تحمل قصة البريطاني إدريس توفيق، قس الفاتيكان الأسبق، الذي تحول من المسيحية الكاثوليكية إلى الإسلام، الكثير من العبر والعظات التي يجب أن يستفيد منها المسلمون لتقوية إيمانهم والإحساس بقيمة ما يمتلكونه من ديانة جميلة راقية تسمو بالإنسان وتهبه السعادة في الدنيا والآخرة، خاصة أنه يرى أن إسلامه ليس تحولاً في الديانة بل عودة إلى الإسلام الذي هو فطرة الإنسان التي فطر الله الناس عليها. .ليصبح بعد ذلك أحد الدعاة ينشر تعاليم دينه الجديد ومبادئه السمحة بين الغربيين.
التقينا بإدريس توفيق في حوار صريح أجاب فيه عن الأسئلة التي وجهت إليه والتي تناولت العديد من القضايا التي تهم العالم الإسلامي، وكان هذا نص الحوار:
ما الذي دفعك إلى اعتناق الإسلام؟
في الواقع هناك ثلاثة أسباب مهمة غيرت مفاهيمي وجعلتني أعتنق الإسلام، أولها طفل مصري صغير كان يعمل ماسح أحذية في ميدان رمسيس، فعندما رآني قال لي السلام عليكم، فأعجبت كثيراً بأن يكون تحية المسلمين السلام بالرغم مما يشاع عنهم بأنهم يميلون إلى العنف والإرهاب، وسألت نفسي إذا كانت هذه تحيتهم فما بال قيمهم ومبادئهم، مما دفعني للتعرف أكثر إلى الإسلام وتعاليمه، وعرفت أن السلام الحقيقي في العالم ينبع من أرض الأنبياء وتطبيقات الرسول صلى الله عليه وسلم للسلام العالمي لكل بني البشر دون تمييز أو عنصرية.
السبب الثاني أنني شاهدت شاباً يستقل مترو الإسكندرية وهو يبكي عندما كان يقرأ في القرآن، وعرفت أن هذا هو كتاب المسلمين المقدس فتعجبت من تأثر هذا الشاب بقراءة القرآن، وبعده اشتاقت نفسي للقراءة في هذا الكتاب المقدس. .والسبب الثالث دعوة بعض القساوسة الإنجليز للاستعانة بالنظم الإسلامية في حل الأزمات المادية المعاصرة، ساعتها أدركت أن الإسلام لديه حل لجميع مشكلات البشرية وأنه صالح لكل العصور .
هل أدى اعتناقك للإسلام إلى انقلاب في حياتك؟
على العكس عودتي للإسلام كانت طبيعية بالرغم من استغراب الكثير من الناس، فقد أراد الله أن تمر حياتي بمراحل خطوة خطوة أراها متتابعة بطريقة مستقيمة أدت بي لما أنا فيه، فالإسلام هو دين الفطرة وهو الديانة الطبيعية لكل المخلوقات لأن رسالته بسيطة جداً وعالمية وتقول إن هناك إلهاً يتحدث إلينا وهذا هو الإسلام ببساطة.
هل تعتقد أن الحوار بين الأديان يؤدي إلى التقارب بينها رغم عدم اعتراف الغرب بالإسلام كديانة سماوية؟
الصدق هو السبيل لإنجاح الحوار بين الأديان، ولا شك أن الحوار مع الآخر ضروري وهذا لمصلحة البشرية، فكل الأديان تدعو إلى الإيمان بالله الواحد الأحد إذن فكلهم مشتركون في هذه العبادة، وقد جاء الإسلام ليصون هذا الإيمان من التزييف والتحريف حيث إنه أتم التشريعات للإجابة عن جميع تساؤلات البشرية إلى يوم القيامة، أما الإشارة بإصبع الاتهام للآخرين فلن يفيد في الحوار ولابد أن يشعر الآخر أننا أصدقاء لكي ينصت إلينا. .ومن حيث عدم اعتراف الديانات الأخرى بالإسلام فإن البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم موجودة في الإنجيل الأول ومعيار تصديقها القرآن الكريم وهذا دليل على أن الإسلام ديانة سماوية شاء الآخر أم أبى .
