بيروت - سنا بزيع:
يروي الشاعر حمزة عبود سيرة طفولته الأولى ليس لأنه ابتعد عنها . بل ليكون حارساً لتلك الأصوات في سيرته الروائية "كنت كثيراً"، لم أكن أحداً"، أطياف أمكنة وأشخاص وأحلام تبتعد أكثر في الحلم، كان صبياً متمرداً عابثاً متأملاً، مبعثراً أحلامه بينه وبين المدى الممتد .، وفي حديثه عن قضايا الشعر لا يعرف معنى الالتزام في الأدب ولا يؤمن به، ويعتقد أننا نعيش حالة من الصمت الثقافي تطال كل القضايا بما فيها إشكاليات الشعر نفسه .
يستعيد كتابك الأخير "كنت كثيراً، لم أكن أحداً" ذاكرة الأمكنة والحوادث والوجوه التي شكلت عالم الشاعر حمزة عبود أكثر مما يروي سيرتك في تلك المرحلة (سنوات الصبا التي يتناولها الكتاب) إلى أي مدى يمكن اعتبار الكتاب، من هذا المنطلق، سيرة ذاتية؟
حين خطر لي أن أكتب عن هذه المرحلة، لم أفكر بالأصول والمقومات الفنية التي ترتكز عليها السيرة كنوع أدبي . السيرة عادة تروي حياة الفرد وموقفه من الحوادث والتحولات التي عايشها أو اعترضت حياته، وهي تقوم في الأغلب على سرد هذه الحوادث والتحولات وفق ترتيبها الزمني أو وفق مقتضيات السرد .
والكتاب، من هذه الناحية، يخرج عما ألفناه في "أدب السيرة" . فأنا، في الحقيقة، لم أكن متأكداً من معرفتي بالصبي الذي تدور حوله السيرة بقدر ما كنت أحاول التعرف إليه في سياق السيرة نفسها . رحتُ استعيد صورته في المساحات (الأمكنة والحوادث والوجوه . .) التي رسمت ملامحه على نحو ما، وأن أبين مدى تأثيرها في حياته وتكوين شخصيته وتقلبات مزاجه، وسلوكه . . . ولعل هذه العلاقة المضطربة إنما الوثيقة في الوقت نفسه بالأمكنة والحوادث، هي التي أعطت شخصية الصبي بعداً درامياً جعل عدداً من النقاد والأصدقاء الذين تناولوا الكتاب في الصحافة الثقافية يصفونه ب "السيرة الروائية" .
ألا يجد هذا القدر من التماهي مع الأمكنة والحوادث التي تقابلنا في الكتاب، ما يجعل الكتاب أقرب إلى سيرة المكان منه إلى السيرة الذاتية؟
لكن الأمكنة والوجوه والحوادث تروي حياة الصبي بل هي أكثر من ذلك سيرته، هذه الأمكنة هي التي تشكل ملامح شخصيته ورؤيته إلى العالم بقدر ما كان يتسع له العالم في تلك السنوات . من المفيد أن نشير في هذا السياق إلى أن المكان في اللغة من "الكون" أي الوجود ومن "كان" بمعنى وُجد أو حدث . نحن في الحقيقة لسنا شيئاً إلا الأمكنة . ولا أقصد الأمكنة هنا باعتبارها حيّزاً جغرافياً بقدر ما أعني مساحات العيش بكل ما يقع أو يحدث فوقها .
لماذا اكتفيت بهذا القدر من سيرة الصبي؟ ولماذا اقتصرت السيرة على هذه المرحلة التي لم تتجاوز الخمس سنوات؟
كنت خائفاً أن تسقط صورة الصبي في هذه السنوات من ذاكرتي، كنت كمن يحاول الاحتفاظ بها، تماماً كما كان يفعل الإنسان البدائي حين كان يرسم كائنات الطبيعة، من حيوان ونبات، على الجدران الداخلية للكهوف ظناً منه انه يستطيع الاحتفاظ بها بهذه الطريقة . كما أنني كنت أشعر برغبة ملحة كما يحدث للناس عموماً والشعراء خاصة، في العودة إلى المواطن الأولى التي تشكلت خلالها ملامح الصبي، والتي علّمتني الكثير مما أقوم به أو أحاوله الآن، في تلك المرحلة تعلمت كيف أشعر الطبيعة والمدينة والبحر والكتب والحب والأصدقاء، إضافة إلى ذلك شهدت تلك المرحلة تحولات عميقة ومؤثرة في مختلف مجالات الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية، وكنت أريد ان أشير إلى تأثير هذه التحولات في شخصية الصبي وتقلبّات مزاجه وأحواله .
اكتفيتُ بهذا القدر وهذه المرحلة لأنني لم أكن اقصد تماماً كتابة سيرتي الذاتية، السيرة في الكتاب تتوقف عند لحظة انتقالي مع والدي إلى صور، وعند بداية مرحلة جديدة سوف تتبدل معها صورة الصبي لتأخذ مساراً مختلفاً في غمرة التحولات، والحوادث المتصلة بحياته وعالمه .
الحديث عن الشعر وظيفة الشعر ودوره . يحلينا إلى الحوارات الصاخبة التي اشتعلت في الستينات والسبعينات حول قضايا الشعر: قصيدة النثر، الحداثة، الالتزام، إلى أين أفضت هذه الحوارات ولماذا خمدت في السنوات الأخيرة؟
هذه الحوارات النقدية نشأت بموازاة تطور النص الشعري الذي اتخذ أبعاداً وأشكالاً تتجاوز الثوابت البنيوية التي ارتكزت عليها القصيدة العربية حتى بدايات ما سمي ب "عصر النهضة" . أظن أن القضايا التي تناولتها تلك الحوارات، باستثناء ما يتعلق منها ب "قصيدة النثر" و"الشعرية"، كانت تواربُ قضايا الشعر لإضفاء أبعاد ومفاهيم إيديولوجية، كانت سائدة في ذلك الوقت، على النص الشعري، كما على سائر النشاطات الأدبية والفنية والثقافية . في الحقيقة أنا لم أكن أعرف، ولا أعرف حتى الآن معنى الالتزام الذي يقصدونه في الشعر . ولماذا يمكن أن يعطي التزام الشاعر قضية ما قيمة إضافية للنص الشعري؟ أو لماذا يمكن أن تحدد فكرة الالتزام "شعرية" النص؟
أما الحوار حول قصيدة النثر فهو يرتبط، الى حد كبير، بأسئلة الشعر . فهو وان أخفى بعداً إيديولوجياً في الاسئلة حول علاقة قصيدة النثر بالتراث الشعري، وحول الثوابت البنيوية للشعر العربي، وأثر الترجمة في ظهور قصيدة والنثر، فإنه يتصل في الوقت نفسه بمعنى الشعر ووظيفته، و"شعرية" النص الشعري .
أما عن تراجع الحوارات حول قضايا الشعر، فإنه يعود إلى أو يتصل بتراجع الحوارات في مختلف الميادين لأسباب اجتماعية وثقافية .