عندما تريد أن تكتشف أحد مواطن الحرير سوف تتجه من مدينة حماة غرباً لمسافة خمسين كيلو متراً، ستقف عند حافة تلك الجبال المهيبة التي يظللها السحاب وحين تعلو همتك بتسلقها ستجتاز الجداول والينابيع الفوارة وغابات الصنوبر والسنديان حتى تصل إلى ذلك العالم الغامض الذي يدعى ديرماما عندها ستتأكد بلا ريب أن روحك تنتمي إلى ذلك المكان، وأمامك آثار وقلاع عتيقة وحضارات بائدة وكهوف غامضة والحرير.

طال احتضار الحرير حيث، استمر هذا الاحتضار لأكثر من عشرين عاماً وكانت أصوات أكثر من أن تحصى ارتفعت بالنداء ولم تحصد سوى الصدى. وبعد عشرين عاماً ونيف سمعت الأمم المتحدة خلالها أصوات المربين وتحركت، فكان التحرك الحكومي.

وحين وصلت اللجان والمسؤولون إلى موطن الحرير كان الناس يوقدون ما تبقى من أشجار التوت في مدافئهم، ويلقمون النار ذكرياتهم ونتاج حياكتهم، وثمرة أنوالهم، وأغاني القطاف، وذلك اللمعان الذهبي المتوهج للحرير، الذي نجا على امتداد أربعة آلاف عام من الغزو والظلم والجوع والجفاف وأخذ يلفظ أنفاسه في مطلع القرن الحادي والعشرين.

يوسف محمد حسن صاحب النول اليدوي الوحيد لنسج الحرير الطبيعي قال ل الخليج: ورثت هذا النول عن أبي الذي ورثه عن آبائه وأجداده منذ أمد سحيق لا يعرفه أحد، والنول على حاله لم أطور فيه شيئاً، ويقوم النول بإنتاج أغطية حريرية ناعمة (مناديل) وأحياناً حسب الطلب، وأستطيع أن أنتج في الساعة حوالي ثلاثة أمتار بعرض 50 سم، وأقوم بتصدير إنتاجي إلى منطقة الغاب حيث ما زال سوق المناديل مزدهراً، وقد زارتني لجنة من الأمم المتحدة وشاهدت النول ووعدت بأن تسعى في تطويره ولكن لم يظهر أحد منهم في ما بعد، وأنا سأقوم بدوري بتوريث هذا النول إلى أولادي آمل أن لا تندثر هذه الحرفة الراقية، خصوصاً بعد أن هجر معظم الناس تربية دودة القز واقتلعت أشجار التوت، وهذه القروض التي أعطيت لنا 250 ألف ليرة سورية تصلح الحال قليلاً ولكن لا تكفي.

وتقول حورية حسن محمود: أقوم بتربية دودة القز وبصنع التحف الحريرية من شالات ومثلثات ومناديل وكنزات وأربطة عنق وأربطة شعر وستائر حريرية في بعض الطلبات المكلفة، وقد علمتني أمي فن (التخريج) بالسنارة وهي بدورها تعلمته عن أمها، ونحن نصنع للزبائن بحسب رغباتهم.

أرجو أن لا يندثر هذا التراث الجميل الذي يعود إلى زمن قديم جداً خصوصاً بعد أن هجر عدد كبير من الناس تربية دودة الحرير بعد أن تلاشى العائد الاقتصادي، وتم قطع معظم أشجار التوت.

أما عيد الحسن فيقول: أعمل في تربية دودة الحرير وأملك منشأة صغيرة من أصل ثلاث منشآت لتحويل الشرانق إلى خيوط حريرية وهذه حرفة متوارثة منذ أجيال عديدة، حيث يقوم المبدأ على غلي الشرانق في المياه وسحب مجموعات الخيوط التي نسجتها الدودة من كل شرنقة لأن كل شرنقة تتألف من خيط واحد متصل رفيع جداً و تتجمع هذه الخيوط على بكرة وتلف على الدولاب.