كيف كان رد فعلك حينما رسم الدنماركيون الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم؟
أريد أن أوضح أن الذين رسموا الصور الكاريكاتورية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم في الدنمارك لم يقصدوا في البداية أي إساءة للديانة الإسلامية لأنهم لا يعرفون شيئاً عن الإسلام، فهم لا يهتمون بالأديان، فقط يرسمون ما يعتقدون به وعندما حدثت الواقعة كنت في القاهرة وتعجبت من ردود أفعال المسلمين في النشرات الإخبارية وقلت لنفسي إنهم بهذه التصرفات يفعلون ما يريده الغرب منهم حيث وجدتهم يلقون الحجارة ويحرقون الأعلام على عكس رد فعل شيخ الأزهر الذي أعجبني كثيرا وقتها فقد وجه رسالة للعالم أجمع قال فيها إن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس كذلك والإسلام ليس كذلك. .فهكذا يجب أن يتصرف المسلمون حينما يقابلون أي مشكلة، يجب أن يبحثوا عن الحل بهدوء وبشكل متحضر لأن قوة المسلمين ليست بالعنف بل يجب تطبيق ما يدعو إليه الإسلام حتى لا ينظر إلينا الغرب نظرة متدنية.
ظهر مؤخرا مصطلح صراع الحضارات. .فما رأيك في هذا الموضوع؟
لا يوجد شيء اسمه صراع الحضارات على الإطلاق، لأن الإسلام هو الوطن في أي حضارة وهو جزء من كل الحضارات، أما هذا المصطلح فقد نشأ عن قناعات عنصرية لدى أصحابه لأنه لا فرق بين الشرق والغرب فكلنا بشر والمشكلة تكمن في أننا لا نعرف بعضنا، رغم أن الله خلقنا شعوباً وقبائل لنتعارف. .أما عوامل الاختلاف فترجع للأنظمة السياسية والخلفيات الثقافية والعادات والتقاليد وكل هذه الأشياء وضعية بحكم البيئة وهي ليست سبباً لإحداث العداء بل على العكس هي سبب كاف لحدوث التكامل والتعاون فيما بيننا وليس الصراع.
مصطلح الإسلاموفوبيا انتشر بصورة كبيرة في الغرب، فما موقفك من هذا الخوف من الإسلام؟
لا شك أن السبب الرئيس لانتشار هذا الخوف من الإسلام والعداء له يرجع أولاً إلى الجهل بالمعلومات الحقيقية عن هذا الدين من مصادره وثانياً إهمال المسلمين في التعبير عن الإسلام تعبيراً معاصراً وبأدوات العصر.
وثالثاً السلوكيات السلبية للمسلمين في العالم والتي تستغل لتشويه الإسلام .والأمر يسوء يوماً بعد يوم نتيجة وجود بعض الأشخاص مثل الصهاينة وغيرهم يتعمدون تشويه صورة الإسلام ليظهر على أنه دين إرهاب وتفجير الشخص لنفسه وقهر للمرأة وقطع لليد وغيرها من المفاهيم الخاطئة التي يروجون لها لرسم صورة مغلوطة تجلب العداء للإسلام والخوف منه.
وما أسباب اضطهاد الغرب للمسلمين؟
المشكلة أن بعض وسائل الإعلام تعمل باستمرار على نشر صورة مغلوطة عن إرهاب المسلمين مما يجعل الغربيين ينظرون للمسلم المهاجر نظرة تخوف لأنهم يشاهدون أمامهم أناساً يختلفون عنهم في العادات والتقاليد ويعيشون بطريقة مختلفة مما يجعل الدول الأوروبية تهاجم المهاجرين وتنبذهم، فالقضية هنا سياسية وليست دينية لأن أغلبية المهاجرين من المسلمين مما يجعلهم يرون أن المشكلة في الإسلام، حيث إن السياسيين دائما ما يبحثون عن آخر يلقون اللوم عليه ووجدوا ضالتهم في الإسلام وحينما ينتفي السبب فسوف يبحثون عن شماعة أخرى.
