حوار: مها عادل
من جد وجد، لا أجد مقولة أكثر تعبيراً عن حال د . راشد الغافري أكثر من هذه،حيث يعد هذا الشاب الإماراتي الواعد والمبتكر نموذجاً مشرفاً لكل الشباب العربي وقدوة تُحتذى، فرغم صغر سنه (28 عاماً) فإنه استطاع أن يسجل لوطنه اختراعاً عالمياً جديداً في مجال البصمة الوراثية، وقد نجح عام 2014 في تسجيل سطور خالدة في حياة راشد، حيث إنه أبى أن يرحل قبل أن يتوج مجهوداته بحصوله على تكريم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد له ضمن الأوائل في احتفالات العيد الوطني ال43 وأن يعقب هذا التكريم بيوم واحد فقط مناقشته لرسالة الدكتوراه في البصمة الوراثية وحصوله عليها بتفوق .
كيف كانت بدايتك في دراستك؟ ولماذا اخترت هذا التخصص الدقيق المستحدث؟
بدايتي كانت في مرحلة الثانوية عندما كنت مخيراً بين التخصص العلمي أو الأدبي . استناداً إلى قناعتي بأن الشخص إذا أحب الشيء الذي يقوم به سواء عمل أو دراسة فسوف يبدع فيه أكثر من الشخص المجبر عليه، واخترت التخصص العلمي حيث كانت درجاتي في المواد الدراسية عالية مقارنة بالمواد الأدبية، وهذا لا يعني أبداً عدم المامي بالأدب، فأنا أهوى الشعر .
وعندما انهيت الثانوية العامة في التخصص العلمي أردت الابتعاد عن إكمال دراستي في التخصصات التقليدية، وكان تخصص العلوم الجنائية حديث الطرح في الجامعات الغربية، حيث كان الخبراء غالباً ما يلتحقون ببرامج جامعية علمية عامة، وبعدها يكتسبون الخبرة من خلال عملهم وممارستهم للتخصصات العلمية في المختبرات الجنائية، فوجدت أن هذا التخصص نادر، إذ لم أسمع عنه من قبل حينها .
وكانت شرطة دبي قد تبنت دراستي ومنحتني بعثه دراسية إلى أستراليا حيث مكثت 4 سنوات وحصلت على شهادة البكالوريوس في العلوم الجنائية والكيمياء التحليلية، ولتميزي في البرنامج حصلت على استثناء من الفريق ضاحي خلفان نائب رئيس الشرطة والأمن العام (القائد العام حينها) لمواصلة دراستي للماجستير، والتحقت به بعد تخرجي في البكالوريوس بثلاثة أسابيع في القارة نفسها، وما هي إلا سنة واحدة حتى حصلت على الماجستير في تخصص البصمة الوراثية الجنائية .
وبعدها باشرت العمل خبيراً في المختبر الجنائي في شرطة دبي حيث مكثت ما يقارب السنتين، ثم أكرمني سمو الشيخ حمدان بن محمد آل مكتوم ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي بابتعاثي لنيل درجة الدكتوراه في تخصص البصمة الوراثية، وأسندت فكرة المشروع على بعض الإخفاقات التي تواجهها المختبرات الجنائية ومن قراءتي ومتابعتي لأحدث التطورات في المجال .
والآن اخترعت بصمة وراثية ذكرية فائقة القوة عن نظيراتها، ومنذ أيام اجتزت مناقشة رسالة الدكتوراه بعد إكمالي 3 سنوات أي أقل بسنة واحدة من المعدل المطلوب لإكمال درجة الدكتوراه، من دون تكليف شرطة دبي رسوم السنة الرابعة .
الاكتشاف الخاص بك في مجال البصمة الوراثية سجل كاختراع في مكتب الملكية الفكرية البريطانية على نفقة جامعة لانكشاير، هل يمكن أن تحدثنا بشكل أكبر عن تفاصيله؟
اهتمام مكتب الملكية الفكرية في تسجيل براءة الاختراع والتكفل بالتكاليف الباهظة للمحامين والإجراءات المتطلب القيام بها للحصول على هذه البراءة يبين مدى أهمية هذا الاختراع، من المعتاد أن تقوم الشركات العالمية بمثل هذه الإنجازات ولكنني خضت هذا التحدي للوصول إلى هذا الاختراع حيث إنني مقتنع بأن من يعمل في هذه الشركات العالمية ما هم الا علماء يقومون ببحوث للتوصل إلى هذا النوع من البصمات الوراثية، ومن المحتمل أن تقوم الجامعة بتوقيع عقد مع إحدى الشركات المصنعة لتبني هذا الاختراع وطرحه في الأسواق مع نظيراتها من البصمات الوراثية .
