حلوان واحدة من أقدم مدن مصر، وكانت في الأصل مدينة فرعونية شهيرة، ولكنها اندثرت عبر العصور إلى أن أحياها عبدالعزيز بن مروان، والي مصر من قبل الأمويين، وكان خرج من الفسطاط العاصمة آنذاك، متجهاً إلى الجنوب، بعد أن دب الوباء في الفسطاط، فأعجبته حلوان، فاتخذها عاصمة مؤقتة لولاية مصر، وأنشأ الدور، والقصور،وغرس فيها البساتين إلى أن توفي فيها، فنُقل منها إلى الفسطاط عن طريق النيل.
وكما جاء في الخطط التوفيقية لعلي مبارك، أطلق اسم حلوان على ثلاث مناطق في العالم، الأولى في «خراسان»، في نيسابور، والثانية في العراق «مما يلي الجبال من بغداد»، أما في مصر فسميت على اسم «حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة»، أما حلوان المصرية، أو ضاحية حلوان قديماً، فذكرها علي مبارك بقوله: «هي قرية فوق مصر من شرقي النيل بينها وبين الفسطاط نحو فرسخين».
كما أنها قرية نزهة «كما ذكر ياقوت الحموي» في معجم البلدان، وفي خطط المقريزي، أنها تنسب إلى حلوان بن عمرو بن امرؤ القيس، ملك مصر بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
ويقول المقريزي، ومن بعده على مبارك أيضاً، في خططهما: «وفي تاريخ الفرنساوية أنها على شط النيل، بينها وبين الفسطاط نحو ثمانية فراسخ، وأنها كانت تسمى في العصر القديم «البان»، وكانت إحدى المدائن المشهورة بمصر، ثم أخنى عليها الدهر، حتى اضمحلت، إلى أن قيّض الله لها عبدالعزيز بن مروان حين تولى حكم وادي النيل، فأعجبه هواؤها فجددها، وأصلحها، وسبب نزوله بها أنه حرص على التردد عليها.. وتأسيس مقام له فيها».
خزان خشبي
في 1849م أرسلت حكومة الخديوي عباس الأول بعض الجنود.. عملاً بنصيحة أستاذ في مدرسة الطب بالقاهرة لاستغلال المياه الكبريتية، وتم بناء خزان خشبي للعيون، وألحقت به غرفتان صغيرتان، وكان لنجاح التجربة على الجنود الأثر العظيم في جذب عدد كبير من المصريين إلى عيون حلوان، كذلك توافد عليها الأوروبيون على نحو متقطع، ومحدود، لعدم وجود مكان لائق للإقامة، ولبعد حلوان عن القاهرة، وتعذر الوصول إليها.
وفى عام 1868 أرسل الخديوي إسماعيل إلى حلوان لجنة من رجال العلم للدراسة، وكتابة تقارير عن مياه حلوان الصحية. وبمجرد تلقيه التقرير أمر نظارة الأشغال العمومية ببناء حمام في موقع العيون، وأثناء حفل وضع الأساسات عثر على حوض دائري بقطر ثمانية أمتار تقريباً، مبني بالطوب الأحمر، سمكه 25 سنتيمتراً، ومبطن بالحجر الجيري، وبجانب هذا الحوض وجدت بعض الأعمدة المكسورة، والقواعد، والتيجان، وكان الحوض يجمع أربع عيون تتدفق بمعدل ستمئة قدم مكعبة من المياه في الساعة.
ويقول الدكتور ريل الذى أصبح مديراً للحمامات فيما بعد، إنه في عام 1870 توقف العمل في المشروع، وترك الموقع في حماية حارسين من البدو، ثم تقدم إلى الخديوي إسماعيل بطلب 200 جنيه لبناء حمام مؤقت، وخيام ومعدات من نظارة الحربية «وزارة الحربية»، وبهذا الشكل البدائي افتتح ريل الحمام في 2 يوليو/ تموز 1871م، ودعا الجمهور للاستفادة من المياه الكبريتية فأتاه الزوار المصريون، والأجانب من القاهرة، والإسكندرية، بأعداد فاقت كل استعداداته، وتصوراته.
سكك حديدية
في 1909 م عرفت حلوان كمدينة حديثة تقع على بعد نحو 24 كيلومتراً جنوبي القاهرة، ونحو ثلاثة كيلومترات شرق النيل، وهذا الموقع فرضته الطبيعة، ولم يختره الإنسان. وبنيت المدينة على هضبة ترتفع نحو 35 متراً فوق سطح النهر، ويزيد ارتفاعها في اتجاه الشرق وتلال العرب إلى أن يصل إلى نحو 75 متراً، وفوق هذه الهضبة تتفجر عيون المياه الكبريتية، والعيون المعدنية التي أنشئت حولها حلوان، التي كانت مدينة صحية آنذاك، ولفترة طويلة حتى عهد الملك فاروق، إلى أن اكتظت بالمصانع.
الحديقة اليابانية
من الشخصيات التي كانت تتردد على حلوان للاستشفاء بمياهها، الأمير ليوبولد الذي كان وصياً على عرش بافاريا، والإمبراطورة إليزابيث ملكة النمسا والمجر، وملك بريطانيا إدوارد الثامن، كما كان اللورد كرومر من المترددين بانتظام أيضاً على الضاحية. وكان من طرق الاتصال بين القاهرة وحلوان «السكك الحديدية»، ونهر النيل، وكانت القطارات حتى عام 1909م تسير بمعدل قطار كل نصف ساعة أثناء النهار، وكانت تنطلق من باب اللوق. وكان الملك فؤاد الأول نقل فندق الحياة إلى مصحة فؤاد الأول، وأنشأ ذو الفقار باشا الحديقة اليابانية في عام 1917، وانتهى منها في عام 1920م، وبعد ذلك اشترى الملك فاروق كازينو سان جيوفاني، الذي تحول فيما بعد إلى ركن حلوان، أو «ركن فاروق»، وفي 1939م انفجرت عين ماء طبيعية وهي «عين حلوان»، وبعد ثورة يوليو تحولت حلوان من ضاحية للاستشفاء إلى قلعة صناعية.
وعبر العصور اندثرت حلوان الأموية أيضاً، إلى أن أعاد بناءها الخديوي إسماعيل كمدينة للاستشفاء، والاستجمام، مستغلاً مياه عيونها الكبريتية، فبنى فيها قصره الشهير، وخط الوزراء، والأمراء، والباشاوات القصور من حوله فأضحت حلوان مدينة الرقي، والجمال.
