كان دور الجدة التي تجد صعوبة بالغة في التواصل مع أحفادها في الفيلم الشهير إمبراطورية ميم، هو آخر دور تقدمه الفنانة الراحلة دولت أبيض، لتتوج به مسيرة فنية حافلة امتدت لنحو نصف قرن بدأت في السينما بعد سنوات مع المسرح - في العام 1930 بفيلم زينب وانتهت بفيلم إمبراطورية ميم عام ،1972 قبل رحيلها عام 1979 .

دولت أبيض هي الفنانة الكبيرة والعظيمة التي شاركت زوجها جورج أبيض رحلة الحياة والكفاح المرير في المسرح وعلى مسرح الحياة نفسها، اشتهرت في السينما المصرية بأداء دور الأم القاسية أو الحماة التي تسوم زوج ابنتها أو زوجة ابنها سوء العذاب، وكان مظهرها الارستقراطي يؤهلها للقيام بهذه الأدوار وأيضاً دور الزوجة المتسلطة . كانت قادرة على أن تقدم هذه الأدوار على الشاشة بإتقان كامل، ساعدها في ذلك مرونة في الجسم ووجه معبر فيه من القسمات الأوروبية الكثير، وقد ورثت هذه الصفات والسمة من أمها ذات الأصول الروسية .

ولدت دولت حبيب بطرس قصبجي في 29 يناير/كانون الثاني 1894 في مدينة أسيوط، في جنوب مصر، لأب مصري من أسيوط، ولأم من أصل روسي، وموهبة التمثيل عند دولت أبيض كانت واضحة منذ أن كانت طالبة، حيث لعبت أدواراً كثيرة في مسرح المدرسة .

انتقل والدها وهي في سن الطفولة إلى الخرطوم عاصمة السودان، حيث كان يعمل مترجماً في وزارة الحربية، فالتحقت بمدرسة الراهبات في الخرطوم، وتلقت دروساً في الفرنسية وفي الدين على مذهبها الكاثوليكي المسيحي، ومن الطبيعي أن تتقن الطفلة دولت الفرنسية خاصة أن مدارس الراهبات في الخرطوم كانت تابعة للإرساليات الفرنسية، ما قادها إلى قراءة الأدب الفرنسي ومعرفة الحركة المسرحية هناك، والاطلاع على المسرحيات التي كتبها رواد الكلاسيكية الجديدة مثل راسين وكورناي وغيرهما، فعشقت دولت المسرح وداومت على مشاهدته، حيث كان المسرح المصري يقدم هذه الأعمال في بداياته .

لم تكن دولت أبيض تفكر يوماً في أن تكون ممثلة، وإن كانت عاشقة للمسرح، لكن الصدفة لعبت دوراً أساسياً في أن تصبح النجمة دولت قصبجي . فقد حضرت حفل عرس ابنة خالتها على أحد أقارب المخرج عزيز عيد، الذي لفتت الفتاة الحلوة، قريبة العروس، نظره بجمال وجهها ومرونة جسمها وملامحها التي تجمع بين جمال الشرق الروحي وجمال الغرب، فصاح: وجدتها . وقال لها: أنت لم تخلقي إلا لتكوني نجمة في المسرح، وأقنعها وأقنع أهلها بأن تكون ممثلة رغم أنها من عائلة محافظة، غير أن ثقتهم بعزيز عيد جعلتهم يوافقون خاصة أن هناك صلة نسب بينهم وبينه .

في المسرح بدأت دولت أبيض حياتها مع عزيز عيد في الفرقة التي كونها سنة ،1917 فقدمها في مسرحية خللي بالك من إميلي وهي من أشهر مسرحيات الفودفيل الفرنسي من تأليف جورج فيدو، ونجحت دولت في هذا العمل، ما شجع عزيز عيد لأن ينسب لها بطولة عمل آخر هو الكونتيسة، وبعد عدة أعمال مع مكتشفها عزيز عيد انتقلت إلى فرقة نجيب الريحاني، وشاركت في عدة أعمال .

