"وقال ربكم ادعوني أستجب لكم" (سورة غافر: الآية 60)، فالدعاء يصل الخلق بالخالق، ويعبر عن إيمان عميق بأن هناك إلهاً قديراً على كل شيء، بيده الأمر كله، يقدم المساعدة لمن يطلبها وفى أي وقت . . بابه مفتوح لا يغلق في وجه أحد مهما عظم أو صغر . . نلجأ إليه في كل وقت وخصوصاً في الشدة . . ولكن كيف يكون الدعاء؟ فالدعاء له آداب وشروط حتى يتحقق . . ولن نجد خيراً من الأدعية التي دعا بها الأنبياء، عليهم السلام ربهم، والتي وردت في القرآن الكريم، وفي صحيح سنّة المصطفى، صلى الله عليه وسلم . ولقد مر الأنبياء بمواقف صعبة لم ينقذهم منها إلا صدق دعائهم، حيث كانت لهم في هذه المواقف أنبل الكلمات وأجمل الألفاظ التي تجسد حسن التوسل ومناجاة الله وحده، ومن خلال هذه الحلقات نتعرف إلى المواقف التي تعرض لها الأنبياء الكرام وإلى الأدعية التي دعوا بها ونتعلم كيف يكون الدعاء .

"قَالَ رَب اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي"، (سورة طه: الآيات 25-28) .
بعد غيبة طويلة يعود موسى عليه السلام إلى مصر التي خرج منها هارباً خائفاً من أهلها أن يلحقوا به بعد أن قتل واحداً منهم، عائداً من مدين مصطحباً أهله، إلا أنه وفي وسط الطريق يأتيه الأمر من رب العالمين ليس فقط بأن يعود إلى مصر بل ويذهب إلى فرعون ويدعوه إلى الإيمان وأن يسمح لبني إسرائيل بالخروج معه من مصر، وكل هذا يحتاج إلى بيان وحجة في القول ولسان طليق، وهو صاحب لثغة، فكان لا بد من طلب العون من صاحب العون . .

تيسير الأسباب

يقول د . أحمس حسن صبحي في كتاب "المبعوثون إلى الأرض قصص الأنبياء": "أمر الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام بأن يعود إلى فرعون ويدعوه للإيمان وأراد موسى عليه السلام أن يكون أخوه هارون عوناً له على تبليغ رسالته لأنه أفصح منه لساناً، فقال: "واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي" فهو يستشعر عدم قدرته على التعبير من ثقل لسانه الذي تسبب في حرقه فرعون وهو ما زال طفلاً، عندما أمسك موسى بلحية فرعون وأخذ يشدها حتى اقتلع بعض الشعيرات فأوجس فرعون خيفة من الولد وقتها، وأراد أن يقتله ولكن زوجته حالت دون هذا وتقدمت له تهدئه وتقول إنه طفل صغير لا يميز بين التمرة والجمرة، فأمر فرعون حراسه بأن يأتوه بجمرة وتمرة كي يضعهما أمام الطفل ليتأكد من أنه لا يميز بينهما، وقد وضع الطفل موسى الجمرة في فمه فاحترق لسانه وصار من وقتها يلثغ" .
كان موسى عليه السلام خائفاً من لقاء فرعون وتوجه إلى الله داعياً: "رَب اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يفقهوا قولي" (سورة طه: الآيات 25-28)، وقد دعا موسى عليه السلام ربه بإعانته على الرسالة وإشراك أخيه هارون معه وسأله المعونة وتيسير الأسباب التي هي من تمام الدعوة وحمل موسى أمانة الرسالة بعد أن استجاب ربه لدعائه بتيسير الأمور له وفك عقدة لسانه ومنحه البيان في قوله ليفهم الناس ما يقول .

وعد ووعيد

ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي في كتابه "قصص الأنبياء"، "تذكر موسى عليه السلام أنه قتل من قوم فرعون نفساً وأنه خرج من بينهم طريداً وتآمروا على قتله فهرب منهم . فأراد أن يحتاط لدعوته خيفة أن يقتل فتنقطع رسالته فينادي ربه وهو في حضرته: "رب إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون" ويريد من الله أن يشد أزره بمن يساعده، للقيام بأداء ما يوكل إليه، فأراد عون أخيه على تبليغ رسالته لأنه أفصح منه واستجاب له ربه، فشد به عضده وأيده باقترانه معه في النبوة ووعده أن ينصرهما على عدوهما ويجعل لهما الحجة والبرهان على الأعداء، ووعده أنهما سيكونان هما وأتباعهما الغالبين" .
ذهب موسى وهارون إلى فرعون فأبلغاه ما أرسلا به من دعوته لعبادة الله وحده لا شريك له، وسمع فرعون قول موسى، فثارت ثائرته وسأله في استهزاء وسخرية: ومن ربك يا موسى؟ فأجابه موسى: هو ربي وربكم ورب آبائكم الأولين رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون .
وزاد فرعون غضباً فأنذر موسى مهدداً متوعداً: لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين، فلم يبال موسى بهذا وتابع دعوة فرعون إلى الإيمان فقال له: إني جئتك بالحجة على ما أقول وبالدليل القاطع، فهل تسلم لله رب العالمين؟

هزيمة الباطل

استنفدا معه كل الوسائل الممكنة في الحوار لكي يقنعاه بأن الله واحد وهو الذي يجب أن نعبده، لكن فرعون أبى واستكبر، وقال: إذاً فأت بما عندك إن كنت من الصادقين وأدرك موسى أن الحجج العقلية لم تفلح معه، كما أدرك أن هذا هو وقت إظهار المعجزة، فألقى موسى عليه السلام بعصاه التي يحملها أمام فرعون وملئه فإذا هي ثعبان مخيف، فدب داخل فرعون الرعب، لكنه لم يظهره وقال له: هل عندك شيء آخر؟ فأدخل موسى عليه السلام يده في جيبه ثم نزعها فإذا شعاع ينبعث منها وازداد حتى غطى المكان، وعندها خاف فرعون على ملكه، ولم يجد للخلاص من هذا المأزق إلا أن يعلن على الملأ بأن موسى وأخاه هارون ساحران، وطلب من جميع السحرة الحضور في موعد تم تحديده وهو يوم الزينة الذي يتجمع فيه جميع المصريين .
حضر فرعون والسحرة وأهل مصر كلهم، واصطف السحرة ووقف موسى وهارون تجاههم، وقال سحرة فرعون نلقي قبلك يا موسى، ورموا حبالهم: وعصيهم فجعلوها تتلوى كالثعابين بالحيلة فبهروا الناس، وخاف موسى من الموقف، فأوحى الله له أن يلقي عصاه، فألقاها فإذا بها ثعبان ضخم مخيف، ما لبث أن أخذ يلتهم ما ألقاه سحرة فرعون والناس تتعجب، أما السحرة فإنهم رأوا ما يحيرهم، فما حدث لا يدخل تحت حرفتهم وليس سحراً بل هو شيء لا يقدر عليه إلا الخالق سبحانه وتعالى الذي بعث هذا الرسول المؤيد بالبراهين، فكشف الله عن قلوبهم غشاوة الغفلة وأنارها بما خلق من الهدى، فنابوا إلى ربهم وخروا له ساجدين، ومن هنا بدأ موسى بالدعوة إلى الله .
وهكذا فإن الدعاء بالعون من الله مجاب ما دام العبد في طاعة الله، يسير إلى حيث أمر وينتهي عند نهيه .