د. جعفر عبد السلام

لا يزال القانون الوضعي في البلاد الإسلامية يتنسم - للأسف - خطى الغرب، وهو ضيف دائم على المائدة الفرنسية في معظم الأحيان، كما لا يزال الانبهار بفكر الغرب وقوانينه وأنظمته من الأمور الطبيعية في بلادنا العربية والإسلامية، وهذا الوضع لا ينبغي أن يستمر، فقد صارت دولنا أعضاء في الأمم المتحدة، وأصبحنا نشارك في صناعة القوانين الدولية عن طريق لجنة القانون الدولي، ومن خلال المؤتمرات الدولية العديدة التي تقوم بوضع الاتفاقيات الشارعة التي تنظم شؤون المجتمع الدولي الآن.
ومن هنا فقد وافقت الدول الإسلامية على الوثيقة الدولية لحقوق الإنسان بأجزائها الثلاثة: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الصادر في العام نفسه، بل اشتركت العديد من الدول الإسلامية في صياغتها وكان دور هذه الدول أكبر في صياغة اتفاقية حقوق الطفل عام 1988، حيث ظهر دور الأحكام الإسلامية فيها بشكل واضح، وكذا العديد من الاتفاقيات الأخرى الخاصة بعدم التحيز ضد المرأة وحماية ضحايا الحرب «اتفاقيات جنيف» عام 1949م وكان الدور الإسلامي في صياغة ملحقين لهذه الاتفاقيات عام 1977 واضحاً كذلك.

من هنا نجد أن دور الدول الإسلامية في صياغة قواعد للسلوك لحماية حقوق الإنسان وحرياته ينبغي أن يكون أكبر في الوقت الحاضر، حيث يجب أن نصدر رؤيتنا وموقف شريعتنا من قضية حقوق الإنسان، فالإسلام في هذا الملف يحمل رؤى متميزة ينبغي أن يقف عليها العالم من خلال منظماته التشريعية، وأن يستفيد الجميع مما جاءت به من حلول عملية لمشكلة حقوق الإنسان المهدرة حتى في أكثر دول العالم تحضراً وتشدقاً بحقوق الإنسان.
وإذا كانت التشريعات المنظمة لحقوق الإنسان تحمل عقوبات دنيوية لكل من يهدر هذه الحقوق، فإن التشريعات الدينية وفي مقدمتها تشريعات الإسلام المنظمة لتلك الحقوق تكتسب قوة أكبر، لأن مخالفتها يترتب عليها جزاء أخروي إلى جانب الجزاء الدنيوي، وهذا الأمر يتفاعل مع عقيدة الإنسان ويمس جوارحه، فهو أكثر فاعلية، وأنجع في التأثير من الجزاء الدنيوي فقط.
ولا شك في أن الإسلام يضيف إلى الحقوق الإنسانية التي تتناولها الوثائق الحديثة، أبعاداً جديدة أو يزيد فاعلية الحقوق القائمة، أو يوضح جوانب للواجبات إلى جانب الحقوق في هذه القضايا.. وذلك إضافة إلى الجوانب المعنوية والأخلاقية والأدبية في مدونات الحقوق، حيث تزيد مساحتها، وتلحق بها الجوانب المادية التي تهتم بها أساساً المواثيق القانونية.
والإسلام من خلال تشريعاته العادلة والمتوازنة يدعم جوانب الحرية في الصراع الدائم بينها وبين السلطة، مما يدعم حقوق الإنسان ويعطي ضمانات واضحة لها ويجعلها أكثر واقعية ومصداقية.
وهنا ينبغي أن نفرق بين موقف الإسلام من قضية حقوق الإنسان، وهو موقف حضاري متميز وداعم لهذه الحقوق، وبين الواقع الذي يعيشه الإنسان في كثير من البلاد العربية والإسلامية، ولابد أن نعترف في شجاعة بأن وضع حقوق الإنسان في هذه البلاد ليس نموذجاً لما جاء به الإسلام.
والكلام عن حقوق الإنسان في الإسلام ينبغي أن يكون موثقاً بالأدلة والبراهين من القرآن والسنة وأحداث وشواهد التاريخ الإسلامي، فملف حقوق الإنسان في الإسلام يحمل وثائق قديمة وحديثة تظهر الوجه الصحيح للإسلام وأسس الحقوق والحريات الإنسانية، كما وردت في شريعتنا الغراء.
إن دراسة حقوق الإنسان وحرياته من المنظور الإسلامي تحتاج إلى طرح جديد يتفق مع المنهج الإسلامي في البحث وأسلوب الاستدلال والاستنباط فيه، وهو منهج يعتمد على النقل أولاً، أي يعتمد على الوحي وتفسير المسلمين له، هذا الوحي الذي يظهر بشكل صريح في القرآن لكريم، وفي شكل ضمني في سيرة الرسول القولية والفعلية والتقريرية، ويحتاج إلى دراسة متعمقة لمركز الإنسان في الإسلام وكيف كرمه الله سبحانه وتعالى على سائر مخلوقاته، ويعتمد هذا الطرح كذلك على أفكار ومبادئ الإسلام العامة والأسس التي قام عليها النظام الإسلامي، في حماية حقوق الإنسان وحرياته باعتبارها رأس هذا النظام والمحور الذي يقوم عليه.

وهذا الطرح الجديد لأفكار حقوق الإنسان وحرياته في الإسلام لابد أن يتصادم مع توجهات أمريكية وأوروبية تريد للعالم كله أن يتبعها، وتحاول جاهدة أن تقتلع أي أفكار أو ثقافات تناوئها، لذا أقامت من نفسها قيمة على العالم، وأقامت مما أطلقت عليه الإسلام الأصولي عدواً لها، لا لشيء إلا لأنه يقاوم محاولات الهيمنة، وأعمال التسلط والابتلاع.

*أستاذ القانون الدولي بجامعة الأزهر

الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية