جاء الدين الإسلامي بأحكام وآداب لضبط معاملات المسلمين، ولكنْ في عصرنا الحاضر كُثرتْ وتنوّعتْ المعاملات غير المشروعة بين المسلمين، فانتشر الحرام عند بعضهم بسبب بعدهم عن الدين وتعاليمه وآدابه، ومن هذه المعاملات معاملة البيع المغشوش.
فما معنى البيع المغشوش؟ وما أقسامه؟ وما حِكْمَة تحريمه؟ وما حُكْمُهُ في التشريع؟
أجمع الفقهاء في المذاهب الأربعة على المعنى العام للبيع بأنه: (مبادلة مال بمال) لكنْ تزيد بعض المعاني إما شرطاً كالتراضي، وإما مزيدَ إيضاح بذكر ما يدخل في المعنى وما يخرج منه.
والغِش: هو تغيير الشيء عن طبيعته بزيادةٍ أو نقصٍ، على وجه استغلال الغير وخداعه. وبهذا التغيير، فإنّ الغَشّاش يُخرجُ الشيء عن طبيعته المعهودة، التي يعلمها الناس، وكذلك يكون قد أخرج المبيع المعلوم الصفات إلى دائرة المجهول الصفات، بسبب عدم معرفة قدر الغش فيه، أمّا لو عُلِمَ مقدار الغش فيه، فالظاهر أنّ المشتري يكون على بينة ويصبح عالماً بالمبيع إجمالياً. ويقول الفقهاء عن ضابط الغِش المنهي عنه: (أنْ يكون في المبيع وصفٌ لو اطلع عليه المشتري لم يرغب فيه بذلك الثمن).
قسم الفقهاء الغِش إلى ثلاثة أقسام: الأول: الغِش المنضبط: وهو الذي تكون نسبة الغِش والَخلْط فيه معروفة، أو تُعرف نسبة المنزوع منه، أو نسبة الإضافة إليه من المواد.
الثاني: الغِش غير المنضبط: وهو الذي تكون نسبة الغِش فيه غير معروفة، مما يؤدي إلى الجهل بالشيء المبيع.
الثالث: ما يكون بين المنضبط وعدمه: وهو تغشيش الأصل فينتج منه ما يشبه الطبيعي من حيث مَخْرجه، ولكنه يشبه المغشوش من حيث تركيبه، وليس له مواصفات الحقيقي الذي يحرص عليه الناس، فهذا الغِش يكون ما بين المنضبط وعدمه، لأنه لا يمكن ضبط كمية الغِش فيه.
نهى الإسلام عن الغِش في المبيعات والمعاملات، لأنه يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل فقال الله تعالى: «ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل» (النساء: ٢٩).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غشّ فليسَ منّي»، (رواه مسلم).
أجمع العلماء القدامى والمعاصرون على أنّ الغِشّ حرام، وقالوا هو كبيرة من الكبائر وقد بينوا الحكم في أنواع البيوع المغشوشة، ومن أهمها أربع مسائل:
المسألة الأولى: حكم بيع المغشوش لمِنْ يغش به: والعلماء فيها على رأيين:
- الأول: قول الحنفية والشافعية: البيع صحيح مع الكراهة، وتشتد الكراهة كلما ازداد ظنه باستعمال المشتري له في الحرام، لكن العقد صحيح جائز واستدلوا بصحة العقد وجوازه بعموم قول الله تعالى: «وأحل الله البيع»، (البقرة: 275).
- الثاني: قول المالكة والحنابلة: لا يصح هذا البيع، ويجب فسخه، واحتجوا بقول الله تعالى: «ولا تعاونوا على الإثم والعدوان» (المائدة: ٢)، ومكان الاستدلال: أنّ بيع المغشوش لِمَنْ يغشّ به فيه إعانة على الإثم.
المسألة الثانية: حكم بيع المغشوش من ناحية الصحة والنفاذ: قال جمهور العلماء: إنّ بيع المغشوش صحيح ولو لم يبيّنْ الغش، وهذا الفعل معصية، لكن يثبت للمشتري الخيار، وبهذا قال أئمة المذاهب الأربعة.
المسألة الثالثة: عند جهل المشتري بالغش: فللمشتري خيار الرد، لأنّ الغِشّ عيب، لكن ليس للمشتري عند ثبوت الغش حق إمساك المبيع إلا إذا وافق البائع على دفع الفرق بين ثمن المغشوش وغير المغشوش، فعامة الفقهاء يجيزون ذلك.
المسألة الرابعة: عند علم المشتري بالغش: فهذا البيع صحيح، لأنّ المشتري علم بالغش ورضيه فلا محذور، ولا خيار للرد بعيبٍ عَلِمَهُ.
حكم البيع المغشوش في التشريع الإسلامي
29 يونيو 2018 03:51 صباحًا
|
آخر تحديث:
29 يونيو 03:51 2018
شارك
د. محمود أبو زيد الصوصو*