هناك أسماء عديدة للحدس مثل: إحساس القلب، البصيرة، قدرة التنبؤ، أو الذكاء العاطفي. إن الحدس هو كلمة لغوية فصحى وإحساس القلب هو تعبير متعارف عليه من حيث إحساس الإنسان تجاه الآخر. الحدس هو قدرة فطرية ولدنا بها. كلنا نملكها مثل الغرائز الأخرى عندنا، ولا نستطيع عمل شيء حيال وجودها. هي جزء من وعينا وكل الذي نستطيع عمله حيالها هو تقويتها أو إضعافها، هكذا كتبت الدكتورة فوزية في كتابها كيف يكون قلبك دليلك عن الحدس، أما معجم أكسفورد فيعرف الحدس على أنه سرعة استيعاب الحقيقة من دون وعي لمنطق الأسباب، بمعنى أنه اعتماد على مصادر داخلية عميقة، بغض النظر عن الأسباب الخارجية.
الحدس فطرة داخلنا تعمل بآلية طوال الوقت ومن دون وعي أو سيطرة منا، حيث تقوم بتحضير معلومات وإجابات لنا عن أنفسنا وعن الآخرين وعن البيئة، وبالمقارنة نرى أن الغريزة لا تسمع الذكاء يتفلسف أما الحدس فيعطي الحقيقة، فالغريزة دافع يصرخ ويريد إشباعاً مثل: الطعام، الجنس، المال، وهذا الأمر يدفعك لأن تحتاج إلى آخر إذ إن الغريزة إشباعها يعتمد على الآخر. العقل يثبت لك أموراً ملموسة أما الحدس فهو يقودك، لذا هو يعطيك حرية واستقلالية ويملأ نفسك فلا تعود معتمداً على الآخرين ولا تعود مادياً فقط.
إن الحدس يخدم العقل كثيراً، فكم من عالم لم يصل لاختراعه بالمنطق والمعادلات بل بالحدس، وخير مثال: آينشتاين والذي يعترف بأن معظم معادلاته تأتيه بالحدس ثم يبرهنها بالعقل.
إن الحدس معناه تعامل مع العقل الباطني والعقل الباطني هو عالم فهمه قادر على فعل معجزات، حين تعرف البعض من أسرار عقلك الباطني سوف تنفتح عندك آفاق جديدة تتواجه مع مخاوفك، تفهم أمراضك، تستخدم قوتك الداخلية، فكم من شخص يملك قوة لكنه جعلها سجينة لأنه تجاهل حدسه وعقله الباطني.
المشكلة أن كثيرين عندهم قوة حدس ويشعرون بها لكنهم خائفون من البوح بوجودها أو اتباعها، وخوفهم هذا قد يعود لخوفهم من أنهم مختلفون شاذون عن الآخرين، إن خوفهم قد يكون من الاعتماد عليها والمواجهة مع فشل أو سخرية الآخرين منهم. وقبل الاستفادة من حدسنا واتباع ما يقوله لنا قلبنا نحن في حاجة لأن نعرف أموراً مهمة كثيرة منها فهم الحدس أكثر كيف يعمل.
كيف نكوّن انتباهاً ووعياً به وبوجوده؟ هناك نظريات عديدة وآراء متنوعة تشخص كيف يعمل الحدس وتتمثل بأربعة مسالك أو طرق تترجم التوجيه الداخلي أو احساس القلب. المسلك الأول الإحساس الواضح عند البعض. إحساس باستقبال الحدس مسألة واضحة، مسألة يخبرنا بها جسدنا، قد يكون إحساساً صغيراً أو كبيراً، المهم أن جسدنا يتفاعل مع هذا الاحساس الذي يكون ملموساً وقد يخلق عند صاحبه إحساساً بالمرارة، بالبرودة، بالشدة، بالاسترخاء، أو أي صورة في هذه المرحلة أو النوع من الحدس قلبك يجعلك تعرف مشاعر الآخرين وتفهم آلامهم وسعادتهم ومعاناتهم. إن هذا التفاعل مع الآخر يجعلك تمتص إحساس الآخرين وهي حالة تسمى توحداً مع الآخرين. هذا الحدس يجعلك تكتئب لو كنت مع إنسان مكتئب، وتتحمس لو كنت مع شخص متحمس متحفز، وهكذا هذه الصورة من الحدس تجعلك تدرك وتفهم الوضع والجو المحيطين بك. لذا لو كان هناك خطر فإن بإمكانك أن تتصرف بتلقائية بما يضمن لك السلامة، أما المسلك الثاني فهو السمع الواضح وهذا النوع من الحدس يحصل من خلال قنوات سمعية، بمعنى أنك تسمع معلومات من حدسك موجهة لك، قد يكون سماع الصوت الداخلي بنبرة ما أو بلهجة ما، أو قد يكون صوتك هو من يخبرك، أو قد تكون عدة أصوات أخرى، وقد يكون بالتخاطر عن بعد وهو التواصل الدماغي، كأن تسمع شخصاً ما تعرفه يدعوك للتواصل معه أو تفكر أنت في شخص ويتصل بك في ذات اللحظة أو اليوم الثاني مثلاً، أو قد تفكر في مشكلة وتفتح كتاباً وتجد إجابة. أما عن فوائد الحدس فهو العيش بسلام حيث يعطي فرصة كبيرة للطمأنينة وبصور عديدة. إن الاعتماد على الحدس هو إعلان بأنك إنسان مؤمن والإيمان فيه قبول لمعطيات الأقدار. فيه قناعة بأنك ما دمت قد عملت كل ما عليك فلا تشعر بالذنب إن حصل خطأ. الإيمان به يلوّنك بقناعة أن الخطأ جزء من الحياة وذلك حتى نتعلم الصبر والحكمة. ويجعلك تقبل على الحياة بخوف أقل ويجعلك تتقبل وتتكيف. إن الحدس يجعلك تفهم كثيراً مما حولك مما لا يفسره العقل والمنطق. لذا تعيش بسلام، وكلما قرأ الإنسان الكتب وجد تفسيراً لما يكون في داخله، وقراءتي عن الحدس غيرت لديّ مفاهيم لطالما كنت عاجزة أمامها وأجابت عن تساؤلات كنت عاجزة عن الإجابة عنها.