أنا أعمل في تربية دودة القز وحلّ الشرانق، ومنذ أربعين عاماً كنت أراقب كيف كان مستوى الإنتاج يهبط شيئاً فشيئاً فقد هبط إنتاج ديرماما من 12 طناً في سنوات الثلاثينات حتى تدنى إلى مئات قليلة من الكيلوغرامات وهناك عدة أسباب أهمها نوعية البيوض التي يتم جلبها، حيث تتفاوت كميات الإنتاج حسب نوعية البيوض، حيث إن كمية عشرين ألف بيضة رديئة تعطي إنتاجاً من (25 30) كغ أما العدد نفسه من البيوض الجيدة والمحسنة فتعطي إنتاجاً من (40 50) كغ من الشرانق والسبب الثاني هو إهمال الدولة لأسعار الحرير حيث إنها تأخرت في تقديم الدعم حتى موسم 2009 الذي أعطت فيه مبلغ 250 ليرة عن كل كغ منتج.

لقد قامت هيئة الأمم المتحدة (مرفق البيئة العالمي) وتحت خطر انقراض هذه الصناعة بمشروع دعم وتطوير الحرير الطبيعي (برنامج المنح الصغيرة) الذي يتضمن تقديم 50 ألف دولار أمريكي على شكل قروض للمربين بدون فوائد، وفعلاً تم توزيع مبلغ 250 ألف ليرة سورية لكل مرب من أجل شراء أدوات تربية وتأمين أماكن ومعدات من أجل التربية.

وجاء التحرك الحكومي أخيراً يتقدمه المهندس معين سليمان رئيس دائرة الحرير في وزارة الزراعة، من أجل إنقاذ تراث يعود لأكثر من أربعة آلاف عام من الانقراض.

ويقول سليمان: نحن متأسفون لأن هذه الصناعة بدأت في الانتهاء وأن إمكانية العودة فيها إلى زمن ازدهارها باتت صعبة للغاية حيث أن إنتاج ديرماما لوحدها في عام 1982 كان يتجاوز 12 طناً من الشرانق بينما لم يتجاوز في العام الحالي 400كغ.

إنها خطوة متأخرة من قبل الحكومة، ولكننا نعتبرها منشطاً قوياً لمن لديه الرغبة ولديه الإمكانية.

إن معمل الحرير في الدريكيش لم يعد موجوداً لأن اجتماعاً تم عقده بين وزارة الزراعة ووزارة الصناعة تم من خلاله رفع مقترحات إلى لجنة اقتصادية تم تشكيلها، حيث قامت وزارة الزراعة مكان وزارة الصناعة في ما يخص الحرير.

وقد قدمت الحكومة مبلغ 250 ليرة سورية لكل كغ من شرانق الحرير إلى المزارعين وهي تقوم بتحويل الشرانق إلى خيوط حريرية مجاناً حسب رغبة المزارع بالنسبة لثخانة الخيوط حيث تتوفر في الآلات المزمع استيرادها جميع العيارات المطلوبة في السوق السورية فهي تحتوي من 20 إلى 40 دنيير وبعد هذه العملية التي يطلق عليها (الحل) تعاد الخيوط إلى المزارعين الذين يسوقونها حسب رغبتهم بالتعاقد مع التجار علماً بأن حاجة السوق السورية الفعلية تتجاوز 10 أطنان من مادة الخيوط الحريرية مع أن الإنتاج السوري الحالي لا يتجاوز نصف طن، بالإضافة إلى وجود معامل جديدة للخيوط الحريرية في حمص وفي حلب وهي بحاجة قصوى إلى هذه المادة.

كما أن المراكز ستقوم بتربية الشرانق حتى نهاية العمر الثالث في مراكز مخصصة لهذا الغرض ومنها مركز الكفير وسيقوم المركز بإيصال هذه الشرانق للمزارعين من خلال سيارة مخصصة لهذا الغرض، إضافة إلى ذلك فإن موضوع التصنيف بالنسبة للأسعار انتهى، ولكل كمية السعر نفسه بدون تصنيف ولكن فارق الجودة سيلمسه المزارع حين يعاد إليه إنتاجه على شكل خيوط حريرية عندها سيظهر المستوى الحقيقي لمدى جودة التربية.

