حددت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثاني من نيسان/إبريل من كل عام بوصفه اليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد بهدف تسليط الضوء على الحاجة إلى تحسين حياة الأطفال والبالغين الذين يعانون هذا المرض، بما يكفل لهم التنعم بحياة كريمة على أكمل وجه .
نظراً لأهمية هذا المرض فإن الاحتفال بهذه المناسبة لا يقتصر على ذلك اليوم بالتحديد وانما يمتد الاحتفال ليشمل الشهر كله حيث تنظم ندوات ومناقشات وتعلن نتائج دراسات تستهدف في مجملها التوعية بهذا المرض الذي لا يعرف له سبب ولا علاج واضح على وجه التحديد .
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الهدف من الاحتفال باليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد لا يقتصر على إيجاد فهم لهذا المرض، وإنما يشكل الاحتفال دعوة إلى العمل . وحث جميع الأطراف المعنية على المشاركة في تعزيز التقدم عن طريق دعم برامج التعليم، وفرص العمالة، وغير ذلك من تدابير تساعد على تحقيق الرؤية المشتركة لعالم أكثر انفتاحاً على الجميع .
كما تؤكد المنظمة أن مرض التوحد يعيق النمو مدى الحياة وتظهر علاماته خلال الأعوام الثلاثة الأولى من عمر الطفل، وتترتب على انتشاره وارتفاع معدلات الإصابة به تحديات إنمائية على المدى الطويل، كما أن له أثراً هائلاً في الأطفال وأسرهم وفي مجتمعاتهم المحلية ومجتمعاتهم الوطنية .
وعلى الصعيد المحلي، كشفت نتائج الدمج التي قام بها مركز الطفل للتدخل الطبي المبكر في دبي عن عام 2013 أنه تم دمج 46 طالباً من طلاب المركز في المدارس بنسبة 50% (92 طالباً)، و10 طلاب في دور الحضانة بنسبة 11%، كما يوجد 7% من المصابين بالتوحد في المراكز المتخصصة، أما الباقي فإن أعمارهم هي أصغر أو أكبر من العمر المطلوب .
ويقول المركز إنه أنشأ شراكات مع نحو 26 مدرسة ودار حضانة يقدم من خلالها الدعم للطلاب (المصابين بالتوحد) والتدريب للمعلمين .
أما تقرير هيئة المعرفة والتنمية البشرية لعام 2013-2014 فيشير إلى أن عدد الطلاب في المدارس الخاصة وصل إلى 243 ألف طالب منهم 30 ألف طالب إماراتي في مدارس القطاع الخاص، إلا أنه لا توجد أعداد كبيرة من أطفال التوحد على مقاعد الدراسة، وفي غياب أي إحصاءات عن عدد الطلاب الذين تم دمجهم في المدارس الخاصة لا تزال مسألة الدمج لطلاب التوحد هاجساً يقلق الأباء .
مزايا الدمج
تظهر نتائج الاستبيان الوطني الخاص بدمج المصابين بالتوحد في الولايات المتحدة أن الأطفال المدموجين قادرون على التحصيل التعليمي مثل أقرانهم، وبصفة أكبر عندما يكونون في مجموعات صغيرة . كما تظهر أن التعلم من الأقران يعطي الطفل المهارات الاجتماعية والتواصلية، والتعلم والتفكير بطريقة أكثر فاعلية، وهو ما يؤكد حاجة هؤلاء الأطفال الماسة للحصول على فرصة للجلوس على مقعد الدراسة .
كما تتجلى الآثار الإيجابية لسياسة الدمج في أن وجود الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة مع الأطفال العاديين في مبنى واحد، أو فصل دراسي واحد يؤدي إلى زيادة التفاعل والاتصال ونمو العلاقات المتبادلة بينهم، وأن في سياسة الدمج فرصة طيبة تتاح للطلبة العاديين كي يساعدوا أقرانهم من ذوي الاحتياجات الخاصة .
كما أن التعليم القائم على دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في المدرسة العادية سوف يزيد من عطاء العاملين المتخصصين داخل المؤسسة التعليمية، فتطبيق سياسة الدمج وبخاصة تعليم التفاعل وأساليب الحوار بين المجموعات النظامية المتعددة سيتيح للأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة الحصول على أقصى منفعة من المساعدة المتاحة لهم من حيث التدريب على حل مشكلاتهم وتوجيه ذاتهم .
وإضافة إلى ذلك فإن تعليم الأطفال المصابين بإعاقات خطيرة في قاعات دراسية مشتركة يمكن التلاميذ من ذوي الاحتياجات الخاصة من أن يلاحظوا كيف يقوم زملاؤهم الأصحاء بأداء واجباتهم المدرسية، وحل مشكلاتهم الاجتماعية والعملية .
