إعداد: زكية كردي
في مكان بارز من كل حي توجد بوابة صغيرة مفتوحة على حكايات الماضي كأنها ذاكرة مختبئة على رفوف خشبية قديمة تحوي كل رفاهية العالم ذاك الحين، حيث كانت "الفانتا" مشروباً غريباً ونادراً ينتظره الأطفال بلهفة، وكراسي الخيزران القديمة توزع أمام باب الدكان ليجلس عليها رجال الحي وكبار السيد ويتبادلون الأحاديث والنكات أو يفتحون طاولة النرد فتعلو أصواتهم الساخرة والممازحة قرب الأولاد الذين اعتادوا أن هذه هي منطقة أمانهم أمام أعين الآباء والأجداد المجتمعين هناك، لم يكن مجرد دكان . . . كان نادياً للترفيه وحاضناً للكثير من العادات الجميلة التي تحن إليها الذاكرة .
في بداية السبعينات من القرن الماضي كان هناك دكان صغير في فريج الغب في أم القيوين القديمة، لشاب هندي يدعى شوكت، لا تزال ابتسامته الطيبة مزروعة في ذاكرة عبيد سعيد "موظف متقاعد" مشيراً إلى جمال تلك الفترة بكل تفاصيلها، ويقول: "كان دكان شوكت قريباً من البحر حينها، حيث كان الأهالي يجتمعون، وكانت أم القيوين صغيرة آنذاك، ولهذا كنا جميعاً نعرف بعضنا بعضاً، ومن الأشياء الجميلة التي أذكرها عن شوكت أنه اعتنق الإسلام بعد مجيئه إلى الحي بسنوات، حيث كان يشعر بشيء من الانتماء لهذه المنطقة وأهلها وأحب الدين من خلالهم، ويشير سعيد إلى أن الدكان كان يتبع للمنازل، أو يبنى في حدائقها، فلم يكن هناك مكان مخصص للمحلات، وكان الرجال يجتمعون عادة قرب الدكان للعب الطاولة، أما عن العاملين فيه، أو أصحابه فكانوا غالباً من الإيرانيين أو الهنود الذين كانوا محبوبين لدماثتهم ولطفهم مع أهالي الفريج .
ليتأكد صاحب الدكان من أن الأب أو الأم هما اللذان أرسلا الولد إلى الدكان حيث كانا يرسلان معه خاتماً أو شيئاً رمزياً كإشارة على أن الابن لم يذهب ليشتري الأغراض من تلقاء نفسه فيسجلها على حساب الأهل، هذا ما يبدأ به علي مفتاح الزعابي "موظف حكومي" حديث ذكرياته به، وعن طفولته في كلباء، وعن دكان الفريج الذي يصف صاحبه بأنه كان يعتبر من أعيان الحي في ذاك الحين، فهو من العائلات ذات الدخل الجيد، ويشير إلى أن صاحب الدكان كان يوصي التجار على بضاعته من الهند والسند ليلبي احتياجات أهل الحي، وتقفز إلى الذاكرة تلك الأشياء البسيطة التي كان يشتريها أكثر من غيرها مثل كيسة الحظ والنصيب والفيمتو المثلج والشربت والشلك وهي المفرقعات النارية، وتلك الأشياء الصغيرة التي كان يعطيها صاحب الدكان لهم مجاناً كالعلكة أو قطع الحلويات الصغيرة .
في القدم كان الدكان يحوي مختلف أنواع البضائع البسيطة والتي كان يبيعها سلطان "رحمه الله" لأهل الحي بالدين مخصصاً حساباً خاصاً لكل عائلة في دفتر ديونه، ويصف صالح الشريف "موظف شرطة متقاعد" الدكاكين قديماً في منطقة حتا والحويلات، قائلاً: "كان الدكان يبنى من الطين، أما السقف فكانوا يبنونه من جذوع النخيل أو من الحطب ليضعوا سعف النخيل فوقه، ويعتبر صورة كبار السن الذين كانوا يتحلقون قديماً أمام الدكان لتبادل القصص من أجمل الصور التي تخترنها ذاكرته عن تلك الفترة، حيث كانت دلة القهوة العربية مع صحن التمر من الإشارات الأساسية التي تدل على كرم ضيافة صاحب الدكان، ومن الأشياء التي لا ينساها "الشريف" انتظاره للفانتا عندما كان صغيراً، حيث كان مشروباً جديداً وغريباً ونادراً ما يجده في الدكان" .
يحن راشد غانم "موظف حكومي" إلى صفاء القلوب والبساطة واجتماعاته مع الأصحاب في ذاك الحي الصغير، حيث قضى طفولته في حي المعيريض برأس الخيمة، التي تدور صورها في الذاكرة قرب دكان محمد علي حيث كان يواعد الأصدقاء قربه، ليجلسوا هناك لأوقات طوال وعن أهمية الدكان في الحي يقول: لم تكن الدكاكين والمحال التجارية منتشرة في الماضي، ولهذا كان الدكان أشبه بمركز الحي، وعادة ما كان يفتح في مكان مميز، وصاحبه يعد حارساً على الفريج فهو الذي يعرف أخبار الجميع والتغيرات التي يعيشونها، كما أن الغرباء عن الحي عادة ما كانوا يتجهون إلى الدكان مباشرة ليستفسروا من صاحبه عن المعلومات التي يحتاجونها، أو عن أي أحد من أهل الحي .
ولم تكن العائلات في الماضي تحبذ إرسال الفتيات إلى الدكان، فعادة كانوا يفضلون إرسال الصبي حسب صالحة مسلم "سيدة منتجة في مركز التنمية الأسرية في دبا الحصن" وتتذكر أنها عندما كانت تقصد الدكان لشراء الأغراض كانت تقف عادة عند الباب لأنها تستحي من الدخول عكس ما يفعل الأولاد، فتأخذ أغراضها على عجل لتعود إلى المنزل ولهذا لا تعرف التفاصيل التي يحويها في الداخل، وتقول: "لأنني كنت الصغرى ولم يكن لدينا أولاد كنت أذهب لقضاء حاجيات البيت، ففي العادة لا تقصد الفتيات الدكان كثيراً مثل الأولاد، وتضيف أن حي منطقة الدور الذي كانت تقيم فيه كان يضم متجرين يديرهما عمال هنود لم تتذكر أسماءهم" .
ومازالت طريقة الإيراني صفر "الذي كان يملك بقالة في منطقة الجميرا قديماً" في تثليج علب "اللبن آب" عندما كانت العلبة لا تزال مثلثة الشكل لتباع بسرعة حاضرة في ذاكرة جمال عبدالله "موظف حكومي" حيث كان الأطفال يفضلون اللبن مثلجاً فيقبلون على شرائه خاصة في فصل الصيف، فقد كان هناك نوع من المنافسة التي تدفع أصحاب الدكاكين للابتكار وكانا اثنين أحدهما في أول الحي وثانيهما في آخره، وعن الأشياء التي كان الأطفال يفضلونها في تلك الفترة، يقول: "كنا نحب الكيك الهندي الذي يسمونه اليوم (كب كيك)، وكيس بوفك الذي كنا نضيف له الشطة الحمراء ثم نأكله، إضافة إلى المثلجات الملونة والمصنوعة من العصير والكولا، وكانت هذه المنتجات تنتعش في فصل الصيف حيث عطلة المدارس، لأن الأطفال ينفقون مصروفهم في المدرسة في فصل الشتاء فلا يتبقى الكثير للدكان كما في فترة الصيف" . يعتبر دكان الفريج مكاناً للترفيه حيث يلتقي به أبناء الحي ويرتبون المواعيد لبعضهم في هذا المكان، حسب فاطمة المغني "باحثة في التراث الإماراتي" وعن دور دكان الفريج في حياة الناس قديماً تقول: "كان هذا الدكان المتنفس الوحيد في المنطقة، فهو أشبه بملتقى مبسط لأبناء الحي وسكانه، حيث نرى على الدوام كرسيين أو ثلاثة موضوعة أمام الدكان حيث يجلس الكبار للتسلية، إضافة إلى أن الأولاد كانوا يجدون هناك متنفساً لهم حيث يقصدونه لانتهاز فرصة للعب أمامه ويرتبون المواعيد لبعضهم لتبادل الواجبات المدرسية هناك أيضاً، وهذا يعود كونه معروفاً لدى الجميع، ولم يكن هناك دكان في كل حي، فقد نجد أن المنطقة كلها تحوي دكاناً واحداً، عبارة عن محل صغير ملحق بأحد المنازل تباع فيه كل الحاجيات على اختلاف أنواعها، كالأدوات المدرسية والسلع الاستهلاكية والغذائية و الكاز الذي كانوا يستخدمونه للإضاءة فيما قبل الكهرباء، وحتى الخدمات الأخرى كإيصال البضائع إلى أماكن بعيدة ومدن أخرى كان الناس يعتمدون فيها أحياناً على صاحب الدكان، وتصف صاحب الدكان بأنه ذو مكانة مرموقة في الفريج له احترامه وتقديره، وكثيراً ما كان يسهم في فعل الخير كأن يوزع علب العصير والمشروبات على الأطفال قبل أن تنتهي صلاحيتها، أو يقوم بتقديم المساعدة للأسر الفقيرة، كما كان يبيع للجميع بالدين كون الدخل المادي للأسر لم يكن ثابتاً عموماً في تلك الفترة والبيع نقداً لم يكن معروفاً كثيراً، لهذا كان لا يمانع بانتظار الموسم لمن يعمل في الزراعة، أو عودة الرجال من تجارتهم إن كانوا من التجار .