القرض هو: ما يعطيه الإنسان من ماله لغيره ليسترده مرة أخرى في وقت يتم الاتفاق عليه . والمال المدفوع يسمى: قرضاً . والدافع للمال يسمى: مقرضاً . والآخذ للمال يسمى: مقترضاً . والقرض مستحب لما فيه من القربة إلى الله عز وجل بتفريج كربة المكروب وتيسير الأمر على المعسر . واستدل الفقهاء الأجلاء على مشروعية القرض بما جاء في كتاب الله عز وجل وبما جاء في سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة الإسلامية على مشروعية القرض من غير إنكار من أحد . واستدلوا بما جاء في قوله تعالى في سورة البقرة: من ذَا الذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .
القرض الحسن
ووجه الدلالة في هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه وتعالى رغب في القرض وجعل المقرض لغيره كأنه أقرض الله عز وجل، وفي الحديث الصحيح إخبار عن الله عز وجل: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، استطعمتك فلم تطعمني، استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب وكيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي .
وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كني عنه ترغيباً لمن خوطب به، ولما رغب سبحانه في الإقراض أتبع بجملة مرهبة مرغبة، فقال جل شأنه: والله يقبض ويبسط، أي يضيق على من شاء من عباده في الرزق ويوسعه على آخرين، أي لا تبخلوا عليه بما وسع عليكم، لئلا يبدل السعة التي أنتم بها بالتضييق عليكم . واستدلوا أيضاً على مشروعية الرهن بما جاء في صحيح مسلم عن أبي رافع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكراً فقدمت إليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع بأن يقضي الرجل بكره، فرجع أبو رافع إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً (أي أفضل مما اقترضنا)، فقال له سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء . وقد أجمعت الأمة الإسلامية على مشروعية القرض وأن القرض لا بد أن يكون قرضاً حسناً، أي: أن يكون القرض بلا زيادة عما أخذ المقترض، وهذه مسألة لا خلاف فيها بين الفقهاء . لأن المقرض ما دام قد أقرض الله عز وجل فعليه أن يكون على يقين بأن الله سبحانه وتعالى هو القابض الباسط، يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، فما دام كل شيء بيد الله عز وجل فعليه أن يكون عوناً لغيره طاعة لله وشكراً لله على ما أنعم به عليه من نعم، فهو المنعم على الجميع وهو الرازق لمن يشاء بغير حساب .
ولهذا لا يجوز للإنسان أن يأخذ شيئاً مقابل هذا القرض وإلا كان ما يأخذه ربا، ولهذا فقد رأينا الفقهاء اختلفوا في حكم أخذ الهدية مقابل القرض، فالقرض إذا كان خالصاً لله عز وجل ولم يحصل المقرض على فائدة تعود عليه من وراء إقراض غيره فإن قرضه سوف ينال جزاءه من الله عز وجل .
أما اشتراط الهدية على المقترض في مقابل القرض، حتى لو كانت بموافقة المقرض والمقترض، فإن الفقهاء قد أجمعوا على أن هذا القرض يكون حراماً طبقاً للقاعدة كل قرض جر نفعاً فهو ربا .
قولان ثابتان
ولكن إذا كان المقرض لم يشترط على المقترض هدية أو ما شابه ذلك على سبيل التعويض في مقابل القرض فهذه مسألة خلافية . فنحن أحياناً نرى أحد الناس يأتيه قريب أو صديق يطلب منه قرضاً بلا فائدة، فنجد المقرض يقول له: أعطيك ما تريد ولكن بشرط أن تعطيني الفائدة البنكية، أي يعطيه النسبة التي يعطيها البنك لمن يتعاملون معه، والطرف الآخر نراه في الأغلب نظراً للظروف الشديدة التي يمر بها يوافق على هذا الاتفاق، ولكن هذا الاتفاق ليس عن طيب خاطر فالمقترض يجد نفسه مضطراً لأنه مقهور، ولهذا رأينا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه . وهذه الزيادة ليست بطيب نفس، ولهذا كانت الفائدة التي تم الاتفاق عليها حراماً، وهذا بالنسبة إلى الزيادة المشروطة أو الهدية المشروطة، أما إذا كانت الهدية غير مشروطة ولم يكن المقرض ينتظر شيئاً من المقترض وإنما أقرضه ما أقرض من باب تفريج كرب المسلم وإزالة الهم عن قلبه وتيسير الأمر له وفوجئ بالمقترض يأتيه بهدية فماذا يفعل معه؟ ما دام لم يشترط عليه عند طلب القرض وفوجئ به يقدم له هدية غير مشروطة، فإن العلماء اختلفوا في هذه المسالة على قولين:
القول الأول: ذهب إلى جواز قبول الهدية مستدلاً بما رواه ابن سيرين من أن سيدنا عمر رضي الله عنه أسلف أبي بن كعب رضي الله عنه عشرة آلاف درهم فأهدى إليه أبي بن كعب من ثمرة أرضه، فرد سيدنا عمر رضي الله عنه الهدية إلى سيدنا أبي بن كعب ولم يقبلها، فأتاه سيدنا أبي بن كعب وقال له: لماذا لم تقبل الهدية التي أرسلتها إليك؟ فأجابه قائلاً: إنني أقرضتك وهذه فائدة تعود عليّ . فقال له سيدنا أبي بن كعب: لقد علم أهل المدينة أنني من أطيبهم ثمرة، وهذا معناه أن ثمار نخيل سيدنا أبي من أطيب ثمار النخيل بالمدينة، وقد أهدى منها الصحابة الكرام ثم أهدى سيدنا عمر بعد ذلك فقبلها منه .
وهنا نرى أن سيدنا عمر رضي الله عنه حين توهم أن أبي بن كعب أهدى إليه مقابل القرض رفض قبول الهدية، ولما تبين له أن الهدية لا علاقة لها بالقرض قبلها منه .
ورد عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنه قال لسيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: إنك بأرض الربا فيها فاشٍ إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير فإنه ربا .
وهذا القول الثاني يدل على حرية قبول الهدية لمن أهدي إليه مقابل القرض، أما القول الأول فقد ذهب إلى أن الهدية مباحة ما دام المقرض لم يشترط على الهدية من اقترض منه وإنما أقرضه قرضاً حسناً من أجل رضا الله عز وجل ولم ينتظر مثوبة من المقترض وإنما ينتظر المثوبة من الله عز وجل القادر على كل شيء .
وهذان قولان في ما يتعلق بجواز قبول الهدية أو عدم قبولها، والقولان ثابتان بفعل الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين وهنا نقول للإنسان: استفت قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوك . . واتبع ما ترتاح إليه نفسك ويطمئن إليه قلبك .
فإن أخذت بأي القولين فلا حرج عليك، شرط أن تفكر جيداً في ما ستأخذ به وتتأمل دليل كل فريق .
* أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر