ونحن هنا نقدم نخبة مختارة من النساء الخالدات اللاتي يعتز بهن الإسلام، لنوضح للمرأة المسلمة المعاصرة حجم العطاء المنتظر منها تجاه دينها ووطنها وأسرتها، خاصة في هذا الزمن الذي يموج بتحديات ومشكلات جمة تحاول صرف المرأة عن القيام بدورها الذي رسمه لها دينها الحنيف .
ضيفتنا اليوم صاحبة فضل ممتد على سائر المسلمين من الرجال والنساء، حيث أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون سبباً في حكم شرعي مهم للغاية لكل النساء، كما هو مهم للرجال الذين يتسرعون وتصدر عنهم أقوال يحرمها الشرع لما تحمل من ظلم فادح للمرأة .
لقد سمعها السميع البصير بكل عباده وهي تشكو حالها إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، بعد أن تقدم بها العمر وتولى عنها قطار الشباب وقد كانت طوال حياتها مثالاً للزوجة الوفية المخلصة، ترعى شؤون بيتها وتؤدي واجبها تجاه زوجها وتبذل قصارى جهدها من أجل تربية أبنائها، وبعد هذا كله ينتهي الحال بها إلى تحريمها على زوجها في لحظة غضب وبكلمات غير مسؤولة .
إنها خولة بنت حكيم بن مالك بن ثعلبة التي تزوجت من ابن عمها أوس بن الصامت، فكانت له نعم الزوجة، وكانت ككل الصحابيات الكريمات نموذجاً للزوجة المسلمة المؤمنة البارة بزوجها، وكانت تحسن إليه وتحنو عليه وتجود عليه بالكثير من مالها ولا تدخر وسعاً في إسعاده وإدخال السرور عليه ولا تقصر في حقه عليها، وكانت تحبه وتطيعه في غير معصية الله عز وجل على ما فيه من شدة في معاملتها في كثير من الأحيان . وقد كان لهذه الصحابية الجليلة شأن عظيم عند الله عز وجل وعند رسوله صلى الله عليه وسلم وعند أصحابه المقربين رضي الله عنهم أجمعين .
خلاف بين زوجين
اختلفت خولة رضي الله عنها مع زوجها في يوم من الأيام، حيث ناقشته في أمر من أمور الحياة، فغضب وثار ونطق بما كان يقال في الجاهلية: "أنت عليّ كظهر أمي" .
وتروي خولة قصتها قائلة: "كنت عنده أي زوجته وكان شيخاً كبيراً قد ساء خلقه وضجر . فدخل علي يوماً فراجعته بشيء أي ناقشته فيه فغضب وقال: "أنت علي كظهر أمي"، ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة ثم دخل عليّ فإذا هو يريدني، فقلت: كلا والذي نفسي بيده وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا . فواثبني فامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عني ثم خرجت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست بين يديه فذكرت له ما لقيت منه . فجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه" .
مجادلة بالحسنى
تضيف الصحابية الجليلة خولة: قلت: يا رسول الله . زوجي فعل وفعل . وقد كبرت سني ووهن عظمي ولي منه أولاد . إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن أبقيتهم معي جاعوا، فجعل رسول الله يقول: "يا خولة، ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه" .
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لخولة: "أراك قد حرمت عليه"، أو لعله صلى الله عليه وسلم قال: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه"، فظلت خولة تراجعه مراراً، ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك شدة وجدي وما شق علي من فراقه، اللهم أنزل على لسان نبيك ما يكون لنا فيه فرج، قالت عائشة رضي الله عنها: فلقد بكيت وبكى من كان معنا من أهل البيت وكان النبي صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة، وجاء الوحي بالمدد من السماء، تقول خولة: فوالله ما برحت حتى نزل فيّ القرآن فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه فقالت عائشة: يا خولة إنه لينزل عليه ما هو إلا فيك فقالت: اللهم خيراً فإني لم أبغ من نبيك إلا خيراً ثم سرى عنه فقال: "يا خولة قد أنزل الله فيك وفيه قرآناً" ثم قرأ عليّ: "قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير . الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً وإن الله لعفو غفور . والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير . فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم" .
