منذ شبابه وخميس يهوى السهر والخمر، النساء والميسر، تعب والداه من محاولات كثيرة لإصلاحه، فقد باءت جميعها بالفشل، كلم أعمامه وأخواله، وشيخ المسجد القريب من منزلهم لكن وكما يقال فالج لا تعالج، زوجه والده في سن صغيرة متمنياً أن تنسيه زوجته ولاحقا أولاده تلك العادات السيئة إلا أ8نه زاد من السهر والسكر، أنجبت له زوجته الأولى أربع فتيات، والثانية ثلاثا، الثالثة أيضاً ثلاثا والرابعة توأمتين أي فتاتين، أصبح أصدقاؤه ينادونه بأبي البنات، كان في كل مرة ينتظر ولادة الصبي الذي لم يأت، فأخذ يلعن ويشتم، فطلقهن وتركهن في المنزل ليذهب ويبتاع شقة كبيرة عاش بها مع رفاق السوء، حيث يسهرون طوال الليل وهم يعاقرون الخمر والسجائر، الشيشة والقمار، لا يسأل عن بناته ولا يراهن، يرسل لكل من طليقاته مبلغا من المال مع السائق من دون أن يسأل عن أحوال البنات، كان رفاقه يشجعونه على الزواج من امرأة خامسة لعلها تنجب له الولد فقال، وإن كانت مثل اللواتي قبلها وأنجبت فتاة ماذا أفعل عندها؟ يصبح عندي ثلاث عشرة، قالوا والله يجب أن تحاول ولا بد أن يستجيب الله، قال كلاماً غير واثق به: لقد كنت أصلي سابقا وأصوم، أزكي وأساعد، وماذا أعطاني في المقابل، أنا الآن لا أؤمن بشيء، فقال له أحدهم استغفر الله يا خميس لا يجوز هذا الكلام، أعوذ بالله، قال انظروا من يتكلم، فأنت الذي فعلته في حياتك لم يفعله أحد، من خمر ونساء، من ضرب لزوجتك وأولادك، ثم ألست من وضع والدته في دار للعجزة ولم تسأل بها؟ صمت رفيقه وقال نعم أنا ولد عاق، لكنني لا أكفر على الأقل، كما أنني أحاول أن أبدل حياتي، وبإذن الله سوف أفلح، ضحك منه وقال هذا الميدان يا حميدان، فلنر، أساساً لم يكن خميس محبوباً منهم لكنه كان كريماً جداً معهم، فهو من يوفر كل احتياجاتهم لا يقبل أن يشتري أحد منهم شيئاً مهماً كان حتى ولو كيساً من المكسرات، فوالده من أصحاب الملايين، وهو يصرف من فائدة تلك الأموال التي لا تعد ولا تحصى، لديه شركات كثيرة، لا يتذكر عددها، المهم أنهم وجدوا له الفتاة التي كانوا متأكدين من أنه إن رآها سوف يتزوجها وبعد إلحاح مستمر منهم على أن يذهب فقط ويرى سامية، تلك الفتاة الجميلة الصغيرة في السن والتي كما توقعوا أخذت عقله بجمالها وشبابها، بعد أن ذهب ورآها من بعيد، كانت تنحدر من عائلة عربية فقيرة، فوالدها يعمل حاجبا في مدرسة، زار أهلها في منزلهم الصغير وطلبها من والدها الذي لم يوافق فحسب بل كاد يقبل يديه من فرحه، دفع له مقدم لم يكن يحلم به، وقال له لا أريد منكم شيئاً، لكن لن يكون هناك زفاف، فقط أنا، أنتم والشهود، وهكذا صار، ذهبت تلك المسكينة معه وهي تبكي كانت صغيرة جداً في سن ابنته، كانت تحلم بفستان أبيض وشاب وسيم تحبه ويحبها، قال لها والدها إياكي أن تبكي احمدي ربك عليه فسوف تعيشين معه عيشة الملوك سوف تملأين جوفك باللحم والدجاج وليس الأرز الناشف، سوف ترتدين ملابس جديدة على الأقل وليست مهترئة كالتي كانت جارتنا تمن بها عليك بعد أن تمل منها، ستسكنين في منزل كبير، وخادمة ترعاك، وسيارة تأخذك أينما أردت وهاتف نقال ماذا تريدين أكثر من هذا؟ إياك أن أسمعك تشكين، أفهمت؟ صمتت وجرها من يدها بعد كتب الكتاب، كالشاة التي يأخذونها إلى الذبح، أخذت تبكي وهي تودع والديها وأشقاءها، نظرت إلى والدتها علها تنقذها لكنها لم تر بعينيها سوى الحزن عليها أما خميس فكان سعيداً جداً بها، أخذها وسافر بها في رحلة شهر العسل، كان لا يطيق أن يبتعد عنها ولو لدقيقة واحدة، كان من الرجال الذين يحبون المرأة التي ترفضهم، كان امتعاضها منه يقربه أكثر منها، فهو قد اعتاد على زوجاته السابقات اللواتي كن يستمتن في سبيل إرضائه، كن كالجواري معه، يجلسن عند أقدامه، أما هذه فكانت مختلفة عنهن بكل شيء لم تسأله يوما أين يذهب أو متى يعود، إن جلس معها لا تتكلم فقط تفعل ما يطلبه منها، لا تفوت صلاة، كانت تبدو كالملاك في ثياب الصلاة البيضاء، كان كلما عاد إلى المنزل يراها جالسة على الأرض والقرآن الكريم أمامها، تتلو آيات من الذكر الحكيم، كان يخجل منها ويشعر بأنه صغير أمامها . . يشعر بأنه وسخ وهي النظافة كلها، الحزن في نظراتها كان يقتله حاول المستحيل ليرى السعادة في عينيها الجميلتين لكنه كان كمن يسير مكانه، سألها مرة ماذا أفعل لأراك سعيدة؟ قولي لي وأنا مستعد أن أفعل أي شيء من أجلك، قالت أنا أخاف على مستقبلي معك، قال كيف ذلك؟ وأنت مضمونة ماديا لولد ولدك؟ قالت أنا لا أتكلم عن المال فهو لا يهمني، فقد ولدت في الفقر وتعودت عليه، أنا أخاف على نفسي منك، فأنت لا تسأل عن بناتك ولا تراهن إلا في المناسبات، هن اللواتي من دمك ولحمك، فكيف بي أنا التي لست سوى زوجتك؟ إن كان قلبك لا يحن على فلذات كبدك فكيف بالغريبة عنك، قال أنت زوجتي نحن أصبحنا شخصاً واحداً، إنه مجرد كلام، أجابته: وأنا لن أرتاح إلا عندما أرى أن علاقتك ببناتك قد تبدلت، لكنني لا أريدك أن تفعل هذا لترضيني، بل لترضي نفسك وترضيهن، والأهم كي ترضي الله سبحانه تعالى، فأنت لا تؤمن وهذا أكثر ما يخيفني، قال الله تخلى عني، سألته كيف؟ إن الله لا يتخلى عنا، نحن من نتخلى عنه أمام شهواتنا وملذاتنا، وإن لم يعطنا ما نريد نتركه ونبتعد عنه قال كنت أصلي وأفعل كل شيء لإرضائه لكنه لم يستجب لي، أجابت وكأنك تقول له أنا أصلي وأصوم وأفعل كل ما تطلبه مني، لكن في المقابل يجب أن تعطيني ما أريد، إنك تضع شروطا على الله؟ استغفر الله العظيم، على كل حال أنا أقول هذا من أجلك وأنصحك أن تعيد تفكيرك، وترجع إليه نادما تائبا ويجب أن ينبع هذا الشيء من أعماقك من قلبك، ثم تذهب وتوطد علاقتك ببناتك، عندها فقط أطمئن إلى مستقبلي، نظر إليها مليا وقال، أنت تتكلمين وكأنك امرأة في الأربعين، قالت أنا أقول لك ما يمليه علي ضميري، وأنت يا خميس في أعماقك رجل محب وحنون لا بأس إن أظهرت هذا فهو ليس ضعفا، قال لها معك حق يا سامية، أنا أهملت بناتي كثيرا مع إنهن يحببني جدا، لكنني أعدك بأنني سأعوضهن عن هذا التقصير صدقيني، وبالفعل، لم يتأخر في وعده لها، خاصة بعد أن شعر بأنه فعلاً في حاجة إليهن، ذهب إليهن وتأسف عن تقصيره معهن، بدأ يصطحبهن كل نهاية أسبوع إلى المطاعم والمراكز، كان يفاجئهن بالهدايا، أصبح يفتخر بهن خاصة عندما كان ينظر إليهن فيراهن قد أصبحن شابات جميلات مثقفات، يحترمنه ويُحْبِبْنه بالرغم من بعده عنهن، أحب أن يعرفهن بزوجته الجديدة، فأتى بهن بعد فترة إلى المنزل حيث فوجئن بها، فهي قريبة من أعمارهن، جلسن معها وأحببنها جدا، أصبحن يزرنها دائماً، وما هي إلا أشهر حتى حملت سامية وعندما حان موعد معرفة جنس الجنين من خلال الصورة الصوتية حتى قال له الطبيب تهانينا يا سيد خميس سترزق بولد جميل، شعر خميس بأن قلبه سيتوقف، لم يصدق ما سمع، فقال له الطبيب اقترب لتراه، اقترب ونظر إلى الشاشة، في البداية لم يفهم شيئاً، لأن الصدمة كانت لا تزال تسيطر عليه، قال هل أنت متأكد؟ قال انظر إلى هذا المكان أرأيت إنه ولد، انسابت دموعه على خده وقام يقبل الطبيب ويشكره على بشارته، اتصل بابنته البكر التي يحبها وأخبرها ففرحت جدا وقالت سأخبر شقيقاتي الحمد لله يا والدي سوف يصبح لدينا أخ، ثم ذهب وأتى بعائلتها وأفرد لهم قسْماً من المنزل حتى ترتاح نفسيا عندما تكون والدتها معها وتهتم بها، كان لا يعرف ماذا يفعل من فرحته، أصبح كالطفل الذي تلقى هدية للمرة الأولى في حياته، لم يعد يتركها ويذهب إلى أي مكان، كان فقط يمر صباحا بشركاته ليطمئن إلى سير العمل ثم يعود ويبقى في المنزل إلى اليوم التالي، تبدل كليا، لم يعد نفس الإنسان الذي كان عليه منذ أشهر لم تتعد الستة، بدا يشعر وللمرة الأولى أن لديه مسؤوليات جمة، ندم على إهمال بناته اللواتي لا ذنب لهن كل تلك الفترة، ندم على الظلم الذي ألحقه بزوجاته، ندم على انجراره في درب الخطيئة والضياع والفساد، كفر وابتعد عن دينه، كان يشعر بالقهر والأسى، بالخجل من تصرفاته الماضية، ذهب إلى أقرب مسجد ودخل إليه وهو يرتجف، ركع على ركبتيه ورفع يديه وقال من كل قلبه، ودموعه تملأ وجهه، سامحني يا الله وأغفر لي، أنا أعلم أني لا أستحق أن أدخل إلى هذا المكان الطاهر وانا دنس خاطئ، لكنني أعلم بأن رحمتك واسعة وتشمل الجميع، حتى الحقير مثلي، أنا أعلن توبتي من كل قلبي وكياني، أنت غفور رحيم، ساعدني كي لا أخطئ من جديد، أنا أعدك بأنني سأصبح إنسانا آخر، لا افعل إلا الذي أمرت به، ثم جلس في ركن وأخذ يشهق بالبكاء . خرج خميس من هناك بعد أن جلس لساعات وعاد إلى منزله وهو يشعر بأنه نظيف طاهر، شعر بالاطمئنان والأمان، دخل إلى المنزل ورأى زوجته كالعادة تمسك القرآن الكريم، فنظرت إليه للمرة الأولى تلك النظرة السعيدة قامت تستقبله وترحب به، تعجب وقال لها، خيراً إن شاء الله إنها المرة الأولى التي تستقبليني بها هكذا، قالت الآن فقط اطمأننت إلى أنني بين أيد أمينة، وبأنك