من روائع البيان القرآني توظيف القصص في بناء نظام متكامل يحفظ على المجتمع قوته وتماسكه . . وكيفية التعايش مع الآخر خاصة إذا كان هناك اختلاف في العقيدة . . إلى جانب تأكيد أهمية وخطورة السلوك الفردي وسط الجماعة . . وضرورة الالتزام بالقيم والمبادئ .
لذلك يتوقف المرء طويلاً أمام ما حكاه القرآن الكريم في نهاية سورة التحريم، وما ضربه الله تعالى من مثلين للناس جميعاً . . المثل الأول للذين كفروا والمثل الثاني للذين آمنوا . . يقول الله تعالى: ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئًا وقيل ادخلا النار مع الداخلين .
ونتوقف اليوم مع امرأة نوح عليه السلام وحكايتها العجيبة .
فقد ذكر المفسرون أن امرأة نبي الله نوح كانت تدعي واغلة، وقيل والغة، وكما هو واضح من الآيات فإنها لم تكن سنداً لزوجها في دعوته ومهمته التي كلفه الله سبحانه وتعالى بها لهداية قومه وإخراجهم مما هم فيه من ضلال وضلالة فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره فكذبوه، ولم يقبلوا منه، فأنذرهم من عذاب الله تعالى .
قال: إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم . قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين .
عبء ثقيل
في مثل هذه الأجواء كانت امرأة نوح عبئاً ثقيلاً عليه . . وكانت أشبه بالخنجر أو الشوكة في ظهره، تؤلمه أينما حل وارتحل .
وقد أوصلها إعراضها عن الحق حداً جعلها تشيع عن زوجها نوح عليه السلام أنه مجنون . وذكر القرطبي في تفسيره أن والغة قالت لنبي الله نوح ذات مرة: يا نوح أما ينصرك ربك؟
فقال لها: نعم، فقالت باستهزاء: فمتى؟
قال: إذا فار التنور .
فخرجت تقول لقومها: يا قوم، والله إنه لمجنون، يزعم أنه لا ينصره ربه إلا أن يفور هذا التنور، ولم تكتف بذلك بل وصل بها الأمر أنه إذا آمن أحد بدعوته سارعت إلى قومها وأخبرتهم ليفتنوه عن دينه .
ذكر المفسرون أن الآية الكريمة وحديثها عن امرأتين لنبيين هما امرأة سيدنا نوح عليه السلام وامرأة سيدنا لوط عليه السلام . . جاءت ليوضح طريقة التعايش في المجتمع . . قال تعالى ضرب الله مثلاً للذين كفروا أي في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم وذلك لا يجدي عنهم شيئاً ولا ينفعهم عند الله إن لم يكن الإيمان حاصلاً في قلوبهم .
ثم ذكر المثل فقال امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين . . أي نبيين رسولين عندهما في صحبتهما ليلاً ونهاراً يؤاكلانهما ويعاشرانهما أشد العشرة والاختلاط . . فخانتاهما أي لم توافقاهما على الإيمان ولا صدقتاهما في الرسالة . . فلم يُجْدِ ذلك كله شيئاً ولا دفع عنهما محذوراً . . أو محظوراً، ولهذا قال تعالى فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً أي لكفرهما وقيل أي للمرأتين ادخلا النار مع الداخلين .
خيانة في الدين
وليس المراد بقوله فخانتاهما: في فاحشة بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء .
قال سفيان الثوري عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قرم: سمعت ابن عباس يقول في هذه الآية . . (فخانتاهما) قال ما زنتا، أما خيانة امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون . . وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل قومها على أضيافه . وقال العوفي عن ابن عباس قال: كانت خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما، فكانت امرأة نوح تطلع على سر نوح فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت بذلك الجبابرة من قوم نوح به .
وأما امرأة لوط فكانت إذا استضاف لوط أحداً أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء . قال الضحاك عن ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط إنما كانت خيانتهما في الدين، وهكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وغيرهم .
وقد سئل الشيخ صالح الفوزان عن هذه الآية وفيم كانت الخيانة، فأجاب قائلاً:
أولاً هذه الآية الكريمة مثل ضربه الله لمخالطة الكافر بالمسلم . . وأن الكافر لا ينفعه مخالطة المسلم، فما دام لم يدخل في الإسلام فإنه في يوم القيامة يكون في النار . . ولا تنفعه معاشرته المسلم ومخالطته المسلم وإن توثقت الصلة والعلاقة؛ لأنه ليس بمسلم .