في رأيك كيف يمكن تصحيح صورة الإسلام في الغرب؟
بالسلوك القويم للمسلمين، فالكلمات فقط لا تكفي لتعريف الغرب بالإسلام فهم لا يعرفون عنه شيئاً إلا ما يشاع عنه في وسائل الإعلام المختلفة التي تسعى لتشويهه، وإذا لم نخبرهم نحن فلن يكتشفوا حقيقة الإسلام، ومسؤولية كل مسلم أن ينشر الإسلام بالقول الحسن والعمل الصالح، فأنا رغم إسلامي إلا أنني تمكنت من تكوين علاقات جيدة خلال سفري حول العالم مع القادة المسيحيين لأني أتحدث إليهم باحترام وهذا جعل الآخر يستمع إلي، ولكن للأسف كثير من المسلمين يرفعون أصواتهم معتقدين أنها الطريقة المثلى للإقناع رغم أن هناك آيات في القرآن ترفض ذلك.
تشغل قضية حظر النقاب الرأي العام في أوروبا. .فكيف تنظر إلى هذه القضية؟
أرى أن ارتداء النقاب حرية شخصية، فرغم أن القليل من كبار علماء المسلمين يرون أن النقاب مطلب ضروري للمرأة المسلمة إلا أن المرأة المسلمة من حقها أن ترتديه أو لا ترتديه وفقاً لهواها، لأن الغالبية العظمى من علماء الدين يرون أنه غير ملزم ويرجع لرغبة المرأة نفسها. .ولقد بدأت مشكلة حظر النقاب في فرنسا حيث ترتديه هناك 2000 امرأة، وأنا أرى أن هذا العدد قليل ولا يستدعي كل هذه الضجة التي افتعلها السياسيون لأسباب غير دينية.
هل تعتبر نفسك داعية إسلامية؟
أنا لست عالماً من علماء المسلمين، ولكني مسلم عادي اعتنق الإسلام ولكن الفرق أنني أمتلك بعض الخبرات السابقة في الديانات الأخرى وأحاول من خلال هذه الخبرات كمسلم أن أضع رؤيتي وخبرتي أمام غير المسلمين لأساعد على تصحيح صورة الإسلام لديهم وأحببهم في هذا الدين العالمي.
وكيف يتم ذلك؟
أبدأ معهم دائما التخاطب عبر الحياة العادية لأن الإسلام يخبرك بتفاصيل حياتك اليومية وكل تصرف تفعله يقربك من الله، فهو يخبرني كيف أحيي الناس وكيف آكل الطعام أو أدخل إلى غرفة نومي وإلى الحمام وإلى بيتي أو المسجد أو أي مكان آخر فهو يشجع المسلمين على التفكير في الله في كل وقت. .أما ما يتبعه البعض من أسلوب خاطئ فلن يحصدوا من ورائه شيئاً فهؤلاء يذهبون للغربيين ويقولون لهم إنهم على باطل ويسردون القوانين التي تبين الحرام والحلال مما ينفرهم من الدين الجديد خوفاً من التقييد مع أن الحرام في الإسلام قليل، ولذا يجب اختيار الطريقة الصحيحة للدعوة بأن نتعرف الطريقة التي يفكرون بها ونتعرف إلى تقاليدهم وثقافتهم لأنك إن لم تفهم طريقة تفكيرهم فلن تستطيع إيصال فكرة الإسلام إليهم. .فالناس هناك يتأثرون بالإيمان ويبكون من أجل الله لكنهم لا يعرفونه مما يدفعهم لأن يملأوا حياتهم بالموسيقا والشرب ظناً منهم أن هذا سيعطيهم السعادة مع أن الله وحده هو من يعطي السعادة .
ما مؤلفاتك عن الإسلام؟
ألفت العديد من الكتب عن الإسلام منها جنات النعيم والتحدث إلى الشباب المسلمين والتحدث إلى المسلمين الجدد والتحدث إلى المسلمين في الغرب وغيرها. .وآخر أبحاثي بعنوان الإسلام في مواجهة الإسلاموفوبيا وحلول الأزمات البشرية في اتباع مبادئ الإسلام.
في النهاية ماذا تقول للصبي الذي كان سبباً في اعتناقك الإسلام؟
أقول له مثلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً. .فلا شك أن هذا الصبي لا يعرف أني أسلمت على يده ولكنه سيعرف ذلك يوم القيامة عندما تقرأ حسناته الملائكة خاصة أنه كان سبباً غير مباشر في اعتناق الكثير للإسلام من خلالي.