كيف استقبلت الأوساط العلمية هذا الاختراع وهل بدأ تطبيقه في الإمارات؟
عندما قمت بعرض الاختراع في أول مؤتمر في أستراليا العام الماضي، لم يكتف رواد المجال بإظهار إعجابهم به، بل قام أحدهم بتحديث عروضهم التقديمية في المؤتمر نفسه وإدراج هذا الاختراع كمرجع والإشادة به أمام الحضور، وفور تعرفهم إلى تفاصيله قام العديد منهم بعرض مشاريع بحوث مشتركة لاستخدام هذه البصمة بل وأبدى بعضهم الرغبة في تفعيله في مختبراتهم الجنائية، وعليه قمت بنشر ورقة علمية بخصوص الاختراع في أعرق المجلات في مجال العلوم الجنائية الجينية، وخلال هذه السنة قمت بنشر الاختراع في 5 مؤتمرات، وعليه فإننا في جامعة لانكشاير نتلقى طلبات وعروضاً للتعاون في استخدام وتطبيق البصمة في المجال الجنائي، وفي البحوث العلمية في دول عدة، حيث يقوم المشرف الأكاديمي في الجامعة د . سبتي هادي بالتنسيق مع هذه الطلبات .
هل تمت تجربة البصمة فعلياً؟
نعم قمنا بتفعيل البصمة في المختبر الجنائي لشرطة دبي وتجربة الاختراع على عدد من القضايا لإثبات فعاليته، ونحن بصدد تطبيق البصمة في كل المختبرات الجنائية في الدولة، وكذلك نشر الورقة العلمية الثانية بالتعاون مع هولندا . وعلى حسب الإحصاءات فإنه بمعدل أربعة أشخاص أسبوعياً يقومون بتحميل الورقة العلمية الأولى المنشورة .
هل توجد مستجدات علمية خاصة باختراعك وتطبيقه في دول مختلفة من العالم؟
نقوم حالياً ببناء قاعدة بيانات لدول الخليج العربي والتي من المتوقع الانتهاء منها في مطلع العام المقبل وسنقوم أيضاً بكتابة ورقة علمية مشتركة بين خبراء المختبرات الجنائية في الخليج . وسنقدم عرضاً تقديمياً بالنتائج في أعرق مؤتمر في المجال العام المقبل في بولندا في شهر أغسطس/آب .
استقطبت الجامعة أحد الراغبين في استخدام البصمة من إيطاليا، وقمت بتدريبه على استخدامها والآن ينشئ قاعدة بيانات لهذه البصمة وسوف يقوم بتفعيلها حين عودته إلى بلاده . كما أقوم حالياً بالتعاون مع مختبر البصمة الوراثية في جامعة لوبيانا في سلوفينا بتحليل عينات الحمض النووي المستخلصة من بقايا آثار ضحايا الحرب العالمية الثانية من المقابر الجماعية المنتشرة في سلوفينيا، وسوف تضيف هذه البصمة قوة للأدلة المعثور عليها، إضافة إلى البصمات المتعارف عليها، وبالتالي سوف تساعد في معرفة أقارب الضحايا وإرجاع الجثث إليهم لدفنها تبعاً للتقاليد والأعراف الدينية . وأقوم أيضاً بالتعاون مع جامعة الإمارات لمقارنة هذه البصمة المخترعة ببصمة تجارية أخرى بالتطبيق على عينات من أبناء الإمارات، وهذه الدراسة أيضاً من الدراسات التي سوف أعرضها في مؤتمر العام المقبل، وسوف تسهم أيضاً في قاعدة البيانات الموجودة حالياً . إنه لمن دواعي سروري وإنه ليشرفني أن أكون استثنائياً في هذا المجال وأن أكون متميزاً بحصولي على الدكتوراه، بعدما نلتها بكل فخر، ولكنني مازلت مواصلاً ومتابعاً للتطورات في المجال، فمن النادر أن نجد من ينهي درجة الدكتوراه مع ارتباطه بهذا العدد من البحوث والتعاون .
