خالد الراشد ينمو مثل غابة

قراءة في أحدث مجموعاته الشعرية
13:37 مساء
قراءة 8 دقائق

في زاوية ضاع فيها الأصدقاء

هذا الصمت من هذا الكلام

هذا الحنين من . .

هذا الكلام من جنة أم هي ناره

حزنه

من هذا الجسد المتبقي

على مايرام

من مدار هذا أنا لاباب لي

لابيت أدله

مداري يأخذني من حطام طيوف

ظلامي معي يكون من مجرة إلى مجرة

يدثرني الغمام

هذه المسرة صوت رعد

موسيقا تفتح الكلام، ثمة شيء بمشي

يرقص

"مزراب الشمال 72-73"

تعد المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر خالد الراشد مزراب الشمال امتداداً لمشروعه الشعري منذ كله أزرق، ومروراً بضواحي الجنة ومنمنم وراما روز، حيث حرصه على أن يكون خطابه مغايراً للسائد، ليس على المستوى التقني، بل على مستوى المضمون، مادامت الأشكال الجديدة، تفرز رؤية جديدة للذات والعالم، حيث الموقف من العالم، يكون عبر هذه الذات، نتيجة تحول مضمار هذا الخطاب من النحن إلى أنا، وهي نقلة كبيرة في الفن والأدب عموماً، وفي عالم القصيدة الجديدة خصوصاً .

وإذا كان الشاعر قد عنون مجموعته الجديدة، هذه ببمزراب الشَّمال، فإن ذلك ليدل لأول وهلة على توسل العنوان المكان، ومادام أن الشمال جهة، وهو في التالي مكان فإن المزراب اسم آلة، وثيق الصلة بمكان ما، بل له علاقته بالماء كإحدى مفردات ذلك الفضاء، في معناه الواسع، وهو ما يجعلنا، وجهاً لوجه أمام سيل مائي، يغدق به هذا المزراب، وقد يكون ماء مجازياً، أو حقيقياً، إلا أن هذا الماء، لا يمكن تخيله، لأن هناك حاجة ما إليه بالنسبة إلى الشاعر، ومكانه .

محورية هذه الذات، في نصوص مجموعة الراشد الشعرية الجديدة، تتجلى في أشكال عديدة، إذ لا تفتأ تظهر في أشكال عديدة، مهما حاول إخفاءها، لأنها تجسد الفطرة، والجوهر الإنساني الذي لا يمكن أن يتوارى، وهو نفسه ما يجعل من النص صدى لتفاعل روح الشاعر، في كل محطة جديدة، تتوالى فيها سلسلة اكتشافاته، الواحد منها تلو الآخر، من دون أن يفتقد عنان لحظته الخاصة، ورائحتها:

عادتي هكذا وهكذا كما تركتها

تعود

هي سماء

مطر في واد يهيم

أنا الغرام، مرة يحملني الغيم

مرة يهديني غمام من مطلع الفجر

حتى

مطلع الجبال وأناشيد المعابد

وهذي الطيور التي تركت أشياء

وتركت أشياء أخرى

يلتصق النص -هنا- باللحظة الحاضرة للشاعر، كما يشير إلى ذلك التعريف المثبت على الغلاف الداخلي الأخير، حيث جاء حرفياً يعيش حالياً وحيداً في الهيمالايا، مقره فيها، بين أشجار التفاح على الجبال، وسعيداً يجول العالم، وعلى ضوء مثل هذا التعريف السريع، فإننا نكتشف معجماً لمفردات المكان الجديد الجبال- المطر-السماء . . إلخ، وهي إضافة جديدة إلى معجمه الخاص -في الأصل- هذا المعجم الذي يشغل حيزاً كبيراً من فضائه الإبداعي:

ما كانت هذه حالتي ولم تكن . .

هذه هي الحانة

السماء مفتوحة على مصراعيها . . .