ستصونني وتهتم بولدنا، وكيف تأكدت من ذلك، قالت إنها المرة الأولى التي تلقي فيها السلام علي عندما تدخل إلى المنزل فأنت عادة تقول مرحبا ثم إن عيونك لا تزال منتفخة وهذا يعني أنك بكيت، كما أن أكمام كندورتك لا تزال مرفوعة وهذا يعني أنك توضأت، الخلاصة هي أنك كنت في المسجد تصلي، تبكي، وتعلن توبتك لله سبحانه تعالى أليس كذلك ضحك من قلبه وقال لها هل أنا مغشوش من قبلكم؟ فأنتم بالطبع قد زورتم تاريخ ميلادك، أنت لست في السابعة عشرة أنت في السبعين من عمرك، ضحكا معاً وجلسا للمرة الأولى يتسامران ويتكلمان يخبرها عن مدى تعلقه بها وحبه لها، أخبرها عن ارتياحه بما فعل، قال إنه يشعر بأن حملاً ثقيلاً قد انزاح عن كاهليه، أصبح يشعر بأنه نظيف من الداخل، شعر بأنه ولد من جديد، شكر الله ثم شكرها لأنها ساعدته وشجعته للعودة إلى الصراط المستقيم، قالت كنت حزينة بأنك لن تهمس في أذن ولدك بسم الله عندما يولد، مضت الأشهر بسرعة وحان وقت ولادة سامية، كان خميس متوتراً جداً وخائفاً، لم يعرف السبب، اصطحبها إلى المستشفى على وجه السرعة عندما بدأ المخاض كان والديها وأشقاؤها معها ثم اتصل ببناته اللواتي وصلن قبلهم، جلسن معه وهن يدعون الله أن تكون ولادتها سهلة، خرج الطبيب من غرفة الولادة ووجهه متجهم، وقف خميس وقال له خيراً إن شاء الله يا دكتور قال له وضع الجنين وزوجتك ليس على ما يرام، فقد نزفت بشدة ولديها تمزق في الأوعية الدموية، قال وهو لم يفهم شيئاً قل لي ما العمل، أجابه للأسف يجب أن ننقذ واحد من الاثنين وبالطبع سنضحي بالجنين من أجل زوجتك، أجابه بسرعة بالطبع المهم هي، لا بأس الولد سننجب غيره بإذن الله لكن هي لا، أرجوك أيها الطبيب ساعدها، جلس خميس على الكرسي ووضع رأسه بين يديه وهو يفكر كم تمنى هذا الولد، لكنه أمر الله فهو مكتوب له ألا يحمل ولدا بين يديه، فقال الحمد لله على كل شيء المهم عندي سامية، فالفضل يعود إليها في كل شيء، لقد أصبحت إنساناً آخر بفضلها، ولم تمر عشر دقائق حتى أرسل الطبيب بطلبه وبسرعة ألبسوه الثوب المعقم وأدخلوه إلى غرفة العمليات حيث كانت سامية تحضن رضيعها وتقبله، أمسكت بيده وقالت أرأيت، لقد رضي الله عنك ووهبك الولد الذي تمنيته، حافظ عليه وربيه تربية صالحة على محبة الله، اجعله من الأولاد الصالحين، إنها وصيتي لك، وأغمضت عينيها، صرخ خميس سامية، اصحي لا تتركيني أنا لا أستطيع العيش من دونك، لكنها لم تسمعه لأنها كانت قد أسلمت الروح، اقترب الطبيب منه قائلاً، الله يرحمها ويحسن إليها وليلهمك الصبر والسلوان ثم وضع الطفل بين يديه، ربت على كتفه وخرج، نظر خميس والدموع تملأ عينيه إلى طفله، ثم قال لقد دفعت الثمن غالياً لأراك يا حبيبي، لكن سامحني ففرحتي بك لم تكتمل لقد فقدنا أنا وأنت أعز وأغلى إنسانة لكنني سأخبرك الكثير عنها في ما بعد .
من الواقع
دفعت الثمن غالياً
14 مايو 2012 16:07 مساء
|
آخر تحديث:
14 مايو 16:07 2012
شارك