مفهوم التسعير: هو السعر الذي يقوم عليه الثمن . ويقال: سعّر الرجل السلعة أي جعل لها سعراً، ووحّد سعر السلعة بحيث تباع بسعر واحد، فيقدر ثمن معين للسلع والخدمات تقديراً عادلاً من قبل الحاكم أو من يقوم مقامه وإلزام الناس بهذا السعر المحدد وإجبارهم على التبايع بما تم تحديده من الجهات المختصة .

وهذا معناه أن الحاكم عليه أن يتدخل لوضع سعر معين بحيث لا يتجاوز الناس هذا السعر .

ويمكن لنا أن نوضح هذا المعنى في الأمور التالية:

1 إن تقدير الثمن يجب أن يكون ممن يملك سلطة التقدير، وهذه السلطة في عصرنا تتمثل في القائمين على التجارة أو الغرفة التجارية أو أي جهة يناط بها سلطة تقدير الأسعار .

2 إن تحديد السعر يجب أن يكون عادلاً ليس فيه إجحاف بالمجتمع ولا بالمستهلك وإلا كان ظالماً .

3 يجب أن يكون تقدير السلعة بثمن معين ملزماً لكل الناس بلا استثناء، وبحيث يحاسب كل من يبيع بسعر مخالف ويمنع من ذلك، لا فرق في ذلك أن يكون البيع بسعر أقل أو أكثر . والحكمة في منعه من البيع بثمن أقل: عدم إلحاق الضرر بالذين يتعاملون بالسلع نفسها ولا يرغبون في بيعها بثمن أقل من الثمن المحدد لها . إذ إنه من القواعد المقررة في أمور التجارة شرعاً مراعاة حال البائع والمشتري . وأما الحكمة من منعه من البيع بثمن أعلى من الثمن المحدد فهي أن هذه الزيادة نوع من الظلم الذي يجب أن يمنع فاعله .

حكم التسعير

أما عن الحكم الشرعي لتسعير السلع فإن الفقهاء ذهبوا في هذه المسألة إلى قولين:

القول الأول: ذهب إليه جمهور المالكية والشافعية والحنابلة، وقالوا بعدم جواز تسعير السلع، لا فرق في ذلك بين الحالات العادية أو في حالات الغلاء .

القول الثاني: ذهب إليه فقهاء الحنفية وبعض المالكية وابن تيمية وابن القيم من متأخري الحنابلة، وهو أيضاً المنقول عن الإمام سعيد بن المسيب وربيعة بن عبد الرحمن ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهؤلاء جميعاً قالوا: يجوز التسعير في حالات الغلاء وارتفاع الأسعار .

وبهذا يتبين لنا أن الفقهاء اختلفوا في هذه المسألة، وكي يستطيع الإنسان أن يستفتي قلبه فلا بد من أن يكون عالماً بالأدلة التي استند إليها هؤلاء، ولهذا نجمل أقوالهم في ما يأتي:

استدل أصحاب القول الأول، وهم جمهور المالكية والشافعية والحنابلة، الذين قالوا بعدم جواز التسعير، بأدلة متعددة من كتاب الله عز وجل وسنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستدلوا أيضاً بالمعقول، فقد استدلوا أولاً بما جاء في سورة النساء:

يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم .

ووجه الدلالة في هذه الآية الكريمة أنها تفيد حرية البيع والشراء، وقد اشترطت لصحة البيع التراضي بين البائع والمشتري، فلو ألزم البائع بسعر معين انتفى هذا التراضي وكان البيع مشوباً بالإكراه وكأن المشتري قد أكل مال البائع بالباطل . ومعنى الآية: لا يأكل بعضكم أموال بعض بالباطل أي بما لم تبحه الشريعة، كالربا والميسر والرشوة والغصب والسرقة والخيانة وما جرى مجرى ذلك من صنوف الحيل، لأن الآية اشترطت التراضي، والتسعير لا يحقق التراضي، فدلت الآية على عدم جواز التسعير .

واستدلوا ثانياً بما جاء في سنن أبي داود حيث روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: غلا السعر على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله لو سعرت؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إن الله هو القابض والباسط والرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ولا يطلبني أحد في مظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال .

ووجه الدلالة في هذا الحديث النبوي الشريف أنه يدل على حرمة التسعير لأن الرسول صلى الله عليه وسلم امتنع عن التسعير، مع أن الصحابة الكرام طلبوه منه عليه الصلاة والسلام، وتكرر هذا المطلب منهم ومع ذلك لم يجبهم إلى ما طلبوا، فلو كان التسعير جائزاً لأجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى طلبهم، فلما لم يجبهم ما طلبوا فهذا يدل على عدم جواز التسعير شرعاً، واستدلوا أيضاً بما جاء في مسند الإمام أحمد أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، ووجه الدلالة في هذا الحديث النبوي الشريف أن البائع قد ألزم بسعر معين لم تطب نفسه به، فلا يحل للمشتري أن يأكل مال أخيه بغير طيب نفس منه، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عدم جواز التسعير .

واستدلوا بالمعقول فقالوا:

1 إن التسعير سبب الغلاء، لأن من عنده سلع من تجار البلد سوف يمتنع عن بيعها ويقوم بإخفائها فيطلبها الناس فلا يجدونها، وحينئذ ترتفع الأسعار وتظهر السوق السوداء، وهذا ضرر عام يشمل المستوردين والتجار وأصحاب الحاجات والمنتجين والمستهلكين على حد سواء .

2 إن الناس مسلطون على أموالهم بما لهم عليها من حق الملكية، فلهم حرية التصرف في ما يملكون، وفي التسعير حجر عليهم، وهذا لا يجوز من الناحية الشرعية .

الرأي الآخر

استدل أصحاب القول الثاني الذين قالوا، بجواز التسعير عند الغلاء بما جاء في صحيح الإمام مسلم عن سيدنا جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض .

وجاء أيضاً في صحيح مسلم أن رجلاً كانت له شجرة في أرض رجل آخر، فكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة، فاشتكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلب منه الرسول أن يقبل بدلها أو يتبرع له فلم يفعل، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب الأرض بقلع الشجرة وقال لصاحب الشجرة: أنت مضار . وهذا كله يؤكد لنا جواز التسعير، لأن عدم التسعير فيه ضرر، والشريعة الإسلامية قائمة على قاعدة عامة هي لا ضرر ولا ضرار .

وهؤلاء استدلوا بالمعقول، فقالوا:

1 إن تقدير السلع بثمن معين فيه مصلحة للناس ويكمن في عدم التسعير ضرر ودفع الضرر أمر واجب . لأن الضرر منهي عنه وبهذا نرى أنه من مصلحة الجماعة تسعير السلع لكي تتحقق المصلحة العامة . ولهذا كان تسعير السلع والخدمات أمراً جائزاً .

2 القول بجواز التسعير عند الغلاء وتجاوز التجار يحقق مصلحة الأمة ويحمي الناس من جشع التجار واستغلالهم .

3 القول بجواز التسعير فيه سد للذرائع، فترك الناس في البيع والشراء من دون تحديد ثمن معين أمر مباح أصلاً، إلا أنه يؤدي إلى الجشع والاستغلال والتحكم في ضرورات الناس وهذا ذريعة إلى الحرام، وما يؤدي إلى الحرام فهو حرام، ولهذا كله كان التسعير جائزاً، فكل شيء يؤدي إلى الظلم والفساد وإلحاق الضرر بالناس يجب أن يزال وكي يزال الضرر لابد من منع الناس من ظلم بعضهم بعضاً .

لقد تبين لنا من خلال الأدلة السابقة أن كل فريق من الفقهاء استند إلى أدلة واضحة، ولكنه نظر إلى التسعير نظرة معينة .

فإذا رأينا بعد ذلك إنساناً استفتى قلبه وأخذ بأي القولين فلا حرج عليه في ما أخذ به، ما دام قلبه قد اطمأن إلى قول من القولين، لأنه لا يكون آثماً طبقاً للقاعدة العامة: لا ينكر المختلف فيه وإنما ينكر المجمع عليه .

* أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر