إذا كان شاغل الأطفال في سن الثانية عشرة من العمر لعبة يتقاذفونها، أو قطعة حلوى يتخاصمون على من يزدردها، فإن حديثنا هنا عن شخص ما بلغ هذا العمر من طفولته، حتى استطاع من تلقاء نفسه أن يقوم بصياغة بنائية للنسق الأوقليدي بدءا من وضع الأشكال، وتقعيد المبادئ، وانتهاء بتركيب الأدلة، إلى أن وصل إلى القضية الثانية والثلاثين من كتاب العناصر لأوقليد.

وعندما بلغ السادسة عشرة خط في علم الفيزياء بحثا في المخروطات جاوز بدقته وسداد أفكاره كل الأبحاث العلمية السابقة، الأمر الذي أدهش ديكارت نفسه.

وهو في الثامنة عشرة من عمره، لاحظ معاناة والده، الموظف في جباية الضرائب، بالقيام بمعاملاته الحسابية، ففكر أن يرفع عنه هذا التعب، فاخترع أول آلة حاسبة، فكان بذلك أول من نقل علم الجبر من فعل ذهني إلى جهاز آلي.

إنه بليز باسكال (1623-1662) الفيلسوف، الرياضي، الفيزيائي، اللاهوتي الفرنسي، ذاك الذي حيثما خط بقلمه، وفي أي علم من العلوم جاء فيه بجديد غير مسبوق، بل حتى في أسلوب كتابته كان بنثره البديع الأخاذ أحد العوامل المؤسسة للنهضة الأدبية في اللسان الفرنسي.

أجل يصح هنا أن نقول : من النادر جدا أن تجتمع في شخص واحد كومة من المواهب، بهذا القدر الذي اجتمع في باسكال.

وقبيل وفاته بسنوات، وقد تجاذبته الآراء، واجتمعت عليه أدواء الجسد واشتدت الآلام، يقرر العكوف، فيعتزل في دير البور رويال حيث سيكتب خواطره. وكتاب الخواطر في الأصل عبارة عن شذرات وملحوظات موجزة سجلها باسكال في أوراقه تمهيدا لأن يصوغ منها كتابا منتظما بتمهيد وفصول وأبواب. غير أنه مات قبل أن ينجز قصده هذا، فبقي الكتاب على حالته غير مكتمل، في ما يزيد على ألف قصاصة ورقية صغيرة، بلا ترتيب وتنظيم، ولا إسهاب في معالجة الكثير من القضايا المتناولة. غير أن هذا لم يُخِل بقيمة الكتاب. بل رغم ذلك أو لنقل ربما بسبب ذلك أصبح هذا الكتاب أفضل ما كتب باسكال. فالرؤى التي اختزلها فيه هي فضلا عن عمقها الفلسفي، وسداد كثير من التوجيهات المعرفية المنهجية المحايثة فيها كانت مصاغة بأسلوب جذاب جميل، جعل هذا المتن الفلسفي من أفضل ما أبدعه يراع النثر الفرنسي.

غير أن هذه القصاصات الألف طرحت مشكلة كبيرة في تنظيم المتن وطبعه. ولا نعلم حتى اليوم الترتيب الحقيقي الذي أراده باسكال لمتنه. فالنسخ الفرنسية المتداولة اليوم مختلفة إلى خمس طبعات متباينة في الترتيب والتبويب، فنسخة برانشفيك الصادرة سنة 1904 مخالفة لنسخة لافوما 1947-،1962 وهما معا يخالفان نسخة لوغرين ،1977 وجميعها مخالفة لطبعتي شوفاليي 1954 وسيليي 1991. هذا فضلا عن طبعة بور رويال الأولى سنة 1670.

وللأسف الشديد لا نجد الترجمات العربية لمتن الخواطر تنبه إلى هذا الاختلاف، وتشعر قارئها أن بنية المتن التي تترجمه يأتي ترتيبه على أساس تأويل من بين تأويلات خمسة على الأقل لنظام الكتاب.

وليس بإمكاننا هنا الإيغال في التحقيق والاستدلال على طبعة من هذه الطبعات، إنما يكفينا هنا تنبيه القارئ إلى استشكال قوام هذا المتن، فلننصرف إذن إلى محاولة الإمساك بالإشكال المركزي للكتاب ومقاربته:

لقد كان قصد باسكال من كتاب الخواطر الدفاع عن الدين، ونقد الإلحاد. إلا أن تأسيس دفاعه كان بمهاد إبستملوجي مكين يبرز ضعف قدرة العقل أمام مطلب اليقين، حيث يخص مسائل المبدأ والمنهج والمنطق والبرهان، بوقفات دقيقة عميقة. فَدَرَس القدرة العقلية من زاوية أنماط مناهجها في التفكير، ثم بين محدوديتَها، بالنظر إلى عمق وصعوبة الأسئلة الدينية الكبرى. ومن هنا أرى كتاب باسكال كتابا منهجيا بامتياز.

فما الدرس المنهجي المستفاد من متن الخواطر؟

هذا ما نتناوله في المقال المقبل. بإذن الله.

[email protected]