أو الإنترنت ورسائل التليفون المحمول.

ورغم وضع القوانين التي تعاقب على ارتكاب هذه الجرائم فإنها ليست كافية بالقدر الذي يمنعها تماما.. وإذا نظرنا إلى ديننا الحنيف وجدناه قد صان حق الإنسان في الحفاظ على سمعته وعرضه بشكل غير مسبوق.

الدكتور نصر فريد واصل أستاذ الشريعة الإسلامية، عضو مجمع البحوث بالأزهر ومفتي مصر الأسبق يبين ما قررته الشريعة الإسلامية الغراء من حق للإنسان في المحافظة على عرضه وسمعته، مشيرا إلى العقوبات التي أقرتها الشريعة للمحافظة على العرض وصيانة السمعة، ومنها حد الزنى: وتختلف عقوبة الزنى باختلاف الجاني، فإن كان محصنا وتوافرت شروط إقامة الحد فعقوبته الرجم، لأن المنطق والعقل يقضيان بتكامل العقوبة على هذا الإنسان لتكامل النعمة عليه.. فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث.. زنى بعد إحصان، وارتداد بعد إسلام، وقتل بغير حق.

وعن جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ماعز بن مالك ولم يذكر جلدا.

وإن كان الزاني غير محصن ولم تتكامل النعمة عليه فإن الشرع خفف عقوبته وجعلها مائة جلدة إجماعا والتغريب مدة عام عند جمهور الفقهاء، والعقوبة بشقيها الجلد والتغريب ملائمة لحاله، وتتماشى مع ظروفه وهي رادعة عن العودة لمثل ما اقترف وزاجرة لغيره عن الإقدام على هذه الجريمة الشنعاء يقول الله تعالى: الزانِيَةُ وَالزانِي فَاجْلِدُوا كُل وَاحِدٍ منْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ منَ الْمُؤْمِنِينَ.

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى في من زنى ولم يحصن بنفي عام وإقامة الحد عليه.

واهتمام الشريعة الإسلامية بحفظ أعراض الناس وصيانة أنسابهم تعود مصلحته على الفرد والجماعة، فالفرد يأمن على نفسه وأهله وذويه من العابثين، وبذلك ينعم بالراحة النفسية والاطمئنان مما يؤثر في عمله بالإخلاص وفي إنتاجه بالجودة.

وأما المجتمع فتعمه المحبة وتسوده الفضيلة لانتفاء الرذيلة منه مما يؤدي إلى تعاونه تعاونا بناء في شتى مجالات الحياة.

حد القذف

ومن الحدود التي قررتها الشريعة لحماية عرض الإنسان وسمعته كما يقول د. نصر فريد واصل حد القذف، وهو عقوبة رادعة لمن يقذف إنسانا بالزنى ولم يستطع إثبات ما رماه به حتى لا يتطاول على أعراض الناس ويُنال منها وحتى لا تشيع الفاحشة في المجتمع الإسلامي مما يؤثر في بنيانه وينخر في كيانه. وبتطهير المجتمع من هذه الجريمة نحفظ للأسرة نقاءها ونصونها من كيد المتقولين، وعقوبة القذف ثمانون جلدة متى توافرت شروط إقامتها يقول الله تعالى: وَالذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُم لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلدَةً وَلَا تَقْبلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات.

وقال صلى الله عليه وسلم: اجتنبوا السبع الموبقات فقيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات. فإن لم يكن المقذوف محصنا فللحاكم أن يعزر الجاني بما يراه رادعا له وزاجرا لأمثاله حتى لا تنزلق ألسنتهم بالنيل من أعراض الناس.

ولم يقتصر حد القذف الذي وضعته الشريعة على الغرباء فقط بل على أقرب اثنين وهما الزوجان فيما يعرف بحد اللعان فإذا قذف الرجل زوجته وكانا من أهل الشهادة والمرأة ممن يحد قاذفها ولم يستطع الزوج إثبات ما رماها به فإنهما يتلاعنان، واللعان هو شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن قائمة مقام حد القذف حق الرجل، وإذا تم اللعان فرق بينهما بتطليقة بائنة.

قال بعض العلماء: تحرم عليه حرمة مؤبدة لقوله صلى الله عليه وسلم: المتلاعنان لا يجتمعان وقد بيّن القرآن الكريم كيفية اللعان فقال تعالى: وَالذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لهُمْ شُهَدَاء إِلا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنهُ لَمِنَ الصادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَن لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَن غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصادِقِينَ.

ولم تكتف شريعة الإسلام الغراء بحماية عرض الإنسان المسلم فقط، وإنما أوجبت كذلك حماية عرض الإنسان بصرف النظر عن دينه وجنسه ولونه، فيكفي أنه إنسان.. لذلك فإن الإسلام أوجب على أتباعه حماية عرض الذميين الذين ضمن لهم الإسلام التمتع بحريتهم الدينية بمقتضى عقد الذمة الذي هو عقد أبدي كما يرى ذلك جمهور الفقهاء، يسري على الذمي وعلى ذريته من بعده، وبهذا العقد يصبح لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين.

لذلك فإن من يعتدي على عرض الذمي بالزنى يقام عليه حد الزنى، فقد أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه القاعدة بقوله: لهم ما لنا وعليهم ما علينا.

