قبل عام كانت نانسي إيلفين تستمتع بحياتها وانشغالها برعاية أطفالها الثلاثة . وتتعافى هذه الأيام الأم التي تبلغ 28 ربيعاً من سرطان الأمعاء الذي زحف في أحشائها ووصل إلى كبدها ورئتها اليمنى . وخلال هذه السنة القاسية، خاضت إيلفين عمليتين جراحيتين استمرت إحداهما عشر ساعات ونصف الساعة وخضعت لدورتين من العلاج الكيميائي المضني .
حول معاناتها، قالت نانسي: أنظر بألم للسنة الفائتة، وأحياناً أجد صعوبة في استيعاب ما حدث لي .
وتقول نانسي وهي أم لثلاث بنات أكبرهن في الخامسة من عمرها: أمضيت أوقاتاً مضنية وعوضاً عن الاستمتاع بأمومتي مع بناتي، قاسيت ألم عدم معرفتي إن كنت سأعيش لأراهن يترعرعن ويكبرن أمامي .
وأحزان نانسي كانت مضاعفة لأنها علمت أن إصابتها بالسرطان شخصت بالخطأ على أنها مجرد بواسير من قبل جراح باطنية، وقد كلفها هذا التشخيص الخاطئ أربعة أشهر حرجة، قبل أن يتم في النهاية اكتشاف إصابتها بالسرطان في ديسمبر/ كانون الأول 2009 .
وتقول نانسي إن خسارتها لهذه الأشهر كانت ستكلفها حياتها: التشخيص الخاطئ الذي استمر أربعة أشهر قد يكون منح السرطان الوقت الكافي للتمدد من الأمعاء إلى الكبد، وهذا يعني أن تقييم فرصي واحتمالاتي ليس بالدقة والجودة اللتين كان يجب أن تكون عليهما . وفي كل ما حدث لي، كان ذلك التشخيص الخاطئ، الشيء الوحيد الذي أغضبني .
ولم تلحظ نانسي إيفلين أي أعراض مقلقة إلا في نهاية حملها الثالث .
وتصف نانسي عوارضها قائلة: بدأت أتبرز دماً من إمعائي .
وتضيف نانسي التي تعمل مساعدة صيدلانية لقد حدث النزيف فجأة وتواصل لبضعة أيام . وأنا وزوجي (وهو صيدلاني أيضاً) على وعي تام بأن أي دم في المرحاض يجب أن يخضع فوراً للفحص، ولذلك قصدت طبيبي مباشرة . وعندما خضعت نانسي لتحليل دم، تبين أن مستويات الحديد لديها كانت متدنية للغاية، ولذلك أدخلت إلى المستشفى لإجراء عملية نقل دم . وتقول نانسي: عندما كنت في المستشفى، استدعي جراح باطنية لفحص نزيف المستقيم الذي كنت أعاني منه .
وعلى الرغم من أن والدتها كانت قد تعرضت لسرطان الأمعاء عندما كانت في سن ال ،41 إلا أن نانسي لم تدرك أن شخصاً في سنها يمكن أن يصاب بالسرطان، ولذلك لم تأت على ذكر هذا المؤشر الأسري .
وعلى أية حال، قرر الجراح عدم إخضاعها لمنظار القولون .
وعوضاً عن المنظار، أخضعت نانسي لفحص قولون بواسطة التنظير السيني السيمغودايسكوبي الأقل شمولية والذي يتم بوساطته فحص قسم صغير من الأمعاء الكلية .
وذكرت نانسي أن الجراح أعلن بعد الفحص مباشرة أنه اكتشف وجود بواسير شرجية وأزالها، وأخبرها بأنه صار بإمكانها أن تعود إلى منزلها . وقالت: كنت لا أزال أشكو من بعض المتاعب الصحية، وكنت أحس بأنني لست على ما يرام، لكنني افترضت أن الإعياء الثقيل الذي كنت أشعر به، والنزف الذي كنت أعاني منه، كانا بسبب الحمل . وبعد ذلك، توقف النزيف، فتوهمت أن البواسير هي فعلاً المسببة لمعاناتي .
ولكن قبيل أسبوعين من الموعد المحدد لإنجابها، كانت نانسي مجهدة للغاية، فوافق اختصاصي النساء والولادة على أن يجري لها عملية قيصرية، أنجبت على أثرها ابنتها روزي في 19 سبتمبر/ أيلول الماضي . واستمر إحساس نانسي بأنها ليست على ما يرام لأسابيع بعد أن وضعت حملها .
وتصف نانسي حالتها في تلك الفترة بقولها: كانت لدي أعراض رشح وزكام دائمة، إذ كنت أعاني من الإرهاق وأتعرق ليلاً . وناضلت لكي أتحمل هذه المتاعب حتى كانت ليلة من ليالي مطلع ديسمبر/ كانون الأول، حينما اكتشفت أنني أنزف من الشرج . وفي الصباح التالي أخذني زوجي إلى قسم الطوارئ في المستشفى، حيث اشتبه الأطباء في إصابتي تقرحات والتهابات في القولون . وذكرت نانسي أنهم أجروا لها تنظيراً كاملاً للقولون، وتتذكر تلك اللحظات وتقول: كنت أنظر للمنظار على الشاشة وهو يرتفع . ورأيت كتلة سوداء، وأخذ الأطباء عينات منها . وعلى الفور شعرت بقلبي يهوي بداخلي . فقد أدركت أنني أعاني من مشكلة خطيرة .
وبعد برهة قصيرة، أعلن طبيب استشاري النبأ الصاعق . وأخبر نانسي وكريس زوجها، بإصابتها بالسرطان .
وتصف نانسي تلقيها النبأ الرهيب بقولها: كنت في حالة صدمة كاملة، وأحسست بشلل تام . أعتقد أنني كنت أبكي، وأذكر أنني كنت أقول هكذا إذاً، لقد أصبت به . وانتابني شعور مدمر بأن أطفالي الذين لم يبلغوا الحلم بعد لن يستطيعوا أن يتذكروني بعد مضي أعوام قليلة من وفاتي .
وعندما كان الأطباء يعلنون تعرضي للمرض الخبيث، لم يقو زوجي كريس على سماع المزيد وانسحب من الغرفة منهاراً . وأعتقد أن الطبيب نفسه كان متفاجئاً جداً من إصابتي بالسرطان في هذه السن المبكرة، ومن السرعة التي انتشرت بها الأورام، وقد ازداد غضبي وحزني عندما أدركت أن الاستشاري الأول لم يكن ضليعاً بما فيه الكفاية، فمنذ الوهلة الأولى التي اكتشف فيها وجود البواسير الشرجية، أعتقد أنه توصل للحل، على الرغم من أن مستويات الحديد كانت متدنية للغاية في جسمي مما يدل بوضوح على أنني تعرضت لنزيف غير عادي . وأيضاً كان عليه أن يلحظ أن الدم كان قاتماً للغاية وشديد الاحمرار، وهذا لا يتأتى من البواسير . وقالت: اعتقد الاستشاري أنني مازلت يافعة جداً كي أصاب بالسرطان، ولكن يفترض بالأطباء أن يضعوا أسوأ الاحتمالات لكي لا يقعوا في الأخطاء .
والصحيح هو أن مرض سرطان الأمعاء يصيب دائماً من تخطوا سن الخمسين، ومع ذلك يتعرض 2000 ممن هم أقل سناً للإصابة به في بريطانيا سنوياً على سبيل المثال، وهذا ما جعله سرطاناً شائعاً نسبياً في هذه الفئة العمرية الأقل من خمسين سنة .
