تتعدد المواقف والأحداث في ميادين الحياة كافة، ويتعامل الأفراد معها بردود فعل وتصرفات مختلفة تنم عن مهارات مكتسبة من البيئة والعادات والتقاليد . عندما نذكر صفة الخجل يتبادر إلى الأذهان فوراً المرأة الخجولة بعواطفها ومشاعرها، ولا يخطر بالبال الرجل الذي يتصف كما هو السائد بالقوة والثبات والشجاعة . نتناول في هذا التحقيق آراء بعض الرجال حول صفة الخجل ونظرة المجتمع لسلوك الرجل الخجول، ورأي أصحاب الخبرة والاختصاص في علم النفس والاجتماع .

محمد السقا (موظف في محل عطور) يقول: الحياء شعبة من شعب الإيمان والخجل نابع من الأدب والاحترام ويعكس أفكار الشخص واعتقاداته المكتسبة من التربية في البيت والأصدقاء والمحيط الخارجي، لأن الخجل ليس لحظياً يأتي حسب حاجة الموقف، إنما يصدر من وجوهر الشخص . وقد أتعرض لمواقف محرجة في العمل تجبرني على تحمل من يخطئ بحقي، لأن واقع العمل ليس وردياً، ويكفي أنني مقتنع بأسلوبي حتى ولو أثار استغراب الآخرين .

يختلف شريف محمود (موظف مبيعات) في الرأي، ويقول: الخجل مرض نفسي نتيجة صدمة وقد يكون للتربية في المنزل أثر كبير في الشخصية، فشخصيتي تجمع الخجل والهدوء، حتى عندما أجلس مع أصدقاء جدد يتجلى خجلي على عكس من يعرفني جيداً وأكون معه مختلفاً، ولكن أتمنى أن أزيل هذه الصفة وأصبح اجتماعياً أكثر أحياناً أمر بمواقف أكره فيها خجلي، لأنه لا يمنعني من التعبير عن مشاعري .

زيد (موظف شركة الكترونيات) يصف الرجل الخجول بالحساس، ويقول: صفة الخجل سلاح ذي حدين، فهي غير مستحبة للرجل مع كونها ليست عيباً أو مرضاً، فقد يكون الشخص يمتلك حساسية زائدة أو يفتقد إلى مهارات التعامل الاجتماعية، ومن ناحية أخرى قد تصل بالشخص إلى تأخر ارتباطه لأن مسألة التعرف إلى فتاة تشعره باضطراب وحرج قد يتلازم باحمرار الوجه وتعرقه .

يتحدث جمال مدلجي (طالب في كلية أبوظبي قسم هندسة مدني) عن الخجل الإيجابي بقوله: هذا الشعور يصاحبني لكن بطريقة تسمح لي بالتعبير عن نفسي وأرائي، وممارسة يومياتي في الجامعة بالاحتكاك مع الطلبة والأساتذة . وبرأيي هذا الأسلوب يترك انطباعاً جميلاً لدى الآخرين عني . لكن في بعض الحالات قد يتحول الخجل إلى حالة نفسية تستدعي اللجوء إلى مختص نفسي وهذا يرجع إلى تأثير البيئة وطريقة معاملة الأهل للابن في مراحل تكوينه لينشأ في أجواء مغلقة معقدة تمنعه من التعبير عن نفسه أمام الآخرين .

فاخر داغستاني (مستشار إعلامي) يقول: سلوك الرجل الخجول هو طبع وتؤثر فيه التربية، فتوأمي يخجل لمجرد حديثي معه، وأيضاً من التعامل مع الناس، وهذا بالطبع يؤثر في ثقته بنفسه، لذا يميل للانعزالية ومن الصعوبة تغييره مالم يفعل هو . وعلى صعيد أبنائي لدي ولدان توأم أيضاً أحدهما خجول عمره 10 سنوات وأعمل بقدر المستطاع على إقحامه في فعاليات المدرسة التي تؤثر بشكل مباشر أكثر من العائلة خاصة في هذا العمر الحساس لفكر وشخصية الطفل، فالتوجيه مطلوب من الصغر .

ويضيف: ضعف الشخصية نتاج لصفة الخجل، الذي لا يناسب عملي كاستشاري إعلامي ولدي خطط إعلامية ترويجية تحتاج لموظفين يتمتعون بالثقة وقوة الشخصية، لأن أساس هذه المهنة هي قوة الشخصية ولا مكان للرجل الخجول فيها .