هذه الآيات الكريمة التي نزلت في خولة وزوجها أوس أبطلت آفة الظهار، وأنهت أن تكون عبارة "أنت علي كظهر أمي" سبباً في إنهاء رابطة الزوجية وإفساد مشاعر المحبة والمودة والرحمة بين الزوجين، وفتحت لمن يقع في هذا الخطأ مخرجاً، وتدرجت في فرض سبيل العلاج من عتق الرقبة إلى صيام شهرين متتابعين إلى إطعام ستين مسكيناً حسب مقدرة الزوج، لأن الله عز وجل لا يكلف نفساً إلا وسعها .
مثال للزوجة المسلمة
خولة رضي الله عنها التي أغضبها زوجها بكلمات الظهار والتي ذهبت لتشكو سلوكه القاسي لرسول الله وتناقشه بل وتشتكي أمرها إلى خالقها أبدت مشاعر العطف والرحمة بزوجها عندما طلب منها النبي أن تخبر زوجها بحدود رب العالمين وتطلب منه أن يعتق رقبة .
قالت: يا رسول الله ما عنده ما يعتق به رقبة فهو رجل فقير .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فليصم شهرين متتابعين" .
قالت: يا رسول الله: إنه شيخ كبير لا طاقة له على الصوم .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فليطعم ستين مسكيناً" .
قالت: يا رسول الله ما ذاك عنده .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا سنعينك بعزق من تمر" .
قالت: يا رسول الله وأنا سأعينه بعزق آخر .
قال صلى الله عليه وسلم: "قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي به عنه . ثم استوصي بابن عمك خيراً" .
قالت: قد فعلت .
وهكذا أنزل الله في خولة ولها ولكل نساء المسلمين قرآناً خالداً قضى على آفة كانت سائدة ومنتشرة في المجتمع العربي الجاهلي، وفي بدايات الإسلام الأولى وهي آفة الظهار . التي كانت وليدة تحكم الرجل في المرأة واستبداده بها وتعامله معها وكأنها من متاع البيت . وكانت هذه الآفة سبباً في خراب البيوت . وفي ترمل النساء وأزواجهن على قيد الحياة . وفي ضياع الأبناء وآباؤهم يتمتعون بحياتهم ويقضون شهواتهم، وكان يكفي أن يقول الرجل لزوجته "أنت عليّ كظهر أمي" حتى تحرم عليه فلا يقربها مدى الحياة، ولا يكون أمامها سوى أن تعود إلى بيت أهلها ذليلة كسيفة البال كسيرة القلب، وبفضل شجاعة هذه الصحابية وحرصها على بيتها وأولادها، وقبل ذلك على معرفة أحكام دينها نزلت الآيات الكريمات التي تبطل هذه العادة الذميمة وتقضي على هذه الآفة اللعينة، وفتحت الباب لرأب الصدع ومراجعة النفس والحفاظ على البيت المسلم .
لقد ضربت الصحابية الفاضلة خولة رضي الله عنها من خلال قصتها مع زوجها القدوة والمثل في كيفية احترام الزوج، فهي تشكو من سوء معاملته معها، ومع ذلك كانت تحسن عشرته وتعطيه من مالها، ولا تقصر في حقه بأي صورة من الصور، وتطبق ما يأمرها به ما دام في غير معصية الخالق .
وهكذا كانت "خولة" ذات مكانة عالية بين الصحابة الكرام حيث عرفوا فضلها، واحترموا شجاعتها وصدقها، واعترفوا بمكانتها العالية وامتدت شهرتها في الآفاق، وحفظ التاريخ ذكراها إلى يوم الدين .
أقبلت ذات مرة من بعيد فوقف لها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن أبصرها وظل واقفاً حتى وصلت إليه، فسأله أحد الصحابة تفسيراً لما يفعل فقال له: "ويحك، أتدري من تكون هذه؟ إنها امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، واستجاب لدعائها وأنزل فيها سورة المجادلة" .
رحم الله خولة بنت حكيم، صاحبة الفضل على المسلمين رجالاً ونساء .