ويقول مارك فلاناغان الرئيس التنفيذي لمؤسسة القضاء على سرطان الأمعاء الخيرية البريطانية: إن كثيراً من الأطباء لا يأخذون في اعتبارهم سرطان الأمعاء عندما يشخصون من هم أقل من خمسين عاماً، ويجب عدم استثناء الشبان من فحوص هذا المرض لمجرد أن أعمارهم دون المعدل المعتاد للإصابة به . فمن النادر، مثلاً، أن يصاب الرجال بسرطان الثدي، ولكن هذا يحدث أحياناً . فإذا حضر شخص ما لعيادة وكان يحمل أعراض سرطان الأمعاء، فمن المفترض أن يتم إخضاعه لفحوص سرطان الأمعاء، فالعمر يجب ألا يكون عاملاً من عوامل الفحوص الطبية في مثل هذه الحالة، وإذا تم اكتشاف الإصابة بسرطان الأمعاء في المراحل الأولية، يكون العلاج ممكناً وتتوفر للمصاب فرصة بنسبة 90% للعيش في الأعوام الخمسة اللاحقة للإصابة بالمرض . وتقل هذه النسبة ل 47% عندما تتمدد الأورام إلى خارج الأمعاء . وأكثر من نصف المصابين بهذا المرض حالياً، شخصت إصابتهم في مرحلة انتشار الأورام، وهذا ما يفسر احتلال سرطان الأمعاء للمرتبة الثانية في قائمة السرطانات الأكثر فتكاً في المملكة المتحدة . ويضيف فلاناغان: رسالتي للأطباء العموميين ولأطباء الأمراض السريرية في المستشفيات تتلخص في الآتي: ضعوا سرطان الأمعاء في حساباتكم عندما تعالجون أي شخص لديه مشكلات في أمعائه، وبالمقابل يتوجب على الناس ألا يقلقوا عندما يتم إخضاعهم لفحوص سرطان الأمعاء . وفي أواخر 2009 خضعت نانسي لعملية جراحية استمرت خمس ساعات لاستئصال ثلث أمعائها الصغير . وبعدها كانت في حالة ألم بالغ . وتذكر نانسي أنها قامت بكل ما تستطيع وبذلت أقصى جهد ممكن لكي تتمكن من النهوض والحركة في أسرع فرصة لأنها كانت مصممة على تمضية أعياد الميلاد في منزلها ووسط أسرتها .
وتقول: قبل أيام قليلة من مغادرتي للمستشفى، أنجبت تريش، أعز صديقة لي، طفلة أسمتها روزي . وكان رائعاً أن أراها وأحملها بين ذراعي، وحينها بكيت بشدة .
وفي فبراير/ شباط الفائت، بدأت نانسي ست دورات من العلاج الكيميائي بنظام يوم في كل أسبوعين تركت آثاراً جانبية كريهة عليها، فقد أصبحت بشرتها شديدة الحساسية ومؤلمة . بيد أن العلاج الكيميائي قلص أورام الكبد والرئة، وبعد ذلك أزيلت الأورام في يونيو/ حزيران في عملية جراحية استغرقت عشر ساعات ونصف الساعة خضعت بعدها لسلسلة أخرى من العلاج الكيميائي .
وتقول نانسي إنها لم تكن لتصمد وتتكيف مع مسلسل معاناتها لولا دعم الأهل والأصدقاء لها . وعلى الرغم من السنة الكارثية التي مرت بها، ظلت نانسي متفائلة . وقالت: حتى الآن أظهرت كل الاختبارات والفحوص أنه لا توجد علامات على وجود أورام سرطانية في أي مكان في جسدي . والأطباء يبدو أنهم مصممون على النضال من أجلي .
وأضافت: أرغب بشدة في أن يعتبر الآخرون مما حدث لي، ويستفيدوا من تجربتي، فإذا شعر أي أحد بأن أمعاءه ليست على ما يرام فأنا أرجوه أن يذهب إلى فحصها، وأن يعيد الفحص .
ويوافقها فلاناغان الرأي ويقول: كن مثابراً، إذا لم تكن تشعر بارتياح إزاء تشخيص ما تعانيه بالبواسير وتهّيج القولون فقط، عندها أعد الفحص مرات ومرات، فمن الأفضل أن ينظر إليك باعتبارك شخصاً لحوحاً، على أن تفوت الأورام التي قد تكون تهدد حياتك .