كما أن الأطفال في حاجة إلى قدوة ومثل من أقرانهم ليقتدوا به ويتعلموا منه، والطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة هو أحوج ما يكون لهذا النموذج والقدوة، ولعله يجد هذا النموذج في الطفل العادي فيقوم بتقليد سلوكه ويتعلم منه المهارات المختلفة .
أما من الناحية النفسية فقد أثبتت الدراسات أن لسياسة الدمج أثراً إيجابياً في تحسين مفهوم الذات وزيادة التوافق الاجتماعي للأطفال المتخلفين عقلياً عند دمجهم مع الأطفال العاديين . حيث تبين من هذه الدراسات أن اختلاط الأطفال المتخلفين عقلياً بالأطفال العاديين كان له أثره الإيجابي في تحسين مفهوم المتخلفين عقلياً من ذاتهم .
كما اتضح أن مشاركة الأطفال المعاقين عقلياً مع الأطفال العاديين في أنشطة اللعب الحر قد أدت إلى اندماج الأطفال معاً في لعب جماعي تعاوني تلقائي وإلى تزايد مطرد في التفاعل الاجتماعي الإيجابي بينهما .
التوحد والتحديات
وتزامناً مع شهر التوعية بالتوحد، نظمت مدينة دبي الطبية جلسة نقاشية بعنوان "التوحد بين منطلقات القوة والتحديات"، استضافت فيها عدداً من الخبراء المختصين وعائلات لأفراد مصابين باضطرابات التوحد ليشاركوا الحضور بتجاربهم في مواجهة التحديات المصاحبة لمختلف الفئات العمرية للمصابين، منذ مرحلة الطفولة إلى البلوغ .
وقد ناقشت الجلسة تحديات دمج المصابين بالمجتمع، وأهمية التزام الوالدين بتوفير عناية خاصة لأطفالهم المصابين بالمرض، ونظم التدريب المهني، ومقومات برامج العلاج الناجحة ووجهات نظر الأهالي حول التوحد في مختلف الفئات العمرية .
وتحدثت الدكتورة هبه شطا المديرة العامة لمركز الطفل للتدخل الطبي المبكر في الجلسة مشيرة إلى القانون الاتحادي الذي ينظم حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في التعليم، مضيفة أنه على الرغم من صدور هذا القانون، إلا أن الدمج يعد أحد التحديات التي يواجهها الأطفال المصابون باضطراب التوحد . وقالت إن الدمج الناجح يتطلب قيادة ملتزمة وصفوفاً مرنة ومنهاجاً متطوراً يعتمد على أكثر من مصدر للتعلم والتحصيل، اضافة إلى تقييم مبدئي ومتواصل، ونظام لمعرفة المعوقات في التعليم، وخطة تعليمية فردية، والتعاون بين المدرسة والبيت والمعلم الخاص في عملية التعليم .
وقالت إن الدمج يمثل تحدياً ليس فقط لذوي الاحتياجات الخاصة، بل لكل طفل مختلف سواء في الثقافة واللغة وأسلوب التعلم والحياة، ولابد من وجود اتجاه ايجابي من المدارس لمسألة الدمج .
وأضافت، إن الدمج لا يعني وجود الطفل في المدرسة فقط، بل يتعدى الأمر ذلك بأنه يعني وجود ثقافة التقبل والتعاون والدعم لهؤلاء الأطفال، فالدمج الحقيقي يساوي بين جميع الطلاب كأفراد يستطيعون التعلم من بعضهم البعض، وهناك فرق بين وضع الطفل في المدرسة في صفوف التعليم الخاص ودمجه فقط في الأنشطة، وبين دمج هذا الطفل داخل الصفوف الدراسية طوال العام بوجود معلم مساعد أو من التعليم الخاص داخل الصف .
الدمج وفرص التعلم
وأوضحت الدكتورة هبه شطا أنه تم حصر نحو 160 طفلاً من ذوي اضطرابات التوحد في المراكز التأهيلية التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية، مشيرة إلى أنه عدد قليل نسبياً مقارنة بالأعداد المتوقع إصابتها بالتوحد، لذا من الضروري أن يكون الدمج هو الحل المثالي لإعطاء هؤلاء الأطفال الفرصة للتعلم .
وأوضحت الدكتورة هبة أنه في محاولة مركز التدخل المبكر لفهم التحديات التي تواجه المدارس عند دمج أطفال التوحد تبين أن العديد من المدارس تواجه صعوبات في الدمج الجزئي أو الكلي . ومن هذه التحديات: من سيقوم بعملية التعليم؟ من سيقوم بمتابعة الطفل إذا احتاج دعماً؟ وما نوعية التدريب الذي يحتاجه المعلم؟ وماذا يستطيع المدرس فعله إذا ما تعرض لمشكلات سلوكية؟ وذلك إضافة إلى وجود صعوبات في المناطق البعيدة والنائية .