نجمة تائهة

يقترب مني القمر

الظلام وجودي

في الليل والنهار . . . ماذا أفعل بظلام آخر؟

مثل الهوى شجري

منزلي على قمة جبل

بين نساء الوادي اللاتي تركنني في نهر

ثمة إشارات عديدة إلى الزمن، لاسيما الليل والنهار، حيث يَرِدان أكثر من مرة، بيد أن ذلك يأتي ضمن تناول الشاعر لمعجم الطبيعة، حيث السماء، والشجر، والقمر، والنهر . . إلخ، وهذا ما يعني أن انسكانه باللحظة، ليأتي من خلال حاسة البصر التي تسجل مرئياته من حوله، لتأخذ مكانها المركزي في هذا العالم، وإن كانت هذه المرئيات لا تنتقل إلى فضاء النص على نحو تسجيلي، أو ذهني، بل إن الصورة الشعرية تمنح القمر أو النهر -كمثالين- تلك الحركة التي تجعل المتلقي أمام نص ينبض غالباً بالحياة:

أفتح طرقاً في كل خطوة

أفتح سماء

من الصمت، هذه المرأة تستبيح

روحي الآن

لابد لها من رقصة صوفية

رقص الشجر في الغابات التي . . . .

تشتعل سدى .

كان يمر

صدمته امرأة، لم تكن حادثة

لم يكن هناك

حدث

لم تمنعني سوى إنارة الطريق

إشارات العبور

هكذا . .

الطريق خالية من متأملين المتأملون . .

وسواهم

يسيرون

ثمة مكانان إذاً، تتوزعهما روح الشاعر، هما المكان الأول والمكان الجديد، مكان يحمله الشاعر معه، أينما حل، ومكان يحل فيه الشاعر، وهو ذو صفات خاصة، تتبادر إلى ذهن المتلقي لمجرد ذكره، كما أن هذه الصفات تقدم نفسها، من خلال ككل الجبل أحياناً، وكجزء في أحايين أخرى، ويدخل في هذا الإطار كل ما يشير إلى التفاصيل:

هو هذا النهر هكذا متسع لآلاف الغرقى

من الطين والزلال

هذا

المفرط من الدلال

تشبهه الجنة

وعن قرب مجال

ماذا يحدث في الجنة؟

رميت نرداً كريماً على طاولة الكرام

لا الورد يثنيني

لا الماء الذي منه أمر

كان الكلام في قارب

يشكّل نص المجموعة الشعرية مزراب الشمال - انطلاقاً من أن النص هو المجموعة، والعكس- نشيداً خاصاً، هو ترجمة اللحظات اليومية للشاعر، فالعالم كله، طبيعة، وكائنات، يتم تناوله من خلال عدسة قلب الشاعر، وروحه، فهو دائم الحضور في ما حوله، لاينفك عن ذلك البتة:

هذي الجبال التي شربت ماء روحي في الظلام

لم يكن مقدراً له أن ينام

هذا الغمام . من البيت الذي طار

أنا الحلاج لم أنم . .

ما أتم هذه الليلة

الذاكرة بما فيها في الليل . .

ذكرياتها جميعها تضيع

يضيع . . . . معها النهار

وبالرغم من كثرة إشارات الشاعر إلى الماء، والغيم، والغمام، وهو في أعالي الجبال التي تدنيه من هذا الماء، فإن ظمأ شديداً تشير إليه نصوص الشاعر الذي يحمل صحراءه، ومتاهاتها إلى هناك، وهو ظمأ لا يمكن إطفاؤه إلا باللجوء إلى القصيدة التي تحقق له كل ما يريد، من ماء، وأشجار، ودهشة، وطمأنينة، بعد كل ذلك القلق والتوتر اللذين يعكران صفو اللحظة والروح، في آن واحد:

عطشانة التي تملأ عيني بالماء

معرفة . .

متاهة رياح هي الروح،

متاهة صحراء هذا الجسد . . . ينمو كغابة

تدخل إلى الأرض

لا يمكن التعامل مع نص الشاعر على أساس أنه يؤدي مجرد غرض أحادي، بل هو نص رؤيوي مفتوح على أغراضه، الهائلة، حيث الانكسار والحلم، والمرأة:

أضمك تعالي، لا تكوني . .

