الإسلام هو دين العلم والمعرفة، يدعو أتباعه إلى المزيد من العلم والثقافة، بل أمر الله تعالى صفوة خلقه، وخاتم رسله بأن يطلب منه المزيد من العلم، وأن يدعو بذلك، وهو الدين العالمي الذي جاء بالدعوة العامة في الزمن وفي المكان، وبعث بدستوره السماوي الخالد خاتم رسل الله ورحمة الله للعالمين سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم.

لعموم الدعوة وخلودها إلى أن يقوم الناس لرب العالمين اتسم دستورها السماوي وهو القرآن الكريم بالعموم والخلود فنزل تبيانا لكل شيء، ولعموم الدعوة وخلودها تكفل الله بحفظ دستورها، فحفظه رب العزة سبحانه وتعالى في الصدور وفي السطور، ولعموم الدعوة وخلودها أرسل لها رسولاً هو رحمة للعالمين لم تختص دعوته بقوم دون قوم ولا بزمان دون زمان، كما قال الله تعالى.

ولعموم الدعوة وخلودها صان الله تشريعها السماوي من أي دخيل أو مدسوس، فكما تكفل الله تعالى بحفظ القرآن الكريم تكفل سبحانه بحفظ كل حقيقي وصحيح من الحديث النبوي، ليكون بياناً للقرآن، فقيض الله لحفظ السنة النبوية المطهرة رجالاً أمناء عرفوا بالعدالة وبالضبط والورع وقمة الذكاء فصانوا السنة النبوية المطهرة من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

ولعموم الدعوة وخلودها كانت حقائق التشريع فيها توحد ولا تفرق وتدعو إلى التمسك بالوحدة الإلهية من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه، وفي دائرة هذا الوحي المعصوم كان الاجتهاد في الأمور التي لم يرد فيها نص وكان التفكير الإسلامي من أهل العلم المتخصصين.

لا حجر على الفكر

ولعموم الدعوة وخلودها كان منهاجها الرباني يتسم بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فلم ينتشر بالقوة ولا بالسيف، وحين يكون المجتهدون في أمور الدنيا أهلا لهذا الاجتهاد وتتعدد الآراء فإن الإسلام لا يحجر على رأي، ولا يصادر فكرا ما دام صحيحا وما دام صاحبه من أهل الاجتهاد، فقد كان رسول الله يقر بالاجتهاد وتعدد الآراء، تأكيدا لسماحة الإسلام ويسره، وما كان يعنف أحدا، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي فلم يعنف أحداً منهم.

وهكذا نرى أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه كان يقر الاجتهاد الصحيح، ويقبل تعدد الآراء ما دام ذلك في إطار الحق والصواب، وما دام ذلك فيما لم يرد فيه نص، ولم يصادم آية من كتاب الله تعالى.

وعبر عصور الإسلام الزاهرة، ما كان سلف هذه الأمة حين تتعدد آراؤهم يلزم أحدهم الآخر برأيه ولا يُكره أحد أحداً على شيء، فقد روي أن الإمام أبا حنيفة النعمان رحمه الله تعالى قال: هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر أحداً عليه، ولا نقول: يجب على أحد قبوله بكراهية، فمن كان عنده شيء أحسن منه فليأتِ به.

الإفتاء بغير علم

وأما موقف الإسلام من الآراء التي لا تكون صحيحة، فإنه ينكرها ولا يقرها، بل لا يقر ابتداء أحداً على القيام بالاجتهاد أو الإفتاء أو الرأي في دين الله إلا إذا كان مزودا بعلوم الاجتهاد والإفتاء من التفسير وعلوم القرآن والقراءات وأسباب النزول والحديث وأسباب الورود والناسخ والمنسوخ والفقه والنحو والصرف وغير ذلك من العلوم.

وحذر الإسلام من اتباع آراء من لا علم لهم، لأنهم يضلون ويُضلون كما قال رسول الله: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا، وإن من لا علم له حين يفتي في دين الله أحد يضله ولا يهديه، ويعرض من يفتيه إلى الهلاك، عن جابر رضى الله عنه قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حجر في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على رسول الله، أخبر بذلك فقال عليه الصلاة والسلام: قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإن شفاء العيي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده، ففي قوله صلى الله عليه وسلم: قتلوه قتلهم الله ما يفيد اعتبار الذين أفتوه خطأ فأوردوه موارد الموت بمثابة القتلة لأخيهم حين أفتوا خطأ بغير علم.

تواضع الأئمة

لقد كان لأئمتنا رحمهم الله تعالى جهودهم التي تذكر فتشكر في مجال الاجتهاد، وكانت لهم آراؤهم المتعددة، والتي قد يختلف فيها بعضهم مع الآخر، ولكنهم مع هذا لم يتعصبوا ولم يلزم أحدهم الآخر برأيه.

فقد كانت هناك أسباب عديدة لاختلاف وجهات النظر من بينها: ألا يكون الحديث قد بلغ بعضهم، أو يكون بلغه ولكنه لا يثبت عنده، لأن أحد رجال الإسناد مجهول أو متهم أو سيئ الحفظ، أو يعتقد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره، أو يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده ولكنه نسيه.

ومن أسباب الاختلاف أيضاً، ما يرجع إلى بعض القواعد الأصولية كأن يأخذ بعضهم مثلا ببعض تلك القواعد الأصولية: كالمصالح المرسلة، أو سد الذرائع، أو الاستحسان، أو الاستصحاب، أو العرف ولا يأخذ البعض بهذه القواعد.