كما أن علبة البيوض ستباع إلى المزارعين بمبلغ 400 ليرة سورية بعد أن كانت ألف ليرة.

أما بشأن غراس التوت التي تزرع زراعة تكثيفية تصل إلى حوالي 1700 غرسة في الدونم الواحد، فإنها ستعطى إلى المزارعين بمبلغ رمزي هو ليرتين علماً أن سعرها الحقيقي في السوق يصل إلى 13 ليرة بقي على المزارع تربية الطورين الرابع والخامس والتي تحتاج إلى مدة تصل حتى 15 يوماً.

ما نقوم به هو تقديم الدعم بكافة السبل من أجل إحياء تربية الحرير، فالصناعات الحريرية السورية من أفضل المنتجات الحريرية في العالم من البروكار والدماسكو والمصب إلى الصناعات اليدوية من شالات وأغطية رأس ومناديل وسجاد ويوجد في ديرماما وحدة إنتاج سجاد حريري تابعة للشؤون الاجتماعية وهي اليوم لا تعمل ونحن نأمل في حال عاد إنتاج الحرير أن تزدهر الصناعات الحريرية من جديد.

أما بالنسبة للبيوض فقد كنا في ما مضى نستوردها من اليابان وكان سعرها يصل إلى 1500 ليرة للعلبة الواحدة التي تحوي عشرين ألف بيضة.

وكانت تأتينا علب من بلغاريا وصل سعرها إلى ألف ليرة حتى جاء الخبراء الكوريون بعلب من إنتاجهم وقد جربنا في مركز الدريكيش فكانت العلب الكورية هي الأفضل من جميع النواحي مع سعر 400 ليرة علماً أن سعر العلب يتبع تبعاً للكمية المستوردة فمع ارتفاع تكاليف الشحن الجوي وكلما كان العدد أكبر كانت الكلفة أقل حيث إن وزنها وحجمها صغير جداً، ونحن قمنا في مركز الدريكيش بالاستفادة من الخبراء الكوريين لإنتاجها محلياً وهذا الموضوع قيد الدراسة.

أما السبب الأساسي لتراجع الإنتاج فهو الأسعار حيث إن سعر كيلو الشرانق وصل في عام 1982 إلى 26 ليرة ولم تكن هناك جهة في الدولة مسؤولة عن تربية الحرير حتى عام 2003 حيث تم تشكيل قسم الحرير في وزارة الزراعة واستمرت هذه الصناعة في الدول الأخرى نتيجة الدعم الحكومي، ففي تركيا على سبيل المثال يأخذون الإنتاج من الفلاح بسعر 400 ليرة ويبيعون إلى الصناعي بسعر 225 ليرة. نستطيع أن نقوم بعمليات التسويق بكل سهولة ولكن هذا ليس من صالح المربي.

ويتضمن مشروع الأمم المتحدة تخصيص 2500 دولار من أجل التسويق والإعلان بالإضافة إلى أنه يتوجب على وزارة السياحة تخصيص محلات في أسواق المهن اليدوية لعرض المنتجات الحريرية، وفي مهرجان الربيع المقبل في حماة سيخصص معرض للمنتجات الحريرية ضمن تمويل الأمم المتحدة.

الزراعة التكثيفية هي الحل - كما يقول المهندس سليمان، حيث تعتمد على زراعة ما يزيد على 1700 غرسة في الدونم الواحد هذه الغراس ستؤمن الحاجة الفعلية من الأوراق ولا تحتاج إلى السقاية إلا في العامين الأولين، علماً بأن نسبة الأمطار تصل في هذه المناطق حتى الألف ملم سنوياً، إضافة إلى ذلك فإن شجرة التوت متأقلمة تماماً مع المناخ وهي من الأشجار الأصيلة هنا ويمكن للزراعة التكثيفية أن تؤمن ثلاث دورات إنتاجية ربيعي وخريفي وصيفي، ويبقى على المزارعين أن يعتمدوا دورتي إنتاج على الأشجار القديمة ويوجد إمكانية لتحصيل ثلاث دورات على الأشجار القديمة التي تبقت منذ زمن ازدهار الحرير.