على مقربة

امرأة في البرد

الطاولة الوحيدة، الوحيد أنا

بالقرب من كرسي خال، وكم من الليل

والمطر

تمر الرحمة هكذا

في هيئة امرأة . .

أينما يسكن الفرح، بعد غيمة . .

هذا الدخان

من امرأة ممتلئة، هذا الغريب يبدو

في هدوء تام

تترك أشياء داع لها

تترك أشياء

لا داعي

لها

وهناك مسألة أخرى، مهمَّة أيضاً، وهي أن الشاعر لا يخفي دهشته بعالم الصوفية، حيث يذكرها، مصطلحاً، من دون أي تردد، بل إنه يشير إلى أحد أقطاب التصوف، وهو الحلاج، إضافة إلى إيراد بعض لوازم الصوفية، بل وترجمة ذلك في طريقة علاقته بالقصيدة والكون:

أنا الحلاج لم أنم . .

. . . . . . . . . . . . . . . .

روحي الآن

لابد من رقصة صوفية

رقص الشجر في الغابات التي . .

تشتعل سدى .

. . . . . . . . . . . . . . . . .

كنّ الغابات، أتدثر بهن

معبد النار في الخاطر

راقص صوفي

ثمة امرأة تتلو الشعر

في صمت . . هي

موجودة في هذا الظلام .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مرة أخرى الحانة في حاجة

لرقصة صوفية

شيء من دوران الأرض حول الشمس

فتح طرقات

إلى المسرة

وللمرأة حضور لافت في مساحة النص، حيث تظهر في أشكال عديدة، يستنطقها الشاعر، ويخاطبها، يكسر بوساطتها ضمير المتكلم، أو المخاطب، أو تتم الإشارة إليها، وهي إلى جانب الرجل، تكمل اللوحة واللحظة:

امرأة في البرد

رجل في الظلام

يسيران في بحث . .

الغربة

الطاولة الوحيدة، الوحيد أنا

بالقرب من كرسي خال، وكم من الليل

والمطر

تمر الرحمة هكذا

في هيئة امرأة

ثمة إعلان واضح عن نوستالجيا الرجل، وهو يقرض غربته، ووحدته، إلى جانب كرسي بارد، خالٍ، تجاه أنثى يجد فيها الرحمة المنتظرة، أو المقبلة، ولعل كلمة الرحمة هنا، تنفتح على كم هائل من الدلالات، بل تبين عن حاجة أزلية إلى هذا الجزء المكمل للروح:

امرأة تمر هكذا بكل مرارة

كل امرأة مع رجل

كل شجرة بين الشجر

هذه المرأة من أين أتت؟

نص الشاعر، يحاول أن يكون نسيج نفسه، على مسافة من النص الشفهي، والرؤيوي، من دون التعكز على البهلنة اللغوية، وإنما من خلال رسم لغته البسيطة التي تتوتر عبر مزيد من الشعرية، وهو ما يبدو أكثر فأكثر مع تقدم الشريط اللغوي فيه، فالشعرية تتأتى من خلال إعادة خلق اللغة في مختبر الشاعر، بعد صهر الأدوات الأولى اللازمة، بما يجعلنا أمام أكثرمن حالة شعرية عالية:

الحانة مفتوحة حتى تأتي

الحانة مفتوحة مثل غابة

هي الأخرى

مفتوحة

كل شيء على ما يرام

الحالة كما هي، كعادتها

على ما يرام، تصحيح فكرة

كأن شيئاً هناك، هناك الذي مرّ

مكتملاً ومكتملة

هو الذي ترك الأرض فوقها فوق بعض

كانت امرأة رجعت

البيت فيه الخراب

كي تسيري . . لابد من طريقة

تفهمين أولا تفهمين

لا ينزل الظلام

لاهناك شيء واسمك لاشيء سواه

هنا، نجد أن الشاعر ينقل توتره الروحي، في صور شعرية تتلاحق، لدرجة أننا نكاد في أكثرمن موقع نغدو أمام مشاهد سينمائية، بيدأن هذه اللقطة أميل إلى أرومة، أو كتابة غير واقعية للواقع:

