تؤكد موسوعة حقوق الإنسان في الإسلام للباحثة الإسلامية الدكتورة خديجة النبراوي أن حقوق الإنسان في الإسلام تختلف عنها في الفكر الغربي من حيث المنطلقات الأساسية، ففي حين تنطلق حقوق الإنسان في الإسلام من أن الإنسان كرمه الله عن بقية المخلوقات وهو تكريم يرتبط بالعبودية لله سبحانه وتعالى تنطلق حقوق الإنسان في الفكر الغربي من السيادة المطلقة للإنسان التي لا تعلوها سيادة وبالتالي فليس هناك أي اعتبارات إلا لحرية الإنسان أيا كان تصرفه، فهو حر في ذاته على عكس الفكر الإسلامي الذي لا يعتبر الإنسان حرا في ذاته بل هو مسؤول عنها محاسب عليها، كما يحاسب عن أعماله تجاه الآخرين .

كذلك تضع الموسوعة التي تتجاوز سبعمائة صفحة من القطع الكبير في اعتبارها أن هناك تضادا وليس اختلافا فقط بين الفكر الغربي والفكر الإسلامي في نظرته لحقوق الإنسان، والتضاد يظهر في أمور عده منها الآثار الناجمة عن تصور حقوق الإنسان في المنهج الشرعي مقارنة بالفكر الغربي، فحقوق الإنسان في الإسلام منحة ربانية من الخالق للإنسان وليست من الإنسان للإنسان، كما أنها عامة لكل الأفراد من دون تمييز بينهم في تلك الحقوق بسبب اللون أو الجنس أو اللغة، وهي ليست مطلقة وإنما مقيدة بعدم التعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية وبالتالي بعدم الإضرار بمصالح الجماعة التي يعتبر الإنسان فردا من أفرادها .

د . خديجة النبراوي تقسم الموسوعة إلى دوائر عامة تتضمن دائرة الأسرة وتناولت حقوق الطفل والوالدين والزوج والزوجة، وتضمنت الدائرة الثانية حقوق الإنسان في المجتمع وتناولت حقوق الأهل والأقارب وحقوق الجار والمعارف والأيتام والمرضى والشيوخ والفقراء والمساكين والخدم والموتى .

أما الدائرة الثالثة فتناولت حقوق الإنسان في دائرة الحكومة كالحقوق السياسية، والعدل والمساواة والحرية والشورى والحقوق الاقتصادية كعدالة توزيع الثروات والتملك والتصرف وتوفير فرص العمل والتنمية والرقابة على الأسواق لحماية المستهلكين وحماية الملكية العامة والحقوق الاجتماعية والرعاية الاجتماعية والضمان الاجتماعي وتيسير الإجراءات والحفاظ على الصحة العامة وتوفير الخدمات العامة ورعاية العلم والمواهب والثقافة .

أما الدوائر الخاصة فتتضمن دائرة حقوق غير المسلمين في الدولة الإسلامية وحقوق غير المسلمين على المستوى الشعبي وكذلك المستوى الحكومي ثم دائرة حقوق المرأة في الإسلام .

حقوق الطفل

وتبدأ حقوق الإنسان في الإسلام بحقوق الطفل حيث تهتم به الشريعة الإسلامية قبل مولده بل قبل تكونه جنينا، وهذه الحقوق تؤكد الفارق بين فكرين، فكر يسعى إلى تحقيق اللذة بأي شكل وبأقصى حالاتها من دون مراعاة لأي قيمة أخرى مهما كانت أهميتها، وبين فكر ينطلق من السعي إلى تحقيق مقاصد الشريعة التي تعين على عباده الله، لذا فإن حق الطفل يبدأ باختيار الزوجة التي ستنجب الطفل واختيار الزوج الذي سينجبه، هنا تتراجع مكانة اللذة وإن كانت غير مهملة تماما وإنما لابد أن تأتي في إطار منظومة متكاملة، لذا فمن حق الطفل أن يحسن أبوه اختيار زوجته وتحسن أمه اختيار زوجها لأنه سيكتسب منهما الصفات الوراثية وتتحدد البيئة التي سينشأ فيها والعناية التي سيحظى بها، ومن معايير الاختيار التي وضعها الإسلام: التدين والتكافؤ وخلو الزوجين من الأمراض المنفرة أو المعدية أو الوراثية الخطيرة .

