الخروفة أصلها (خرافة)، من خرف أي نسج الخيال، وسميت خروفة نسبة إلى شخص يدعى خرافة كان يعيش في العصور الجاهلية وكان يحكي حكايات خيالية ولذا ارتبطت الحكايات والأساطير والخرافات به حتى قيل حكايات خرافة ومع الزمن أصبح كل مايروى من أساطير وحكايات غامضة (خرافة) أو (خراريف) نسبة إلى خرافة هذا .
وفي لهجتنا خراريف أو خروفة (خرفتك مخيريفه) تعني الحكايات الشعبية وهذا النوع من الحكايات التي عادة ماتحكيها الجدات أو النساء كبيرات السن يساعد على تربية الخيال الإبداعي والقيم والأخلاق والمبادئ من خلال سماع مايروى في الخراريف من بطولات وادوار حياتيه مثل تصوير الأحداث والشخوص الخيالية أو الحيوانات التي قد تمارس دوراً بطولياً وتتكلم وتغني، وقد ترتبط الحكاية الشعبية بالواقع أو بالخيال الرمزي وعند روايتها لابد من أن تستحضر ملامح تلك الحياة خاصة أن الحكاية ترتبط بالمكان والزمان وبالحياة الشعبية وبالعادات والتقاليد والمعتقدات والثقافة الشعبية التي قد تصوغ بعض الحكايات المنقولة من الأساطير العربية والأجنبية، واليوم أحكي لكم عن إحدى النساء التي كانت تنام في بيتنا وكانت تخرفنا وهي مريم بنت يوسف، رحمها الله، فقد كانت امرأة وقورة لها مكانة في قلبي وكنت حينها صغير السن لا أتجاوز الخامسة أو الثامنة وكانت مريم وحيدة وفي الليل تأتي للمبيت في بيتنا الذي لايبعد عن بيتها، وكانت الوالدة تفرش (السِيّم) في وسط (الحوي) الحوش وتضع الدواشك والشوادر والمواسد للنوم، وفي الصيف تفرش هذه البطانيات إذا مالت الشمس واقتربت من وقت الغروب، والغاية من ذلك أن يضربها الندى أو (الطل) وتصبح باردة .
وعودة إلى مريم بنت يوسف التي عندما تدخل إلى بيتنا كان ( مداسها) يضرب في رمال البيت وكانت تضع (الوقاية) وعند وصولها تحضر لها الوالدة العشاء ( الأرز) والسمك أو السحناة أو المودم ودلة الشاي الحليب، وفي طرف السيم توجد (كروه) أو (سكاويه) أو(بق) به ماء مدخن باللبان، بعد أن تتناول وجبة العشاء تقوم وتغسل يديها وتشرب الماء في طاسة من المعدن مازلنا نحتفظ بها إلى الآن، وتتهيأ مريم لحكاياتها وأجلس انا وأحياناً بعض أولاد وبنات الفريج الذين يأتون إلى بيتنا لسماع حكايات مريم بنت سيف، وأذكر أنها تبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تقول هذه الكلمات او الأيقونة التي لاتفارق لسانها، خرفتك مخيريفة تاليها مجيريفة، تحت السيّم نبجة، سلطان وأخته يتماطون لردا، أو تقول: خرريفة مجيريفة سبع قطوات مدلايات في التنور، والتنور يبقى حطب . . إلخ . وبعد أن تنتهي من مقدمتها، تبدأ بسرد حكاياتها التي لم أسمع قط أجمل وأحسن من وصفها ومن خيالها فعندما تتكلم نتصور الأحداث والأشخاص كأنها حقيقية وقد سمعت منها حكاية بابا درياة وعبد المزنجل وبديح بديحوة وبعير حمدان، وفي أحد الأيام كان من الذين حضروا لسماع سرد مريم بنت يوسف أحد الأولاد من جيراننا وهو أكبر منا سناً، وفي الصباح أخذ يحذر أصدقاءه أو من نلتقي معهم من قطع الأشجار وقطف الثمار قبل أن تنضج أو رمي الأوساخ في الطرقات، وكل ذلك ورد في حكاية (سدرة أم الصبيان) هذه السدرة التي كانت بعيدة يأتي إليها الناس كما وصفتها لنا مريم، أما أم الصبيان فهي جنية عجوز (وأم الصبيان مرض أيضاً) أشرت إليه في كتاب (الطب الشعبي في الإمارات)، تخرج في الليل وتصدر أصواتاً منكرة، وإذا سمعها الناس تعوذوا بالله منها، وسمعت من مريم بنت يوسف حكاية (بنت الزين معمر) وأجمل ما سمعت سردها عن أحداث وأشخاص مثل (بوطبل) وصالحة الشهيدة التي دافعت عن مدينة رأس الخيمة أثناء الهجوم الإنجليزي عام 1819م .
كبرنا وكبرت مدينتنا واختفت من حياتنا مريم بنت يوسف وحكاياتها الجميلة وعندما سألت عنها عرفت أنها ماتت منذ ثلاثين سنة فتذكرت تلك الليالي الحلوة عندما كنا نجتمع حولها وهي تحكي لنا وتجول بخيالها وتحفزنا على سماعها والانتباه إلى ما تقول من خراريف نشرت بعضها بينما لا يزال بعضها الآخر محفوظاً لم أنشره بعد.