منع الإسلام أتباعه من قتل الضعفاء وغير المقاتلين ومنع التخريب والتمثيل بجثث القتلى أو تعذيب الجرحى. وأمر بإكرام الأسرى وحسن معاملتهم ومجاملة رسل العدو وعدم التعرض لهم بأذى. كما أسقط الإسلام الجزية عن الفقير والصبي والمرأة والراهب المنقطع إلى العبادة والأعمى والمقعد وذوي العاهات. ولذا كانت حروب المسلمين توصف بأنها حروب فاضلة، فهى حروب مقيدة بشرع الله السماوي، ولا يمكن أن يبيح الشرع انتهاك الحرمات وإهدار الكرامة الإنسانية. ومن الشهادات التى تؤكد سماحة الإسلام، قول المفكر الغربى جوستاف لوبون: والحق أن الأمم لم تعرف فاتحين رحماء متسامحين مثل العرب. ويضاف إلى ذلك أن المسلمين كانوا يطبقون قوله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. وفى مشهد استشهاد عكرمة بن عمرو بن هشام (ابن أبي جهل) الكثير من المعانى والدلالات والقيم التى تعزز دور الإسلام وتظهر علاقاته التعاونية.
وصية رسول الله
عندما أسلم عكرمة بن عمرو بن هشام قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: مرني بخير وأتعلم فأعمله. قال: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وتجاهد في سبيله. فقال عكرمة: أما والله يا رسول الله لا أدع نفقة كنت أنفقتها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله ولا قاتلت قتالا في الصد عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله. وكان أول الأمر إذا مر بالمدينة قيل له: هذا ابن عدو الله أبي جهل فشكا للنبي فخطب في الناس قائلا: إن الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا لا تؤذوا مسلماً بكافر فاطمأن قلب عكرمة. وسخر حياته لخدمة الدين. ومضى عصر النبوة وظل على عهده يطبق وصية رسول الله في الجهاد في سبيل الله. وحسن إسلامه ورق قلبه حتى كان إذا تلي القرآن أخذ المصحف الشريف فوضعه على وجهه وبكى وهو يقول كتاب ربي كتاب ربي. وكان يبكي كلما قرأ قوله تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم.
شجاعة وإيثار
كان له في قتال المرتدين أثر عظيم، فقد استعمله أبو بكر رضي الله عنه على جيش كبير وسيره إلى أهل عمان وكانوا ارتدوا وظهر عليهم عكرمة، ثم وجهه أبو بكر أيضا إلى اليمن فلما فرغ من قتال أهل الردة سار إلى الشام مجاهدا أيام أبي بكر مع جيوش المسلمين، فلما عسكروا بالجرف على ميلين من المدينة استقبله أبو بكر وسلم عليه وعرض عليه المعونة فقال لاحاجة لي فيها فدعا له بخير وسار إلى الشام. وعندما اتسعت في عهده الفتوحات الإسلامية، اشترك عكرمة فيها، وظل يجاهد في سبيل الله، حتى جاءت موقعة اليرموك، وكان أميرا على بعض مجموعة من الجنود، فنادى في المسلمين: من يبايعني على الموت؟.
لم يكن هذا النداء صيحة عادية، بل كانت الشرارة التى انطلقت لتحصد جيوش الروم. حيث أسرع إليه ابنه عمرو وعمه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور، ومعهم فارس من المسلمين، انطلقوا نحو جيوش الروم يحصدون رقابهم، وأظهر عكرمة في هذه المعركة فدائية وشجاعة نادرة حتى جرح وجهه وصدره، وانتصر المسلمون انتصارا حاسما، لكن جرحه كان عميقا فأدى إلى استشهاده، فقد وجدوا فيه بضعة وسبعين جرحا ما بين طعنة ورمية وضربة. وقبل أن يستشهد ضرب أروع مثل في الإيثار. فقد كان بجواره الحارث بن هشام وسهيل بن عمرو، فدعا الحارث بن هشام بماء ليشربه، فجيء إليه بماء فنظر إليه عكرمة، فقال هشام: ادفعه إلى عكرمة، فلما أخذه نظر إليه سهيل، فقال عكرمة: ادفعه إلى سهيل، فلما وصل الماء إلى سهيل كان قد مات، ثم تبعه عكرمة والحارث، واستشهدوا جميعا وكل واحد منهم آثر الآخر بشربة الماء.
دلالات عظيمة
وفى قصة عكرمة رضي الله عنه دلالات عظيمة. من أبرزها أن أشد الناس عداوة إذا اهتدى إلى الله عز وجل يكون من أشد الناس نصرة للدين والمؤمن لا ييأس من أعداء الله، مهما تكن العداوة شديدة، ومهما يكن البعد واسعا، فهذا العدو اللدود، وهذا الخصم العنيد، وهذا المقاتل في سبيل الطاغوت إنسان لو اهتدى إلى الله سبحانه وتعالى لصار أقرب الناس إليك، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم بحكمته البالغة ورحمته الواسعة وعطفه الشديد وبعد نظره، صنع من ألد أعدائه نصيرا وصحابيا، استشهد في ساحات الجهاد.
تشير نتائج الفتوحات الإسلامية إلى حشد الطاقات المادية والمعنوية كافة للأمة، لا للجيش النظامي وحده، أو للقوات العسكرية النظامية وحدها، من أجل المجهود الحربي. وفى الدراسة التى نشرها موقع نسيج بعنوان الميزات العامة للفتوحات الإسلامية تأكيد على أن الإسلام هو الذي وضع أسس الحرب الإجماعية بنص القرآن الكريم والحديث الشريف، وقد طبق المسلمون هذه الحرب عمليا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي أيام الفتح الإسلامي العظيم. ولئن كانت الحرب الإجماعية في الدول الحديثة حربا عدوانية هدفها استعباد الشعوب واستغلال الطاقات والسيطرة على الموارد الاقتصادية والخامات، فإن الحرب الإجماعية في الإسلام حرب عادلة، هدفها هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور.