"وقال ربكم ادعوني أستجب لكم" (سورة غافر: الآية 60)، فالدعاء يصل الخلق بالخالق، ويعبر عن إيمان عميق بأن هناك إلهاً قديراً على كل شيء، بيده الأمر كله، يقدم المساعدة لمن يطلبها وفى أي وقت . . بابه مفتوح لا يغلق في وجه أحد مهما عظم أو صغر . . نلجأ إليه في كل وقت وخصوصاً في الشدة . . ولكن كيف يكون الدعاء؟ فالدعاء له آداب وشروط حتى يتحقق . . ولن نجد خيراً من الأدعية التي دعا بها الأنبياء، عليهم السلام ربهم، والتي وردت في القرآن الكريم، وفي صحيح سنّة المصطفى، صلى الله عليه وسلم . ولقد مر الأنبياء بمواقف صعبة لم ينقذهم منها إلا صدق دعائهم، حيث كانت لهم في هذه المواقف أنبل الكلمات وأجمل الألفاظ التي تجسد حسن التوسل ومناجاة الله وحده، ومن خلال هذه الحلقات نتعرف إلى المواقف التي تعرض لها الأنبياء الكرام وإلى الأدعية التي دعوا بها ونتعلم كيف يكون الدعاء .

لوط: "رب انصرني على القوم المفسدين"

"رب انصرني على القوم المفسدين" (سورة العنكبوت: الآية 30) .
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد" . (صحيح البخاري) . وليس هناك أشد من ركن الله سبحانه وتعالى الذي يلجأ إليه كل مضطر انقطعت به السبل . أحيط به ولم يجد من يجيره ويأخذ بيده وينصره، وتكالبت عليه الحشود من كل صوب يريدون أن يفتكوا به، فدعا العلي القدير بأن يعينه على شدته ويفرج عنه كربته، وينصره . . فهو صاحب الركن الذي يركن إليه كل مؤمن موقن بقدرة الله سبحانه .
نزح لوط عليه السلام عن محلة عمه الخليل إبراهيم عليه السلام بأمره وإذنه فنزل بمدينة سدوم وكان أهل هذه المدينة من أفجر الناس وأكفرهم وأسوئهم طوية وأردئهم سريرة وسيرة، يقطعون السبيل، ويأتون في ناديهم المنكر ولا يتناهون عن منكر فعلوه، فقد قست قلوبهم وفسدت أخلاقهم حتى كانوا يجاهرون بالفحشاء ولا يستحون .

التمادي في الفجور

ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي في كتاب "قصص الأنبياء"، "كان قوم هذه المدينة يأتون الرجال شهوة من دون النساء"، وقال الله تعالى: "وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ" (سورة الأعراف الآيتان 80-81) .
فبعث الله إليهم سيدنا لوطاً فدعاهم إلى الله وذكرهم ونهاهم وخوفهم عذاب الله تعالى فلم يهابوا ولم يرتدعوا فلما ألح عليهم هددوه بالطرد والإخراج من بين أظهرهم "قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين" كما قرروا طرده وطرد من آمن معه لا لشيء إلا أنهم أناس يتطهرون .
"جاهد لوط قومه جهاداً عظيماً وأقام عليهم حجته ومرت الأيام والشهور والسنوات وهو ماض في دعوته بغير أن يؤمن له أحد . لم يؤمن به غير أهل بيته إلا زوجته فقد كانت كافرة" .
تحدى الكافرون لوطاً عليه السلام في أن يأتي بما حذرهم منه وتمادوا في ضلالهم وطغيانهم واستمروا على فجورهم وكفرانهم، وكانوا يجيبونه إجابة باغية متحدية، ويطلبون إخراجه ومن آمن معه من قريتهم لأنهم أناس يتطهرون، قال الله تعالى: "وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ"، (سورة الأعراف: الأيات 82،83)، يئس لوط منهم ودعا الله أن ينصره ويهلك المفسدين . وقال: "رب انصرني على القوم المفسدين" (سورة العنكبوت: الآية30) .

مدد إلهي

استجاب الله لدعوة نبيه الكريم وأجابه إلى طلبه وبعث إليه ملائكة في صورة رجال وقصدوا منزل سيدنا لوط عليه السلام فسألهم من أين جاؤوا وما هي وجهتهم؟، فصمتوا عن إجابته وسألوه أن يستضيفهم، وهنا استحى منهم وقال لهم: "لا يوجد على سطح الأرض أخبث من أهل هذا البلد" لكي يصرفهم عن المبيت في هذه القرية، وكان يحاول التوفيق بين صرف ضيوفه عن المبيت في القرية، وعدم الإخلال بكرم الضيافة، لكنهم أصرو على المبيت، فلما رأى لوط عليه السلام إصرارهم على المبيت اقترح عليهم أن ينتظروا حتى يأتي المغرب وتنزل العتمة على القرية كي لا يراهم أحد من أهلها، لكن لم تكد زوجته ترى الضيوف حتى تسللت خارج البيت وأسرعت إلى قومها وأخبرتهم الخبر .
ويذكر ابن كثير في كتاب "قصص الأنبياء"، أن الخبر انتشر في القرية وهرع قومه إليه، وتكالب القوم الظالمين على باب لوط يريدون بيته وأخذ الرجال، وخرج إليهم لوط متعلقاً بأمل أخير، وأن يبين لهم أن النساء أطهر من الرجال إلى الرجال، فكأن لوطاً عليه السلام يحاول أن يلمس نفوسهم من جانب التقوى والفطرة وأن يتقوا الله، ويحاول أن يحثهم على أنه ينبغي إكرام الضيف لا فضحه، لكن كان ذلك بلا فائدة .

عاليها سافلها

وهنا أحس لوط عليه السلام بضعفه بين القوم فهو نازح إليهم من بعيد من غير عشيرة تحميه ولا أولاد ذكور يدافعون عنه وازدادت ضربات القوم على باب لوط وصرخ لوط في لحظة يأس قائلاً: "لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد" . وناجى لوط في شدته وابتلائه وكربته ربه أن يبعث له قوة تساعده على مقاومة القوم الفاسقين قال تعالى: "رب نجني وأهلي مما يعملون" (سورة الشعراء: الآية 169)، وهنا قال الملائكة للوط إنهم مرسلون من عند الله تعالى .
ويقول أحمد بهجت في كتاب "أنبياء الله"، "أمر الملائكة بعدها لوط عليه السلام أن يصحب أهله أثناء الليل ويخرج، وأنهم سيسمعون أصواتاً تزلزل الجبال فلا يلتفت أحد إليها، كي لا يصيبه ما يصيب القوم، فهو عذاب يكفي لوقوعه للمرء مجرد النظر إليه، وأفهموه أن امرأته كافرة مثلهم وستلتفت خلفها فيصيبها ما أصابهم، وأنبأوه أن موعد العذاب هو الصبح" وقال الله تعالى: "قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ، مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ" (سورة هود: الآيات 81-83) .