لعبت الصدفة دوراً مهماً في حياتها، حيث شاهدها ملك التراجيديا - في ذلك الوقت - جورج ابيض فوجد فيها ضالته كممثلة تصلح لأداء الأدوار الصعبة في كلاسيكيات المسرح، فلم يتردد وقام بضمها على الفور إلى فرقته المسرحية عام 1918 .

قدمت دولت مع جورج مسرحية أوديب ملكاً، حيث قامت بأصعب دور في الرواية يوكاستا وهو دور مركب صعب يحتاج إلى قدرات تمثيلية هائلة مع قدر من الهيبة التي تمتاز بها الملكات التاريخيات، وكان نجاح دولت في هذا الدور جواز المرور لها لتكون بعد ذلك أقدر ممثلة تقوم بدور الملكات أو سيدات المجتمع الارستقراطي أو سيدة البيت، الهانم، المتسلطة، سواء على زوجها أو على من يحيط بها من خدم وحشم .

تنقلت دولت في أكثر من فرقة مسرحية بعد ذلك، وكان أكبر نجاح لها بعد عملها مع عزيز عيد، دورها الخالد في مسرحية شهرزاد التي قدمتها مع فرقة سيد درويش، بعدها استعان بها عملاق الكوميديا نجيب الريحاني لتعمل في فرقته، حيث اشتركت معه في عدة أعمال مسرحية ناجحة منها: ريا وسكينة التي نالت شهرة كبيرة في ذلك الوقت، خاصة أن حادث الشقيقتين ريا وسكينة كان حديث العهد، وشبه معاصر لكتابة هذه المسرحية، وقدمت دولت دور فتاة ثرية وجميلة كانت إحدى الضحايا، ونالت تعاطفاً كبيراً من المشاهدين .

عادت دولت بعد ذلك للعمل مع جورج أبيض الذي كان قد تبدل إعجابه بها كفنانة لها قدرات خاصة، لتلفت نظرة كفتاة رقيقة هادئة رومانسية، ففاتحها في أمر الزواج منها، فوافقت على الفور، وتم زواجهما في عام ،1923 ليكون الزواج الثاني في حياة دولت، حيث كانت قد مرت بتجربة سابقة لم تستمر طويلاً، غير أنها أثمرت عن طفلة لها أطلقت عليها اسم إيفون، عاشت معها وزوجها جورج، إلى أن أنجبا طفلة أخرى أطلقا عليها اسم سعاد .

بعد الزواج قررت دولت أن تغير اسمها الفني من دولت قصبجي إلى دولت أبيض لتكون مع زوجها ثنائياً في البيت والمسرح، وعندما كون يوسف وهبي فرقة رمسيس، كان جورج أبيض شريكاً له فانضمت بالطبع دولت للفرقة، وازدهرت فرقة رمسيس خاصة أنها ضمت عشرات النجوم ممن كانوا ملوك المسرح في ذلك الوقت، حيث تولى إخراج مسرحيات للفرقة في بداياتها عام 1923 عبقري المسرح عزيز عيد الذي كان أول من اكتشف دولت وقدمها للحياة الفنية، فاستطاع أن يخلق منها فنانة مختلفة عن كل فنانات جيلها، فقدمت مع زوجها ويوسف وهبي في فرقة رمسيس العديد من روائع المسرح العالمي خصوصاً مسرحيات عطيل، الأب ليونار، الجريمة والعقاب، وكليوباترا .

