للحياة الإنسانية مكانتها العظمى في الشريعة الإسلامية، يجب صيانتها عن الإتلاف أو أي نوع من أنواع الأذى، لذلك شددت شريعة الإسلام في هذا تشديدا يهدف إلى صيانة وحماية أول وأبسط حقوق الإنسان وهو حقه في الحياة.

والمجتمع الإسلامي ملزم بحماية هذا الحق واتباع ما أمر الله عز وجل به في هذا الشأن، وقد كلفنا سبحانه وتعالى بتكاليف شرعية يقصد بها المحافظة على الحياة الإنسانية.

د. محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر يؤكد أن شريعة الإسلام قررت العديد من القواعد والتكاليف التي تحفظ على الإنسان حياته وتحميه من كل المحيطين به منذ أن كان جنينا في بطن أمه وحتى يلقى ربه، وأبرز ما قررته لحماية حق الإنسان في الحياة يتلخص في تحريم الإجهاض حماية لحق الجنين في الحياة حتى قبل نفخ الروح فيه، ولم يبح الفقهاء الإجهاض إلا عند الضرورة القصوى حماية لحياة الأم عندما تتعرض لأخطار محدقة نتيجة استمرار الحمل، ومعاقبة من يعتدي على امرأة حامل فيتسبب في إسقاط حملها، فقد نص الفقه الإسلامي على أنه يجب على من تسبب في إسقاط جنين دية، كما ثبت ذلك من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتأخير إقامة العقوبة المقدرة للزانية المتزوجة وهي الرجم بالحجارة حتى الموت، وذلك إذا كانت حاملا حتى تضع حملها.

وأوجب الإسلام على الأم إرضاع طفلها حتى لا تتعرض حياته للخطر، وأن ترضعه بنفسها إن لم يقبل غيرها، كما أوجب الله عز وجل في شريعته إنقاذ حياة الشخص المشرف على الهلاك.

وأباح الشارع الحكيم للمضطر أن يأكل لحم الميتة التي حرمها الله عز وجل، فإذا كان هذا الشخص قد أشرف على الهلاك ولو لم يأكل لهلك فقد وجب عليه أن يأكل إنقاذا لنفسه من التلف لقوله تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وقوله سبحانه: فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم.

أبشع الجرائم

ويعد الإسلام قتل النفس الإنسانية بغير حق أبشع الجرائم وأقبحها على الإطلاق.. فالله سبحانه يتوعد من يعتدي على نفس ويقتلها بالعذاب الشديد والانتقام الرادع فيقول في كتابه الكريم: ومن يقتل مؤمنا متعمداً فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما.

ومما يؤكد عظم النفس الإنسانية وشناعة الاعتداء عليها كما يقول د. محمد رأفت عثمان إن الفصل في قضايا الدماء هو أول فصل في القضايا بين الناس يوم القيامة. يؤيد هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أول ما يحاسب به العبد الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء. وفي هذا دليل واضح على عظم أمر القتل والاعتداء على النفوس، لأن الابتداء بأمر إنما يكون لأنه أهم من غيره من الأمور.

وقد قررت شريعة الإسلام ذلك في وقت لم تحظ النفس البشرية فيه بأية حماية أو رعاية، فعند الرومان مثلا كان للطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها القاتل اعتبار في تطبيق عقوبة القتل عليه، فإذا كان القاتل من الأشراف، وهم عندهم أصحاب الوظائف الحكومية، فإن عقوبة القتل لا تطبق عليه وإنما يكتفى بنفيه.. وأما إذا كان من أواسط الناس فإن عقوبته كانت هي قطع رقبته، وإذا كان من الطبقة الدنيا كانت عقوبته الصلب، ثم غيروا هذه العقوبة بإلقائه في حظيرة حيوان مفترس.. ثم غيروا هذه العقوبة أخيرا بالشنق.

وأما العرب في جاهليتهم فكانوا بعيدين عن العدل في قضايا القتل وكانوا يبالغون ويشتطون في الانتقام من القاتل وأهله.

وجاء الإسلام ليحمي النفس البشرية أعظم حماية ويكرمها أجلّ تكريم، وإذا علمنا أن الإسلام قد نهى أيضا عن قتل البهيمة بغير حق، وثبت الوعيد في ارتكاب هذا العمل، أدركنا أي جرم يرتكب إذا سفكت دماء آدمي بغير حق.

القصاص من القاتل

ودرءاً لهذه الجريمة (جريمة العدوان على حياة الإنسان) وسداً لبابها، أوجب الإسلام القصاص على من قتل نفسا بغير حق، فقال تبارك وتعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى. وقال سبحانه: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون فإذا ما كان الاعتداء على ما دون النفس فقد وجب القصاص أيضا، كما إذا ما اعتدى إنسان على آخر فقطع يده أو رجله أو ما أشبه ذلك فإن الواجب أن يقتص من الجاني بمثل ما فعله بالمجني عليه.

وكما أن قتل الإنسان لغيره محرم ومجرم في شريعة الإسلام، فإن قتله لنفسه محرم ومجرم أيضا، ومن يفعل ذلك يرتكب وزرا عظيما، يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا.

وأد البنات

وانطلاقاً من حرص الإسلام على النفس الإنسانية وتوفير كل وسائل الحماية والتكريم لها حرم الإسلام وأد البنات، وهي الخصلة القبيحة التي كانت تحدث في بعض قبائل العرب قبل ظهور شريعة الإسلام.

ولم تكن بعض قبائل العرب وحدها قبل الإسلام هي التي ترتكب جريمة قتل إنسان بريء في أولى ساعات حياته، وإنما كان يشاركهم في هذه الجريمة وإن كانت بصورة أخرى الشعب الإسبرطي، فقد سن لهذا الشعب مشرع يسمى ليكرجوس الذي عاش حوالي 800 سنة قبل الميلاد نظاما ارتضوه، وهذا النظام يطلب من كل أب بأن يخطر ولاة الأمر عندما يولد له طفل، فيؤخذ هذا الطفل فيعرض على شيوخ المدينة الذين كان عليهم أن يقرروا مصيره، فينظر الشيوخ في هيئته فإذا تبين لهم صحة جسمه وقوة بنيته أعطوه لوالديه وسمحوا لهما بتربيته، وأما إذا كان الطفل ضعيفا هزيلا فلا يسلم لوالديه، وإنما يؤخذ فيعرض للبرد الشديد والجوع حتى الموت.

وهكذا كانت حرمة حياة الإنسان مهدرة قبل ظهور الإسلام في أمم كثيرة وفي معتقدات وفلسفات متعددة، لكن الإسلام وهو دين الرحمة والرأفة بالإنسان جرم كل عدوان على حياة الإنسان مهما كانت عقيدته أو لونه أو جنسه.

وينتهي الدكتور محمد رأفت عثمان إلى المطالبة بالمقارنة الموضوعية بما جاءت به شريعة الإسلام من حماية غير مسبوقة ولا ملحوقة بالإنسان، وبين ما يتعرض له الإنسان الآن على أيدي دعاة المدنية والحضارة من عدوان، وخاصة عندما يكون هذا الإنسان مسلما، فدماء المسلمين للأسف هي أرخص دماء على وجه الأرض، وأرواح المسلمين لا وزن لها ولا قيمة، وعلينا أن نمعن النظر فيما يحدث للإنسان المسلم في العراق وأفغانستان وفلسطين ومن قبل في البوسنة والهرسك وكوسوفو والشيشان وغيرها على أيدي دعاة المدنية والحضارة وحقوق الإنسان في أمريكا والغرب.