ومن حقوق الطفل ألا يتم قتله بعد أن أصبح جنينا ولذلك يحرم الإجهاض وإذا وقع إجهاض مقصود كانت على الفاعل الدية وهذا الحكم يعكس منطلق الشريعة الإسلامية، كما أن السماح بالإجهاض يعكس منطلقات الفكر الغربي التي تجعل الأصل اللذة والحرية الذاتية ولا تسمح الشريعة الإسلامية بالإجهاض إلا إذا تعرضت الأم لخطر إذا استمر حملها بل إنه لا يجوز قتل الحامل التي حقت عليها عقوبة الإعدام إلا إذا وضعت حملها بل وأصبح الطفل قادرا على الأكل أي بعد اكتمال إرضاع الطفل .

ومن حقوق الطفل أيضا حقه في الانتساب إلى أبويه وحقه في النفقة سواء على والده أو الدولة، ووضعت الشريعة مدة زمنية تتمثل في قدرة الولد على أن يصبح قادرا على الكسب وأتيحت له فرص عمل، أما بالنسبة للفتاه فتظل نفقتها على والدها حتى الزواج فإذا كان الوالد غير قادر على الإنفاق أصبح على مؤسسات الدولة الإنفاق كما أن للطفل الحق في حضانة آمنة وجعل الإسلام لأمه الحق في الحضانة وعلى أبيه الإنفاق لأنه لا يجوز أن تحرم أم من وليدها .

ومن حق الطفل التربية الصالحة التي تعلمه أن عليه واجبات كما أن له حقوقا وأن يربى على الرحمة من الكبار فيعرف معاني الاحترام للكبير ويرحم إذا كبر الصغير .

وفي دوائر المجتمع نجد د .خديجة النبراوي تبدأ بالخدم لأن الخدم هم أضعف عنصر من عناصر المجتمع واهتمام الإسلام بالضعفاء يعتبر اهتماما خاصا على عكس الأيديولوجيات الأخرى التي لا تهتم إلا بالأقوياء .

وتبدأ حقوق الخدم بحسن معاملتهم والرحمة بهم، والخدم هنا هم كل من يعمل لدى آخر مهما اختلفت المسميات أي أن الأمر يشمل كل الأُجراء، وقد اعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم من يعذب خادمه ويتعنت معه من شرار الناس بل إن من حقوق الخدم رعاية مشاعرهم، لذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يطعم الإنسان خادمه مما يأكل بل أمر بأن يكرمه كما يكرم الأبناء .

توفير فرص العمل

ومن دائرة الحكومة تتناول المؤلفة حق توفير فرص العمل والتنمية الاقتصادية فتؤكد أن الإسلام يجعل العمل ليس مقابل أجر فقط وإنما مقابل أجر وثواب وبالتالي فإن الإخلاص مطلب ديني والالتزام به يرضي الله ورسوله، كما أن السعي في جنبات الأرض التماسا للرزق من القربات إلى الله وقد سمى المولى سبحانه وتعالى هذا السعي باسم جميل هو الابتغاء من فضل الله حيث يقول تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون أي أن النشاط الدنيوي والنشاط الروحي يمتزجان ويسلم كل منهما إلى الآخر، فالعمل حق إنساني لتحقيق الحياة الكريمة وفي الوقت نفسه قربة من القربات إلى الله سبحانه وتعالى .

ومن حقوق الإنسان في العمل والتملك والتنمية ألا يتعدى حق الفرد حقوق الآخرين حيث يجب أن ينتفع الجميع بوسائل الري حتى لا تواجه عملية التنمية معوقات وهذا يتفق وتوازنات الشريعة فحقوق البعض هي واجبات عند آخرين، كما تشمل حقوق الإنسان رعاية أجور العمال وتوفير الحماية اللازمة لهم فقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من استأجر أجيرا ولم يوفه حقه خصيما له يوم القيامة، ومن الحقوق أيضا أن توفر الدولة فرص العمل مثل توفير الأرض ليستصلحها الناس أو تستصلحها لهم وألا يستأثر الفرد بما فوق طاقته من الأرض، فعن عبد الله بن أبي بكر أن بلال بن الحارث المزني أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقطعه أرضا طويلة عريضة فلما ولي عمر، قال لبلال: إنك استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا طويلة عريضة فقطعها وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يمنع شيئا يسأله فإنك لا تطيق ما في يديك: فقال: أجل، قال فانظر ما قويت عليه منها فأمسكه وما لم تطق فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين . . فقال: لا أفعل والله، شيء اقتطعنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم . . فقال عمر: والله لتفعلن . . فأخذ منه ما عجز عن زراعته وقسمه بين المسلمين .