في عام 1935 كوّنت الدولة المصرية فرقة مسرحية خاصة بها، وأطلقت عليها الفرقة القومية بغرض ترقية فنون المسرح، فانضمت دولت ومعها جورج إلى الفرقة وقدمت على خشبتها العديد من الأعمال الرائعة، غير أنها قررت وزوجها جورج أبيض الاستقالة من الفرقة القومية عام ،1944 وقاما ببناء دار عرض سينمائي ومسرحي في منطقة حدائق القبة بجوار منزلهما، وأطلقا عليها سينما ومسرح هونولو، وقررا أن يكون هذا المسرح خاصاً بهما لتقديم روائع المسرحيات العالمية، لتصبح سينما ومسرح هونولو من أشهر دور العرض في مصر آنذاك، يقدمان خلالها أعظم أفلام الأربعينيات والخمسينيات، إلى أن احترقت دار العرض ضمن أحداث حريق القاهرة عام ،1951 ودمرت تدميراً كاملاً .

كان حظ دولت أبيض في السينما أفضل كثيراً من حظ زوجها عملاق المسرح جورج ابيض، فكانت من أوائل الممثلات اللواتي عرفتهن الشاشة الفضية، بدأت مع الفيلم الصامت زينب عام ،1930 وهو الفيلم الذي أخرجه محمد كريم عن قصة الدكتور محمد حسين هيكل، وقامت فيه دولت بدور زينب، ومع ظهور السينما الناطقة توالت الأفلام التي شاركت فيها دولت أبيض مثل أولاد الذوات مع يوسف وهبي عام 1932 والوردة البيضاء مع محمد عبد الوهاب عام ،1933 ومن إخراج محمد كريم، والدكتور مع سليمان بك نجيب عام 1939 وقلب امرأة مع أمينة رزق عام ،1940 ومصنع الزوجات عام ،1941 ودنيا مع الفنان أحمد سالم وراقية إبراهيم، وخفايا الدنيا وابن البلد والموسيقار مع المطربة لور دكاش ويعقوب طانيوس وإخراج السيد زيادة، ثم فيلم دايماً في قلبي أول فيلم أخرجه مخرج الواقعية صلاح أبو سيف بطولة عقيلة راتب والوجه الجديد آنذاك عماد حمدي، ثم مع أحمد سالم فيلم المنتقم، ومع محمد البكار في فيلم قلبي وسيفي ومحسوب العائلة، وهو الفيلم الذي ظهرت فيه نجاة الصغيرة وهي طفلة، ثم توالت أفلامها بعد ذلك، منها من القلب للقلب بطولة ليلى مراد وكمال الشناوي، ومما يذكر أن هذا الفيلم صور مرتين، الأولى بطولة صباح وكمال الشناوي وكانت معهما دولت أبيض أيضاً، ثم احترق الفيلم فأرادت منتجته إعادة تصويره فاشترط بعض الممثلين الذين لعبوا أدواراً في الفيلم المحترق أن يحصلوا على أجورهم كاملة، وفضل البعض أن يتعاون مع المنتجة ويعيد التصوير بلا مقابل، وكانت منهم دولت أبيض، ومثلت مع زوجها جورج فيلم الأب، ومع الفنان حسين صدقي فيلم الشيخ حسن، والحب العظيم .

وفي نهاية مشوارها مع السينما لعبت أدوارا في أفلام المراهقات، غرام الأسياد، والحقيقة العارية حتى ختمت مشوارها السينمائي والفني بدورها مع سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة في إمبراطورية ميم عام ،1972 لتبتعد بعده عن الأضواء تماماً حتى رحيلها في الرابع من فبراير عام ،1978 لترحل بعد أن كانت قد أشهرت إسلامها وزوجها جورج ابيض وابنتيهما في عام 1953 .

حصلت الفنانة الكبيرة على عدة جوائز وشهادات تقدير منها جائزة التمثيل الثانية عام 1925 والجائزة الأولى في الكوميديا سنة 1925 وحصلت على وسام الدولة في الفنون في عيد العلم من الزعيم جمال عبدالناصر ،1960 وكانت في آخر أيامها تهتم بتربية أحفادها من ابنتيها سعاد ابيض وإيفون، كما كانت تقضي معظم أوقاتها في القراءة والاستماع إلى القرآن الكريم، كما قالت في آخر حديث إذاعي لها قبل الرحيل .