يذهب الليل عن النهار

يذهب النهار عن

الليل، الزهور التي تذبل

الأشجار التي تطول من ليلي

ونهاري

مكتمل هذا الهواء

شيء من السماء فوقي متغيرة

يغيرطريقي هذا المحيط، له شأن وأنا

في شأن

المطر وموج البحر

رجع البحر

ذهب البحر ليس له مكان

ليس له وقت يترك موجاً من التأملات

للضياع

يتعامل الشاعر مع لغته عبر عملية الهدم، كي يبني جملة تتواءم مع حالته الخاصة، وذلك في سياق الاختلاف الذي يفرضه النص الجديد، ولعل هذا التناول الجديد للغة يدفع به، إلى تقديم المبتدأ واجب التأخير مع الخبر شبه الجملة، بل يعمد إلى تهشيم اللغة في قوله تترك أشياء داع لها تترك أشياء لا داعي/ لها وهو محاولة من الشاعر في تعمد الوقوع في الخطأ، كامتداد، لرؤيته إلى دور اللغة في خطابه الجديد، بل إن اللغة تفتقد نظامها العام، ضمن مغامرة الشاعر اللغوية، وهو يؤسس النظام اللغوي الخاص لنصه، الأمر الذي يبدو، منذ بداية النص عادتي هكذا وهكذا كما تركتها تعود وحتى كان الكلام في قارب، حيث ثمة إشارة إلى مستويين هما:

- الكلمة خارج سياقها المألوف .

- موقع الشاعر في فضاء النص .

فالارتباك في التعامل مع المفردة -في ضوء المجموعة- يعد سمة عامة للنص/ الديوان، وهذا ليس مجرد استجابة لدواعي النص الجديد، وإنما يؤثر في مجمل أدوات النص الأخرى، سواء أكان في ما يتعلق برسم الصورة، أو الجانب الدلالي، حيث الاشتغال على أقصى ما لدى المفردة من أبعاد وانزياحات، وهو نفسه الدافع من وراء توظيف النص لأبنية معروفة، سواء أكانت تنتمي إلى المقدس، أو لمألوف، وإعادة صياغته، وفق رؤية النص الفنية والدلالية مطر في واد يهيم، مرة يهديني غمام من مطلع الفجر وما أوتيت من الدلال إلا، /قليلاً، تخرج من ماء دافق/ تدخل بين الصلب والترائب: حيث لكل من هذه العبارات معادة الاستخدام، إحالاتها القرآنية المعروفة، ناهيك عن أنه يلجأ إلى وضع هذه الإحالات في إطار جديد، ليقدم عبرها رؤيته الخاصة:

هكذا تمر الأمور

الأمكنة وحالات الناس

وأدور أنا في العتمة والغيمة

في هدوء

في ممرات أمر معي

أفتح طرقاً من الجذور

آخذني من يدي في سماء مفتوحة

مع الشجر

وهذا منتصف النهار

هذا منتصف الليل

إن كل ما سبق، من إشارات، في مجموعة الراشد الجديدة، هي في حقيقتها، تشكل مفاتيح أولى، يمكن الاعتماد عليها، في فهم الفضاء الشعري لديه، لاسيما أن هذه المجموعة، تشكل تحولاً واضحاً ففي تجربة الشاعر، سواء أكان ذلك على صعيد اللغة البسيطة الشفافة التي يكتب بها، بعيداً عن أي تقعر، أو من خلال طريقة رسم الصورة، ضمن عمارة النص، وعلاقة كل ذلك برؤية الشاعر والدلالات التي يرمي إليها، حيث إن نصه ليس عبارة عن فنتازيا -فحسب- وإنما يرتبط بتحولاته الحياتية، في جغرافيا معينة، يتفاعل معها، كي يقترن ذلك بجغرافيا أولى، كانت مهاد لحظاته الأولى، وقصيدته الأولى .

#183; مزراب الشمال -شعر2012-

#183; وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع-

#183; واتحاد كتاب وأدباء الإمارات

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"