يحرص الإسلام أشد الحرص على إشاعة روح المودة والمحبة بين المسلمين من جانب وبين المسلمين وغيرهم من أتباع الأديان السماوية الأخرى من جانب آخر، لذلك فهو يؤيد ويساند ويدعم كل وسيلة تحقق هذا التفاهم وتزيد من مساحة الوئام والتوافق وتشع روح المجاملة بين كل أفراد المجتمع من مسلمين وغير مسلمين.

القاهرة - الخليج:

من الوسائل التي تحقق هذا الهدف النبيل التهادي بين الناس، فالهدية لها فعل السحر في النفوس وترسي مبادئ الألفة والتواصل بين الناس، لذلك جاء في الحديث الصحيح الذي روته السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ويثيب عليها وفي هذا توجيه نبوي كريم بضرورة قبول الهدية الخالصة لوجه الله والبعيدة كل البعد عن شبهة الرشوة وذلك احتراما لمشاعر من يقدمها وحرصا على حسن العلاقة معها، والأمر لا يقتصر هنا على قبول الهدية بل جاء الحديث الصحيح يوضح لنا ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاه من كان يقدم له هدية من الهدايا، حيث كان يكافئه على هديته، والدافع إلى هذا السلوك النبيل واضح وهو أن تظل أسباب المودة موصولة بين الناس.

يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية في جامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية: الحكمة السامية التي ينشدها الإسلام من التهادي تظهر في إزالة الغل والضغينة والتأليف بين القلوب وغرس المحبة، ففيها تخلية من الرذائل المتمثلة في شح النفس، وفيها تطهير للنفوس من الأحقاد والبغضاء وتحلية لها بالفضائل.

ومن صور الذوق العام التي تعلمناها من رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في مجال التهادي أنه كما نقل لنا أنس رضي الله عنه كان لا يرد الطيب، وهذا يؤكد كيف يكون سلوك المسلم وكيف يكون حرصه على كل ما يحقق الألفة والمحبة، وإلى تبادل المشاعر الرقيقة، والعمل على الإلمام بما يجمل سلوك المسلم، وفي رسولنا الكريم الأسوة الحسنة، وذلك لأن رفض الهدية حتى ولو كانت مسحة من الطيب من شأنه أن يغير نفس من يبادر بتقديم هذه التحية، وهنا ينبغي أن يكون رد فعل المسلم هو الترحيب والقبول وتقديم الشكر حتى ولو كانت نفسه تعاف هذا الطيب، هذا هو الذوق الذي علمنا إياه ديننا.

لا تجريح

ومن الأدب الذي علمنا إياه ديننا في التعامل مع البسطاء والفقراء من الناس أنه حثنا على تقديم الصدقة على شكل هدية احتراما لمشاعر من نتصدق عليهم، فواجب المسلم أن يحافظ على مشاعر الناس حتى ولو كانوا فقراء يحتاجون الصدقة، ولذلك يدين الإسلام سلوك هؤلاء الذين يؤذون الفقراء بكلمات أو سلوكيات أو ردود أفعال على إلحاحهم وتطفلهم ومطاردتهم، فإما أن يعطيهم المسلم ما يطلبونه من صدقة أو مساعدة من دون تجريح أو إهانة، أو ينصرف عنهم دون أن يؤذي مشاعرهم.

ومن صور الذوق وحسن الخلق التي حثنا عليها ديننا في مجال الهدايا والعطايا والهبات أنه كما حث الجميع على تقديم هذه الهدايا لتأليف القلوب وزيادة مساحة المودة والمحبة كما جاء في الحديث الصحيح تهادوا تحابوا، أنه حثنا على قبول الهدية لأن رفضها يعني إيذاء مشاعر من يقدمها ولذلك جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو دعيت إلى ذراع إحدى رجلي الحيوان الأماميتين أو إلى كراع وهو ما دون الركبة من الساق لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت.

وهنا يعلمنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم سلوكا حضاريا وهو إجابة دعوة من يقدم يدعونا إلى شيء على سبيل الهبة أو الهدية جبرا للقلوب وغرسا لأسباب المودة والألفة بين الناس، كما يعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال هذا السلوك المهذب والمتحضر على قبول الهدية المعهودة بينه وبين أصحابه التي يتقدم بها المسلمون بعضهم لبعض في صيغة مودة وتآلف لا غير، لا الهدايا الأخرى التي يصطنع القيام بها بعض أصحاب الأغراض وصولا لمآربهم الشخصية فتلك محرمة، أما هذه الصور وما أشبهها من الهدايا والهبات فلها أثرها في اقتلاع جذور الشر وتنقية النفوس من المشاعر السيئة، وغرس أسباب المودة والحب، وقد أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم قبولها مهما قلت، فإذا كان يجيب الدعوة ولو لشيء يسير مع ما فيها من تعب فإن قبول الهدية ممن أتى بها من باب أولى.

التوقيت مهم

وتزداد قيمة الهدية وقت الحاجة ويكون لها أثرها الكبير في تأليف القلوب وتفريج الكربات ومضاعفة مساحة المودة والمحبة بين المتهادين، فكلما كان الإنسان في حاجة إلى الهدية كان لها وقع في نفسه، وقد حكت لنا السيدة عائشة رضي الله عنها كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل الهدية وقت الحاجة فقالت لعروة: يا بن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، فقلت يا خالة: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء، إلا أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار كانت لهم منائح وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانها فيسقينا.

في هذا الحديث تحكي لنا أم المؤمنين رضي الله عنها ما كانت عليه أحوال بيوت النبي صلى الله عليه وسلم من رضا وقناعة حين كان العيش قليلا لا يوجد لدى أمهات المؤمنين من الأطعمة ما يطهى بالنار مدة طويلة في أول الأمر، فكانت القناعة شعار الإيمان والرضا، وكان الزهد بمعناه الحقيقي، وليس في قولها لعروة شيء من الشكاية أو التضرر بمثل هذه الأحوال، وإنما تتذكر فضل الله تعالى الذي أسبغه، ونعمه التي أنعمها على البيوت الشريفة بعد القلة والضيق.

تغليف الرشوة

لكن الدكتور عبد المعطي بيومي الأستاذ في جامعة الأزهر يرى ضرورة التفرقة بين الهدايا الخالصة لوجه الله التي يقدمها الإنسان طمعا في المودة والرحمة وحسن العلاقة مع خلق الله، وبين الرشوة المغلفة برداء الهدية، ويقول: معظم ما يقدم للناس الآن من عطايا تدخل في باب الرشوة المحرمة لأنها تستهدف تقديم منفعة، وليست هدايا خالصة، وهنا يجب أن نقف جميعا في وجه الطامعين الراشين الذين يستهدفون تحقيق مصالحهم وتحقيق أهدافهم بكل الوسائل، فالرشوة التي تأخذ شكل الهدية آفة خطيرة ورذيلة من الرذائل التي انتشرت في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وكم ضاعت حقوق وأهدرت أموال عامة وتأخرت مصالح ناس أو توقفت نتيجة انتشار هذا الوباء.

من هنا يطالب الدكتور عبد المعطي بيومي علماء الإسلام وخطباء المساجد ورجال الإعلام بشن حملات لا تتوقف لمواجهة وباء الرشوة الذي استشرى في كل بلادنا العربية والإسلامية بلا استثناء.