يفضل أحمد محمد إبراهيم (موظف في كارفور) الانسحاب، ويقول: المجتمع لا يتقبل الرجل الخجول، لأن صفة الخجل تنسب إلى المرأة أما الرجل فشخصيته قوية، وأحياناً يكون الخجل عائقاً أمام نجاح الرجل مهنياً واجتماعياً، أحياناً لا أستطيع التعبير عن أمر ما أمام أشخاص لا أعرفهم جيداً لذا أفضل الانسحاب .

أما زميله محمود، فهو خجول بحذر، ويرى أن حياء الرجل ليس ضعفاً ولا عيباً إن كان في حدوده الطبيعية، ولكن إن زاد يكون نابعاً من ضعف الشخصية، وربما أجد من يفسر صمتي شبه الدائم بالخجل، ولكنني أتعمد أن أكون حذراً، ما لم يطلب مني إبداء الرأي، أما في حال طلب مني رأي أو وجدت خطأ في مقاصد الآخرين أتدخل سريعاً، وأفصح عما بداخلي .

ويقول أسامة (موظف في محل للبصريات): طبعي هادئ لكنني لاأحب أن أوصف بالخجول، قد أتحفظ على آراء لا أحب طرحها لأتجنب ردود الفعل، وهذا لم يأت هكذا، بل من الصغر أحب الانعزال والخصوصية . وهناك من الناس من يحاول استغلال هدوئي وتفسيره بشكل مغاير، لكن مهما حدث فأسلوبي في الرد يتميز باللباقة والأدب، وقد أتحول إلى شخص ثان كلياُ في حالة الظلم أو هضم الحقوق أو نقض الوعود .

يقول د . عبد العزيز الحمادي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة الإمارات: عندما نقول سمة فإننا نعني كلا الجنسين، وعليه فإن الخجل سمة شخصية مشتركة بينهما وليست حكراً على النساء من دون الرجال، ولكن كون الأنثى عاطفية وتتأثر بسرعة تزيد نسبة الخجل لديها، ويساعدها في ذلك البيئة والثقافة والعادات والتقاليد المجتمع . والخجل لا يعتبر مرضاً بل هو مكتسب من التربية في البيت والمدرسة، وأحياناً قد يصاحب الخجل اضطراب أو قلق في شخصية الرجل هنا لا يمكن القول إن الخجل مسبب مباشر بل تدخل فيه أمور نفسية يعانيها الشخص، لذلك يجب فهم الحالة النفسية للشخص أولاً، والوقوف عند السبب الحقيقي الكامن وراء سلوكه .

يشير د . أحمد النجار، أستاذ علم النفس التربوي، إلى درجات الخجل وعلاجه قائلاً: الخجل هو استجابة إنسانية للأفكار والعوامل الخارجية التي تأثر بها الإنسان، وهو يملك خياراته إن كان خجولاً أو غضوباً أو عصبياً، ومن صفات الرجل الخجول الآتي: درجة عالية من التحفظ والخوف من ارتكاب الخطأ أمام الآخرين، ودرجة عالية من الحساسية تجاه المواقف والأحداث الحياتية، وطريقة تحليل مبالغ فيها لردود الآخرين، وشعوره بالكمالية وبأنه شخص لا يخطئ . وهذه الصفات عندما تجتمع في شخص لا يتقبل فكرة الخطأ، لذلك يفضل الانسحاب أو الصمت ويخاطب نفسه بعدم القدرة على المواجهة . ويضيف: حياة أي شخص هي نتاج أفكاره التي يصنعها هو في مخيلته، وتنعكس بكل حالاتها على سلوك الفرد في الحياة، فالرجل الخجول لديه إحدى المشكلات الاجتماعية الفردية وتجعله من المهزومين، وهذا السلوك غير وراثي، بل متعلم ومكتسب مثل الشجاعة تماماً أيضاً مكتسبة، ولكن الفرق أن الشجاعة أصعب وتحتاج إلى جرأة وجهد وتحد لمواجهة الأخطاء، أما الخجل فهو سلوك انسحابي لا يبذل فيه جهد . ويضيف: صفة الخجل منسوبة للمرأة ولا غرابة من خجلها لكن الرجل الخجول يثير الاستغراب من محيطه، وأحياناً يشفق عليه الآخرون، لذا من أهم النصائح في هذا السياق ألا يستسلم الإنسان أمام المواقف المخجلة وأن يقاوم ما يضعفه .