أما الخيانة التي حصلت من امرأة نوح وامرأة لوط فهي خيانة الملة، لأن امرأة نوح وامرأة لوط كانتا كافرتين فخانتاهما في الدين، حيث لم تدخلا في دين زوجيهما، وذلك ليس خيانة عرض، لأن فرش الأنبياء معصومة من خيانة العرض، ولا يمكن أن يتزوج نبي بامرأة خائنة في عرضها، فالمراد هاهنا بالخيانة خيانة الدين . وقيل: إن خيانتهما أن امرأة نوح كانت تخبر الكفار بأسرار نوح عليه الصلاة والسلام وتصفه بأنه مجنون وخيانة امرأة لوط أنها كانت تدل قومها على أضياف لوط، ليفعلوا بهم الفاحشة فهما خائنتان للأمانة التي بينهما وبين زوجيهما من ناحية حفظ السر، وعدم الدلالة على ما عندهما من الأسرار ومن الأضياف .
الخيانة كما هو معلوم من أشد أنواع الغدر ونقض العهد . . فضلاً عن كون الخيانة من سمات النفاق كما قرر ذلك الحديث النبوي الشريف: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان .
ومعلوم أيضاً أن أشد الناس فضيحة يوم القيامة هم الخائنون، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: لكل غادر لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان .
والمتأمل في قصة امرأة نوح يجد أنها كانت مثالاً للمرأة الإمعة، فقد فضلت اتباع ما كان عليه قومها من عبادة الأصنام وتعظيمها على أن تستجيب لدعوة نوح عليه السلام الذي لم يؤمن به إلا فقراء الناس وضعفاؤهم .
كما كانت نموذجاً للأم السيئة لأنها بكفرها أثرت سلباً في موقف ابنها الذي كان خاضعاً لتربيتها المنحرفة، ومتأثراً بأجواء بيئته الكافرة التي كثرت فيها المعاصي، فكان نصيبه الموت غرقاً في الدنيا وعذاب في الآخرة .
كانت واغلة مثالاً للمرأة التي تهاونت بحقوق زوجها عليها عندما آثرت تقديم فروض الطاعة والاحترام والولاء لأكابر قومها ومجرميهم بدلاً من زوجها الذي استخفت به وبدعوته .
دلالات القصة
من القصة يمكن أن نستخلص العديد من العبر منها:
- أن الله سبحانه وتعالى قد يبتلي المؤمن بزوجة والعكس صحيح تحاول أن تضغط عليه لتبعده عن جادة الإيمان؛ لذلك فإن الثبات على الحق وقوة العزيمة من أقوى الأسلحة الناجعة لمواجهة مثل هذا الموقف .
- أن للمرأة دوراً مؤثراً في مسيرة زوجها الدعوية؛ لذلك فإن ضعف قناعتها بأمر دعوته محزن لقلبه، موهن له كثيراً، فواغلة على سبيل المثال بدلاً من أن تشجع وترغب قومها بدعوة زوجها نوح عليه السلام وتكافح وتنافح عنه وعن دعوته إذا دعت الضرورة، أضحت بتقليدها الأعمى أداة للتنفير والتشويه .
-أن التفاضل بين الناس لا يقوم على أساس النسب والمستوى الاجتماعي، بل يقوم على أساس الدين والعقيدة، وقصة نوح مع زوجه وابنه وقومه خير شاهد على ذلك .
- من المهم أن يختار الرجل الزوجة ذات الدين كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي يقول فيه: فاظفر بذات الدين تربت يداك، فالزوجة الصالحة هي صمام الأمان الذي يحول دون جنوح الأبناء وسقوطهم في مهاوي المعاصي .
- أن دور المرأة لا يقتصر على العناية بالمنزل والزوج والأولاد، بل لها دور دعوي مهم خارج بيتها، فهي عامل تأثير إما إيجابياً أو سلبياً في المحيطين بها .
- أن الصراع بين الحق والباطل قائم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، واللافت أن الأساليب التي استخدمت لإسكات أصوات الأنبياء سابقاً ما زالت هي نفسها التي تمارس بحق المسلمين اليوم من إطلاق التهم والدعاوى الباطلة منها الجنون فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر، والذي استبدل بتهمة (الإرهاب) أو اتباع أساليب التخويف والأذى الجسدي والنفسي قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين، والتي غالباً ما تصدر من أقرب الناس إليهم والذين هم من أبناء جلدتهم ولغتهم .
- أن أهم سبب دفع زوجة نوح وعوام قومها للابتعاد عن الحق هو تأثرهم بالطواغيت وأكابر القوم وحكامهم ومجرميهم، الذين سماهم الله تعالى في كتابه العزيز بالملأ، فهؤلاء لم يتورعوا عن استخدام الأساليب المغرية الماكرة، كما وصفهم القرآن الكريم . . قال تعالى ومكروا مكراً كُباراً للتأثير في الطغمة العريضة من الناس معتمدين على قوى ثلاث: السلطة والمال والقوة الإعلامية والدعائية .