إعداد: علي كامل خطاب

أحد رجالات الإمارات النابهين، تولَّى القضاء 17 عاماً، وكذلك عمل بالتدريس 17 عاماً متواصلة، ولم تثنه المسؤولية عن الاهتمام بافتتاح بيته، ليكون مدرسة لطلاب العلم، ينهلون من علمه، ويستفيدون من خبرته.

الشيخ حميد بن فلاو الزعابي، الذي قضى حياته معلماً وقاضياً، كان شاعراً وحافظاً للقرآن، وقاضياً شرعياً، ومستشارا للحاكم، وكرمته الإمارات في العام 1997 م، بمنحه جائزة خليفة للمعلم، اعترافا بالجهود الكبيرة طوال مسيرة حياته، كأحد الرواد الأفذاذ، الذين حملوا على كواهلهم بدايات البناء والتعمير والحضارة بكل معالمها وسماتها، وهي شاهدة الآن على جهود هؤلاء.

مولده

ولد الشيخ حميد بن فلاو الزعابي في عجمان، أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، في العام 1892م، لأسرة عرف عنها تميزها بالثقافة الدينية وتنشئة أبنائها على العلم والتقوى، فوالده كان مطوعاً وحافظاً للقرآن الكريم، ويعد الشيخ حميد بن فلاو أحد أربعة أبناء لأبيه، وكان رائداً في مجال القضاء الشرعي.

تعليمه

نبغ ابن فلاو في الدراسة، وظهرت عليه معالم النباهة منذ الصغر، حيث تعلم الأجرومية في النحو، وهو ابن عشر سنين، وأتقن القراءة والكتابة، وتعلم مبادئ الحساب.
التحق ابن فلاو بالمدرسة التيمية المحمودية، التي أسسها الشيخ علي بن محمد المحمود، وكانت مقرراتها الدراسية قاصرة على العلوم الدينية والشرعية، كالحديث والفقه، بجانب بعض العلوم العربية كالنحو والبلاغة.
أرسل ابن فلاو، مبعوثاً إلى قطر، ضمن وفد من الطلاب ضم 20 طالبا لاستكمال الدراسة، وكان على رأسهم، إلى جانب محمد بن سعيد بن غباش، وعبد الله بن محمد الشيبة، وعبد الله بن حميد بن ثاني، وغيرهم، وفي قطر، نهل شيخنا من علوم علمائها المعارف المختلفة لعلوم النحو والفقه وعلوم القرآن والتوحيد والفرائض، واستمرت البعثة نحو 7 سنوات بالمدرسة الأثرية.

لم يكتف ابن فلاو بما تعلمه في السنوات الماضية بالمدرسة التيمية بالإمارات، والأثرية في قطر، وأراد الاستزادة والتعمق في علوم الدين الإسلامي، فتوجه إلى الأحساء بالسعودية، وهناك تلقى علوم الفقه على يد الشيخ ابن بشر لمدة عامين.

في البداية تلقى ابن فلاو مبادئ القراءة والكتابة على يد كوكبة من علماء عصره في عجمان، أمثال القاضي الفاضل الشيخ عبد الله أبو الهدى، قاضي عجمان، والشيخ مشعان الزبيري، والشيخ عبد الرحمن بن أحمد بن بحلوق، وكان من أساتذته بالمدرسة التيمية المحمودية، الشيخ عبد العزيز آل سليمان، والشيخ محمد بن فيصل الحريملي، إضافة إلى مدير المدرسة عبد الكريم البكري.

وبعد الانتهاء من سنوات الدراسة السبع بالمدرسة الأثرية بقطر، عاد لموطنه الأصلي عجمان يعلم أبناءها ويدرسهم في اجتهاد ودأب، لأربع سنوات متوالية، مستمرا في مسيرة كفاحه في سبيل نشر العلم، ثم انتقل إلى قطر للعمل معلما، حيث استمر بالعمل بها مدرساً 17 عاماً، استطاع من خلالها وضع اسمه في مقدمة رواد التعليم في قطر، كما كان من رواد التعليم في الإمارات.

كما كان ابن فلاو إماماً وخطيباً مفوهاً، بجانب عمله قاضياً، وكان له مجلسه العلمي والديني مساء في المساجد، حيث حرص الكثيرون على حضوره والاستماع إلى دروسه وشروحه في الأمور الدينية والفقهية، كما تعددت هواياته العملية، حيث كان تاجراً ماهراً، ويهوى الغوص.