وأكثر من هذا فإن الإسلام الحنيف قد حفظ وصان عرض الإنسان المستأمن في ديار الإسلام.. وهو الشخص الذي يسمح له بالإقامة مدة محددة تقل عن سنة ويكون من أهل دار الحرب وقد دخل دار الإسلام بمقتضى عقد الأمان أو منحة تعطيه حق الإقامة وذلك بقصد تعلم الدين أو التجارة أو السياحة أو الزيارة، فإن زادت إقامته على السنة صار من أهل الذمة وكان عليه من الواجبات ما على أهل الذمة لأنه سيصير له من الحقوق مثلهم.

تقديس الحرمات

ويؤكد الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح الأستاذ بجامعة الأزهر أن الإسلام صان بتعاليمه الأعراض والكرامات بل وصل برعاية حرمات الناس إلى حد التقديس، وقد نظر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يوما إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة منك وحرمة المؤمن تتمثل في حرمة عرضه ودمه وماله.

وفي حجة الوداع خطب النبي صلى الله عليه وسلم في جموع المسلمين فقال: إن أموالكم وأعراضكم ودماءكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا.

وقد حفظ الإسلام عرض الفرد من الكلمة التي يكرهها تذكر في غيبته وهي صدق فكيف إذا كان الكلام افتراء لا أصل له؟! إنها حينئذ تكون حوبا كبيرا وإثما عظيما.

وفي الحديث الشريف من ذكر امرأ بشيء ليس فيه ليعيبه به، حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاذ ما قال فيه، وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: أتدرون أربى الربا عند الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم ثم قرأ رسول الله قوله عز وجل: وَالذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مبِيناً.

والإسلام يحرم السخرية من الناس فلا يحل لمسلم يعرف الله ويرجو الدار الآخرة أن يسخر من أحد من الناس أو يجعل من بعضهم موضع هزئه وسخريته وتندره ونكاته، ففي هذا غرور مقنع واحتقار للآخرين وجهل بموازين الخيرية عند الله ولذا يقول تعالى: لَا يَسْخَرْ قَومٌ من قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً منْهُمْ وَلَا نِسَاء من نسَاء عَسَى أَن يَكُن خَيْراً منْهُن.

كذلك حرّم الإسلام اللمز والطعن والتنابز بالألقاب والله تعالى يقول: وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ.

سوء الظن

ومن الحرمات التي شدد عليها الإسلام صيانة للعرض والسمعة سوء الظن حيث يقول الله: اجْتَنِبُوا كَثِيراً منَ الظن إِن بَعْضَ الظن إِثْمٌ فالإسلام يريد أن يقيم مجتمعه على صفاء النفوس وتبادل الثقة لا على الريب والشكوك والتهم والظنون، والأصل في الناس أنهم أبرياء ووساوس الظن لا يصح أن تعرض ساحة البريء للاتهام.

ومن ذلك أيضا منع التجسس، فللناس حرمة لا يجوز أن تهتك بالتجسس عليهم وتتبع عوراتهم حتى وإن كانوا يرتكبون إثما خاصا بأنفسهم ما داموا مستترين به غير مجاهرين. وقد جعل رسول الله تتبع عورات الناس من خصال المنافقين، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله.

وأوجب القرآن الكريم على كل من أراد أن يزور إنسانا في بيته ألا يدخل حتى يستأذن ويسلم: يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لكُمْ لَعَلكُمْ تَذَكرُونَ فَإِن لمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. وفي الحديث أيما رجل كشف سرا فأدخل بصره قبل أن يؤذن له فقد أتى حدا لا يحل له أن يأتيه.

منع الخلوة

ومن الوسائل التي قررها الإسلام لحماية العرض كذلك منع الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبية ليس فقدانا للثقة بهما أو بأحدهما ولكن تحصينا لهما من وساوس السوء وهواجس الشر وألسنة الناس لذلك يقول رسول الله: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان. والتحذير من الخلوة، يشمل كذلك خلوة المرأة بأحمائها أي أقارب زوجها وأقاربها لما يحدث عادة من تساهل قد يجر إلى عواقب وخيمة لأن الخلوة بالقريب أشد خطرا من غيرها، ولذلك قال رسول الله: إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت. وكذلك وضع الاسلام بعض القواعد الشرعية التي تحمي الأعراض وتصون السمعة عن أن يتطاول عليها أحد من المتطفلين كإلزام المرأة بعدم السفر خارج الوطن حتى وإن كان ذلك لأداء عبادة أو شعيرة كالحج أو العمرة دون مرافقة الزوج أو في صحبة مأمونة، وكذلك عدم خروجها من بيتها إلا بموافقة الزوج حتى وإن كان الخروج لزيارة الأبوين. وعدم السماح لها بإدخال أحد في بيت زوجها في غيابه حتى لو كان من أقاربها أو أقاربه، وأيضا تجنبها مواطن الشبهات مثل الوقوف في أماكن مشبوهة أو بعيدة عن الأعين والناس.

ومن القواعد الشرعية أيضا لحفظ العرض تحريم إطالة النظر بين الرجل والمرأة ولذلك قال تعالى: قُل للْمُؤْمِنِينَ يَغُضوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ وقال أيضا: وَقُل للْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِن.