قلت في بداية مقالي السابق: إن مقاربة روايات دوستويفسكي لا ينبغي أن توغل في محاولة تحديد رؤية فلسفية معينة لنسبها إليه . وذلك لجملة أسباب: أولها، تعدد الرؤى في كل متن إلى درجة التضاد والاصطراع . وثانيها؛ لأن هذا التضاد يعكس فعلا نفسية هذا الروائي الروسي المثقلة بالقلق . . . .

غير أنني انتهيت في خاتمة المقال إلى القول: هذا هو موقفي، لكنني سأناقضه في مقالي المقبل عند تحليل رواية الإخوة كارامازوف؛ لأنني أعتقد أنها يجوز أن تكون استثناء، فهل بالفعل يحق لنا النظر إلى رواية الإخوة كارامازوف بوصفها استثناء؟

إن كان على تعدد الرؤى الفلسفية وتضادها، فإن هذا المتن ليس بدعا في المنهج الروائي لدوستويفسكي ؛ إذ نجد فيه هو أيضا اختلافا شديدا في أنماط الرؤية إلى العالم . بل حتى في بناء شخصيات الإخوة الثلاثة يحرص دوستويفسكي على جعل كل واحد منهم حاملا لرؤية فلسفية مناقضة للآخر: فإيفان كارامازوف، يُقَدمُ كشخص مشغول بهاجس سؤال دلالة الوجود، متخذا إزاءه جوابا إلحاديا، سيؤدي به في النهاية إلى الجنون . أما ديميتري فيقدم بوصفه رجل جسد لا رجل فكر، لذا فهو لا يعير أدنى اهتمام لأسئلة التفكير، بل هو مسكون بحس الحياة والرغبة في النهل من ملذاتها . أما أصغر الإخوة الثلاثة، أليوشا (أليكسي كارامازوف)، فهو شاب متدين يخالف أخويه في الرؤية والسلوك . . .

إذن ما الذي يجعلني أعد رواية الإخوة كارامازوف استثناء مع كل هذا التضاد في الرؤى الفلسفية؟

رغم هذا التعدد والتباين يصح القول بأن ثمة ما يسمح لنا بأن نُعَينَ رؤية محددة من بين تلك الرؤى الثلاثة، بوصفها الفلسفة التي سعى دوستويفسكي إلى إعلانها كموقف فكري له . لكن لابد من الاستفهام هنا: ما الدليل على ذلك؟ ثمة دليل يظهر قبل بدء سرده لأحداث روايته، وهو تقديمه الذي أعلن فيه أن بطل متنه هو أليكسي .

تُرى ما دلالة هذا الإعلان؟

يرى بعض الباحثين المتخصصين في دوستويفسكي أنه في آخر حياته تحول نحو الإيمان بعد أن كان قلقا مشتت الوجدان بنزعة شكية؛ فهل أراد أن يعبر بتنصيبه لأليكسي بطلا، عن اختياره في آخر حياته لمسلك الدين بعد أن كان في لحظة من لحظات حياته قريبا من الفلسفة الشكية؟ هل أراد بذلك صياغة رسالة إلى المجتمع الروسي تنتقد تحولات قيمه الثقافية بفعل التأثير الغربي؟ يجوز ذلك . لكن هل نقول هذا بجزم ويقين، أم ترانا في قرارة أنفسنا مترددين وجلين، نراوح بين هذا وذاك؟

لا ينبغي الظن بأن شخصية دوستويفسكي وأسلوبه في السرد من ذاك النوع الشفاف الذي يُقرأ في خارجيته و سطح ظهوره، بل إنه مبدع شديد التعقيد والتركيب؛ إنه هو نفسه القائل: هل في وسع المرء أن يطلب إلى الناس أن يكون سلوكهم واضحا مفهوما في عصر كهذا العصر الذي نعيش فيه؟؛ لذا لابد من الاحتراس في عملية إيضاح هذا الذي يستهجن أن يطالب الناس بأن يكونوا واضحين . هذا إذا أمكن إنجاز فعل الإيضاح أصلا . لذا أقول رغم ميلي إلى التأويل السابق، فإنني أميل أيضا إلى الاحتفاظ بشيء من خط الرجعة إلى موقفي القائل بأن متون دوستويفسكي بتعدد أصواتها المعبرة عن تعدد وتضاد الرؤى الفلسفية، هي أفضل تعبير عن الاضطراب النفسي الذي كان يعتمل بداخل صاحبها . وما يحفزنا نحو هذا القول هو أننا نلاحظه حتى عندما سمى أليكسي بطلا لروايته، كان يبدو مرتبكا . حيث يعلن صراحة عن أنه لا يجد ما يبرهن به للقارئ على استحقاق هذه الشخصية لوسم البطل من دون غيرها من شخوص روايته .

ويضيف بأن روايته من جزأين . وفجأة ينبه القارئ إلى أن قراءته للجزء الأول كافية لكي يتخذ قرارا بأن يستمر في القراءة أو يرمي النص كله . ثم كأنه استثقل أن يستجدي من قارئه قراءة الجزء الأول كاملا،يستدرك بالقول: يمكن للمرء أن يرمي هذه الرواية بعد قراءة صفحة واحدة فقط . ثم يعود فجأة وكأنه يخاطب نفسه قائلا: كان في وسعي، على كل حال، أن أستغني عن محاولة هذه التعليلات المربكة التي ليس لها قيمة .

ما دلالة هذا التردد والارتباك في تقديم متنه هذا؟ هل مرجع ذلك أن دوستويفسكي غير واثق بعملية تنصيب أليكسي بطلا؟ طبعا إنه لا يرفض أن تكون هذه الشخصية المحورية حاملة لوسم البطولة، إنما ارتباكه في تنصيبه بطلاً يكشف أمراً آخر هو أن دوستويفسكي نفسه يرغب في أن يكون هو أليكسي المتدين الواثق، غير أنه يستشعر نفسيا وعقليا - صعوبة بلوغ ذاك المقام .

Tayebbouazza@yahoo .fr