ومع اختلافهم في بعض الأحكام، إلا أنهم لا يتعصبون لآرائهم لأنها لم تكن اختلافات على الأصول، بل في الفروع، كاختلافهم في قراءة البسملة وعدم قراءتها، وفي الجهر بها أو الإسرار، ولم يلزموا أحدا بآرائهم ولم يمنع اختلافهم هذا أن يصلي بعضهم خلف بعض.

فنرى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يصلي في مسجد الإمام أبي حنيفة قريباً من مقبرته، فلم يقنت في صلاة الصبح، مع أن القنوت عند الإمام الشافعي سنة، فلما قيل له في ذلك أجاب قائلاً: أأخالفه وأنا في حضرته؟.

وعندما أراد الخليفة المنصور أن يلزم الناس بالموطأ قال الإمام مالك: يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، فدع الناس وما اختار كل بلد منهم لأنفسهم، فقال الخليفة: وفقك الله يا أبا عبدالله.

وحدة واجبة

إن حقائق الإسلام وتشريعاته توحد المسلمين ولا تفرقهم، وإن اجتهادات الأئمة وتعدد الآراء واختلافهم أحياناً إنما كان في الفروع لا في الأصول، ولم يمنع الاختلاف من وحدتهم وتضامنهم ولم يكن يوماً مدعاة للتعصب لرأي دون الآخر.

ولما كان للتشريع الإسلامي هذا المنهج، فإن من الطبيعي أن نقدر دعوته لتوحيد موقف المسلمين من كل أمورهم الدنيوية، وفي كل خطاهم وحياتهم وخاصة تجاه التحديات المعاصرة التي يتعرضون لها.

وفي دعوة الإسلام لتوحيد موقف المسلمين تجاه التحديات يحذر القرآن الأمة الإسلامية من أهم تلك التحديات التي يحاول أعداؤها أن ينشروها بين أبنائها وهي التي تتمثل في الخلافات التي تعد أكبر تحدٍ وأخطر معول هدم يقضي على هذه الأمة، ومن أجل ذلك نرى الاستعمار قبل أن يغادر بعض الدول التي تحررت ترك حدوداً مصطنعة وترك حدودا تمثل تنازعاً واختلافاً بين الدول حتى لا تتحدد الأمة وحتى تظل في خلافات سياسية ودولية فيما بينها.

وإلى جانب الاختلاف على الحدود، راح أعداؤنا يضخون الخلافات الفقهية التي جرت بين العلماء في بعض المسائل الفرعية، ففي جو الخلاف تضعف الأمة، ويتغلب عليها عدوها وبهذه الخلافات في الأمور الدينية استطاعوا أن يحدثوا شروخاً بين فصائل الشباب المسلم ولا شيء أقسى وأخطر من الاختلاف في الدين، إنه اختلاف يتهدد دنيا الإنسان بالأخطار، ويتهدد آخرته كذلك، ولذا اعتبره القرآن خروجاً عن حظيرة الإسلام، والذين يشغلهم الخلاف يهدرون حياتهم دون طائل ويضيعون أعمارهم من غير فائدة.

ومن بين تلك التحديات ما ينهض به أعداء هذه الأمة من محاولة حصرها في موقف المدافع، لا في موقع المنطلق لنشر دعوته، المهاجم بها لكل الأباطيل، وبهذا المخطط الخبيث بث أعداؤنا كثيرا من الشبهات التي لا تقع تحت حصر، ليجعلوا المسلمين في موقف المدافع عنها وليشغلوهم بها.

فانتشرت دعاوى وشبهات حول المرأة في الإسلام، وشبهات أخرى حول تعدد الزوجات، وحول الطلاق، وادعاء انتشار الإسلام بالسيف أو بالقوة وكلها شبهات زائفة ولا أساس لها من الصحة، وتعاليم الإسلام ذاتها تحمل الحكم التشريعية العليا، والأسرار الإلهية التي تحمل سعادة البشر، وتحمل العدالة والحق والخير في كل تشريع إلهي محكم، وليس معنى هذا ألا نرد على تلك الشبهات، بل المراد أن نرد عليها بالقيام بنشر الإسلام وإبراز فضائله ومحاسنه وتشريعاته السمحة التي كانت من أهم الأسباب في نشر الإسلام واعتناق الكثيرين له عن اقتناع ومحبة.

شبهات زائفة

انتشرت دعاوى وشبهات حول المرأة في الإسلام، وشبهات أخرى حول تعدد الزوجات، وحول الطلاق، وادعاء انتشار الإسلام بالسيف أو بالقوة وكلها شبهات زائفة ولا أساس لها من الصحة، وتعاليم الإسلام ذاتها تحمل الحكم التشريعية العليا، والأسرار الإلهية التي تحمل سعادة البشر، وتحمل العدالة والحق والخير في كل تشريع إلهي محكم، وليس معنى هذا ألا نرد على تلك الشبهات، بل المراد أن نرد عليها بالقيام بنشر الإسلام وإبراز فضائله ومحاسنه وتشريعاته السمحة التي كانت من أهم الأسباب في نشر الإسلام واعتناق الكثيرين له عن اقتناع ومحبة.

* رئيس جامعة الأزهر السابق

وعضو مجمع البحوث الإسلامية