د . عارف الشيخ
ورد في المعجم الوسيط: التشريح هو علم يبحث في تركيب الأجسام العضوية بتقطيعها وفحصها، وإذا سألنا الأطباء المختصين عن التشريح اليوم، قالوا إنه ينقسم من حيث الغرض إلى ثلاثة أقسام:
1- التشريح بهدف الوصول إلى معرفة سبب وفاة شخص، وذلك عندما تكون هناك جريمة، والذي يقوم بالتشريح في هذه الحالة هو الطب الشرعي .
2- التشريح لمعرفة سبب الوفاة عموماً من غير أن يكون هناك اشتباه في وقوع جريمة، وهذا التشريح يسمى التشريح المرضي .
3- التشريح بهدف التعرف إلى تركيبات جسم الإنسان وأعضائه، وهذا التشريح يكون عندما يريد الطبيب أن يدرب طلابه .
- مثل هذا التصرف في جسم الإنسان وأعضائه، لا شك في أنه يدخل في باب الاعتداء على الميت، والإنسان مكرم حياً وميتاً، فالواجب المحافظة عليه حياً وميتاً، ولا يجوز أبداً أن يهان الميت بحجة أنه ميت، ولا يجوز أن يكسر أي عضو في الميت، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "كسر عظم الميت ككسره حياً" (رواه أبو داوود وابن ماجة) .
لكن في المقابل نجد أن في الإسلام قاعدة المصالح والمفاسد التي تقول: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح .
فالتشريح رغم أنه اعتداء على حرمة الميت وإهانة للكرامة الإنسانية بعد موت الإنسان، إلا أن جريمة ما إذا وقعت ولم يعرف الجاني، وذهب دمه هدراً، كانت المفسدة أكبر .
- من أجل ذلك فمن مصلحة الميت أن يقوم الطب الشرعي بتشريح الجسم للوصول إلى الجاني، ومن ثم الاقتصاص منه .
- وكذلك حكم تشريح جسم الميت للوصول إلى معرفة نوع المرض، وأسباب الوفاة، فالطبيب من خلال هذا التشريح يستطيع أن يتعرف إلى المرض، ومن ثم يبني عليه علاجات فيما بعد، ربما تقي الكثيرين من الأحياء من الوقوع في ذلك النوع من المرض الذي أدى إلى الوفاة .
- وهكذا الطلبة الذين هم طلبة اليوم وأطباء المستقبل، فكيف ينتظر منهم أن يقوموا بعمليات جراحية في جسم الإنسان، إذا لم يتدربوا على العملية قبل أن يقفوا أمام المريض فعلاً؟
- ولعلنا نستطيع القول إن تدرب قسم من طلبة الطب واجب وفرض كفاية، فإذا أبى الجميع أثم الجميع . . لماذا؟ لأن علاج المريض واجب، وإذا كان علاجه يتطلب معرفة هذا النوع من العلاج، فإن تعلم هذا العلم وهذا العلاج واجب، بمعنى أن تشريح الميت للوصول إلى معرفة الجاني واجب، وبالتالي يكون تدرب طلبة الطب على تشريح جسم الميت واجباً شرعياً .
كما أن الصلاة واجبة على المسلم، وبما أن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة، فإن الطهارة واجبة، وهذا معنى القاعدة الفهية المعروفة: "ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب" .
- قال لي أحدهم: لكن الميت يهان بهذه العملية، وأنا لا أرضى أن أسلم والدي أو والدتي، لكي يلعبوا بجسمه الذي كرمه الله حياً وميتاً .
- قلت له مرة أخرى: هناك مصالح وهناك مفاسد، وفي هذه الحالة ينبغي أن نرتكب أخف الضررين، بمعنى أننا نحصل على أعلى المصلحتين، وندفع أعظم المفسدتين، ألا ترى أن في تشريح جسمه مفسدة، لكن في ترك تشريحه مفسدة أكبر؟
- ومع ذلك فإنه ينبغي أن نبيح ذلك في ظل الضوابط الشرعية التي وضعها الفقهاء في قواعد كلية معروفة مثل:
* يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام .
* الضرورات تبيح المحظورات .
* الضرورة تقدر بقدرها .
* الضرر لا يزال بمثله ولا بضرر أكبر .
* الحاجة تنزل منزلة الضرورة .
عالم متجدد
حكم التشريح في الاسلام (1-2)
22 نوفمبر 2013 02:11 صباحًا
|
آخر تحديث:
22 نوفمبر 02:11 2013
شارك