وأشارت إلى أنه لا توجد سياسات واضحة لقبول الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في معظم المدارس، إضافة إلى عدم وجود بنية تحتية وموارد تعليمية كافية لخدمة هذه الفئة، وقد قام مركز الطفل للتدخل الطبي المبكر بعمل استبيان عام 2011 شمل 23 أسرة تم رفض أبنائهم من 42 مدرسة وكانت أكثر الأسباب شيوعاً هي عدم تأهل المدرسة للدمج، أو عدم وجود معلمين مؤهلين، أو أن المدرسة لا تقبل ذوي الاحتياجات الخاصة، أو أن الطفل ليس جاهزاً للمدرسة، وأحيانا كانت المدرسة تمتنع عن أي تفسير .
فعالية الخطة العلاجية
وتحدثت في الجلسة الدكتورة لورا فيرجسون المتخصصة في علاج وتعليم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة عن العناصر الفاعلة للخطة العلاجية لأطفال ذوي التوحد وقالت: "إن تحليل السلوك التطبيقي هو الاختيار العلاجي الأمثل لأطفال التوحد، كما أن تحليل السلوك التطبيقي من أكثر البرامج المثبتة علمياً، فهو عبارة عن مجموعة من الأبحاث المثبتة علمياً ومستدرجة ومبنية على مبادىء علمية حاسمة حيث أثبتت نتائج الأبحاث أن الفوائد المكتسبة من تأهيل تحليل السلوك التطبيقي أقوى من الخطط العلاجية الأخرى" .
وعن المقصود بتحليل السلوك التطبيقي أوضحت أنه تطبيق مبادىء سلوكية بهدف تحليل السلوك والتركيز على السلوك الظاهر، والإشارة إلى ملاحظة وتحليل السلوك من أجل تغييره عن طريق الدراسة وتحليل السلوك في البيئة التي يحدث فيها وتحديد المثيرات القبلية والبعدية المؤثرة في السلوك في الوقت الحالي والمستقبل .
وأشارت إلى أن التقييم الشامل لمهارات الأطفال يجب أن يكون باستخدام أدوات مبنية بحسب التطور الطبيعي، وأن تكون متسلسلة من المراحل المبكرة إلى المراحل المتطورة، إضافة إلى تقسيم وتأهيل اللغة باستخدام تحليل اللغة الخاص، وتحليل السلوك اللفظي لديه، وتحليل العديد من الخصائص في بناء وتعليم اللغة لأطفال ذوي التوحد، وبناء مهاراتهم الاجتماعية ولغتهم التعبيرية، والسيطرة على رغبات الطفل من زيادة رغبته في التعليم، إضافة إلى تعليم أطفال ذوي التوحد تلبية احتياجاتهم عن طريق الطلب، حيث أن تعليم مهارة الطلب هي من أوائل المهارات اللغوية التي يتم تعلمها في المراحل الأولية في حياة الطفل وبناء على ذلك يتم التقليل من السلوكيات غير المرغوبة .
وعن خصائص برنامج تحليل السلوك التطبيقي ذكرت المحاولات المتقطعة، وهو أسلوب يهدف إلى زيادة الفرص التعليمية ويستخدم لتطوير المهارات الإدراكية، وتعليم اللغة، والمهارات الاجتماعية ومهارات مساعدة الذات، والتعليم في البيئة الطبيعية أو الشبيهة لبيئة الطفل بهدف تعليم الطفل المهارات اليومية في البيئة المحيطة لأجل تعليم الطفل المبادرة في المهارات الاجتماعية، وتعميم السلوكيات المكتسبة من قبل التأهيل، وممارسة أنشطة المهارات اليومية، والتي تعتمد على تقييم مهارات الاعتماد على الذات مثل استخدام الحمام، تفريش الأسنان" .
وأوضحت أن المهارات الاجتماعية تهدف إلى تعليم الأطفال وترغيبهم في التواصل والتفاعل مع الأقران والأطفال من حولهم مثل، التعليم التواصلي، استبدال السلوك غير المرغوب بسلوك مرغوب اجتماعيا، تعليم الأطفال أن التواصل المقبول سوف يلبي احتياجاتهم أسرع من السلوكيات غير المرغوبة مثل، البكاء والضرب، عن طريق تقييم وظائف السلوك وإيجاد العلاقة الوظيفية خلف كل سلوك باستخدام التعزيز الإيجابي .
وأكدت الدكتورة لورا ضرورة تعليم الأطفال وسائل التواصل البديلة، حيث أثبتت الأبحاث أن 50% من أطفال ذوي التوحد لا يستطيعون التواصل عن طريق اللغة المنطوقة، ويجب تدريبهم على وسائل أخرى للتواصل، مثل التواصل عن طريق لغة الإشارة، حيث أثبتت الأبحاث أنها تساعد في التواصل وإصدار الأصوات اللغوية، وطالبت بالإشراف المكثف على البرامج من قبل محللين سلوكيين ذوي خبرة وعلى دراية كافية بمبادىء تحليل السلوك، والتنسيق بين المدارس والمراكز العلاجية من أجل التعميم .