ومن حقوق الإنسان في دائرة الحقوق الاقتصادية حمايته من الاستغلال بمراقبة الأسواق سواء أكان اقتصادا حرا أو غيره، والمراقبة تتضمن سلامة الموازين وسلامة البضائع فلا تكون فاسدة أو مغشوشة كما تكون الرقابة لمنع الاحتكار والنهي عن العدوان . وكان عمر بن الخطاب ينادي على أهل مكة قائلا: يا أهل مكة لا تحتكروا الطعام بمكة فإن احتكار الطعام بها للبيع إلحاد وهو يذكرهم بقوله تعالى: ومن يرد فيه بإلحاد نذقه من عذاب أليم .

الرعاية الاجتماعية

ومن حقوق الإنسان في الإسلام حق الرعاية الاجتماعية خاصة للمحتاجين، لذلك كان التكافل الاجتماعي الذي يتم من خلال بيت المال بالنسبة للأيتام واللقطاء وأصحاب العاهات والمطلقات والأرامل والشيوخ والعجزة والمنكوبين، أما الزكاة فتصرف في مصارفها الثمانية التي تضمنها قوله تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم . ومن هنا فإن وجود شحاذ في مجتمع يعيب المجتمع، فقد روي أن عمر مر برجل مسن يسأل الناس فسأله: من أنت؟ قال: ذمي يسأل الناس الجزية والصدقة . . قال: ما أنصفناك أكلنا شبيبتك ثم نضيعك في هرمك . . ثم أخذه إلى بيته فأعطاه ما وجده وأرسل إلى خازن بيت المال يقول: انظر هذا وضرباءه (أي أمثاله) فاقرض لهم من بيت المال ما يكفيهم وعيالهم . . إنما الصدقات للفقراء والمساكين وهذا من مساكين أهل الكتاب . ومر وهو في طريقه إلى الشام بقوم مجذومين من النصارى فأمر بأن ينفق عليهم من بيت المال وبأن يجعل لكل واحد منهم من يخدمه ويقوم على شؤونه .

ومن المحتاجين اليتامى واللقطاء والمطلقات والأرامل وإذا كان اليتامى من الأغنياء فإن حقهم تنمية مالهم ورعايته الرعاية الجيدة، أما المطلقات فلهن رعاية في العدة ورعاية بعد العدة . أما في العدة فقد أوجب الإسلام للمرأة المطلقة نفقة من مال الزوج وأوجب لها السكنى حتى تنتهي عدتها .

ومن حقوق الشباب تيسير سبل الزواج لهم من دون تركهم يعانون مجاهدة أنفسهم والمهور المرتفعة كذلك لأصحاب الديون حق التخفيف منها والوفاء بها ويتحقق ذلك بسبل شتى، منها عدم التعنت في المطالبة يقول صلى الله عليه وسلم: من أنظر معسرا فله بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فانظره فله بكل يوم مثليه صدقة . . كذلك معاونتهم في السداد خاصة من لا يستطيع السداد .

ومن الدوائر الخاصة حقوق غير المسلمين الذين تحكمهم قاعدة: لهم ما لنا وعليهم ما علينا فلهم المساواة في الحقوق والعدل وحرية العقيدة والتواد معهم والضمان الاجتماعي والوفاء بالعهد ورحمة الراعي على الرعية .

والموسوعة تنتهي إلى أن عظمة حقوق الإنسان في الإسلام تنطلق من قواعد إلهية وضعها خالق الكون لعباده وتنتهي إلى رجاء رحمته وتقربا إليه . . إذن هي محكومة من البداية بصلاحها للإنسان وفي النهاية بتحقيق نعيمه في الآخرة وفي الدنيا قبل ذلك .