ابن فلاو قاضياً

لم يترك شيخنا قطر مختاراً، بل تركها بناءً على طلب الشيخ سلطان بن سالم القاسمي، حاكم رأس الخيمة وقتذاك، الذي أصدر قراراً بتعيين الشيخ ابن فلاو قاضياً بالجزيرة الحمراء المعروفة بجزيرة زعاب، وتقلد شيخنا منصب القضاء بالجزيرة الحمراء ل 10 سنوات، ثم انتقل قاضياً لمدينة رأس الخيمة ل 7 سنوات أخرى، بناء على أمر الشيخ سلطان بن سالم القاسمي، الذي منحه منزلاً في المدينة، بالقرب من السوق القديمة، ليكون بالقرب منه ليستشيره في الأمور الشرعية والقضائية، أما أغلب القضايا التي حكم فيها الشيخ ابن فلاو، في ذلك الوقت، فكانت تتعلق بقضايا النزاع بين الأزواج والخلافات الشخصية والدعاوى بين الخصوم.

واهتمام الشيخ حميد بن فلاو بالقضاء وتعمقه في العلوم الدينية والفقهية، جعله قاضياً مرموقاً يُذكر اسمه بجانب أشهر القضاة في ذلك الوقت، أمثال، محمد سعيد غباش وعبد الله بن سليمان وابن حجر، وقد ارتبط النظام القضائي الشرعي في دولة الإمارات وقتئذ بأسماء مجموعة من المشايخ الذين حافظوا على استقلال القضاء، وتطبيق الشريعة الإسلامية السمحة، ومنهم: الشيخ عبد الله بن محمد الشيبة النعيمي، في عجمان، والشيخ حميد بن فلاو، والشيخ عبدالله بن سلمان، في رأس الخيمة، والشيخ مبارك بن سيف الناخي، في الشارقة. ونجاح شيخنا في قيامه بأمور القضاء والتدريس، كان من أسباب تقلده منصب أمير منطقة الجزيرة الحمراء لمدة سنتين، بناء على أمر أصدره الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم رأس الخيمة.

بناء مدرسة

جعل ابن فلاو من منزله مدرسة، جلب إليها الكثير من الكتب خدمة لتلاميذه، وكان يجلبها بواسطة الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع، عن طريق بعض التجار القادمين من قطر ومن غيرها، ولم يشغله توليه القضاء عن مهنته الرئيسية التي قضى فيها وقتاً طويلاً، فاهتم بتدريس العلوم الدينية المختلفة لتلاميذ الجزيرة الحمراء، وظلت مدرسة ابن فلاو تؤدي رسالتها العلمية ل 5 سنوات.

وكان الشيخ حميد يحتفظ بالكثير من أمهات الكتب، والعديد من المخطوطات في مكتبته الشخصية داخل منزله، للاطلاع على بعض المسائل المتعلقة بعمله في القضاء، والمكتبة ضمت دواوين شعراء العرب، أمثال: جرير، والفرزدق، والنابغة الذبياني، وحافظ إبراهيم، وأحمد شوقي، إلى جانب عشرات الكتب التي ضاع معظمها، وكان بها عدد كبير من الكتب القديمة والمخطوطات النادرة، ومنها كتاب الشيخ عبد الله بن جرهم «الأجرومية» في مبادئ النحو والإعراب، وكتاب الألفية للعلامة ابن مالك، ويسمى «الخلاصة»، وكتاب الإمام الأزهري، ومن الكتب: رياض الصالحين للنووي، والأحكام لابن حجر.

ولم يقتصر ابن فلاو في دراسته العلمية على العلوم الدينية والشرعية فقط، بل قرأ لعدد كبير من شعراء العربية في عصور مختلفة، وحفظ عنهم الكثير من القصائد، كما كان يقرض الشعر في شبابه، وكان متأثراً بالمعاصرين، ومنهم شوقي، وحافظ إبراهيم.

تكريمه

بسبب مكانة الشيخ حميد بن فلاو، وجهوده في مجالي القضاء والتعليم، نال العديد من الجوائز وشهادات التقدير من الحُكام، ومن بعض المؤسسات، مثل: جائزة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان للمعلم عام 1997م، وجائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم.

لم يشغله القضاء عن الاستمرار في أداء دوره التعليمي