العمل الشرطي والبحث الجنائي في الإمارات حقق طفرة هائلة في استخدام التكنولوجيا الحديثة والمهارات البشرية والتقنية في الكشف عن الجرائم، كيف تقيم هذا التطور خاصة أنك قمت بالاحتكاك مع مدارس عالمية أخرى في هذا المجال؟
نحن دولة استثنائية، ولله الحمد فإننا لا نقصر عن غيرنا من دول العالم في العمل الشرطي سواء من ناحية المهارات البشرية أو من ناحية التكنولوجيا المستخدمة، بل تفوقنا عليهم في بعض المجالات، فإذا أخذنا على سبيل المثال البصمة المخترعة فها نحن الآن من الإمارات نصدر التقنية والإنجازات لا نستوردها أو نطبقها فقط، وإنني على يقين بأننا سوف نسبق الركب وسوف تكون لدينا مختبرات عصرية في جميع أنحاء الدولة، وسوف نكون منصة لتصدير العلم والابتكارات وتدريب الكوادر من شتى أنحاء العالم .
ماذا كان شعورك عندما علمت بتكريمك ضمن الأوائل في عيد الاتحاد 43؟
كنت في برنامج تدريبي على أحدث الأجهزة في مجال الحمض النووي على مستوى العالم في ألمانيا، ومن فرحتي بالخبر أبيت إلا أن أعود إلى أرض الوطن لأحظى بهذا الشرف العظيم، علماً بأن موعد مناقشة رسالة الدكتوراه كان في اليوم التالي بعد التكريم مباشره في المملكة المتحدة والتي قد اجتزتها بنجاح ولله الحمد .
ما هواياتك بعيداً عن العمل والدراسة؟
القراءة حيث أجد بها مفاتيح العلم والثقافة، فلا بد للإنسان أن يتثقف حيث إننا نحتاج لبعض من الثقافة أحيانا للتعامل مع بعض المواقف التي نصادفها في حياتنا اليومية .
كما أعشق الصيد بالصقور والرماية وأعشق كذلك كل شيء فيه تحد في هذه الحياة .
ما دور الأسرة وأهميتها في حياتك؟
الأسرة هي أساس الحياة، فمن بعد توفيق الله سبحانه وتعالى واهتمام سمو الشيخ حمدان بن محمد آل مكتوم لابتعاثي لنيل درجة الدكتوراه، أعزو توفيقي لرضا الوالدين ودعائهم لي، لا سيما وقوفهم معي وتشجيعي على المثابرة والصبر، وكذلك إخوتي الذين وجدتهم خير عون لي في كل ما احتجت إليه خلال السنوات الثماني التي مكثتها في أستراليا وبريطانيا .
من هو مثلك الأعلى على المستوى الشخصي والمهني؟
والدي -أطال الله في عمره - لا شك أنني مهما عملت جاهداً لأصل إلى ما وصل إليه من خبرة في الحياة فلن أتمكن، وذلك لأن الزمان والظروف التي ترعرع فيها كانت تختلف كلياً عما نعيشه في الحاضر، فهو من المعاصرين الذين تعبوا وشقوا للوصول إلى ما نعيشه الآن، قناعتي بأن المواقف والظروف تعلمنا الصبر والحكمة والبذل للوصول إلى مبتغانا . أما على المستوى المهني فقدوتي هو صاحب الرقم واحد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله وأطال في عمره، حيث إنني استمد التحفيز من شخصيته وكلماته التي دائماً تتردد في ذهني .
ما طموحاتك المهنية والشخصية؟
أتمنى أن أكون عند حسن ظن القيادة الرشيدة وأتمنى المساهمة في تعزيز مكانة شرطة دبي بشكل خاص والإمارات بشكل عام على مستوى العالم، فإننا لسنا بمختلفين عن الغرب أو من يعرفون بالدول المتقدمة، ولا أجد فيما وصلت إليه إلا خطوة واحدة في طريقنا للعالمية، لا سيما إنني أطمح للمساهمة في تحقيق نظرة القيادة في إيجاد "مختبر جنائي عصري" في دبي حيث يكون وجهة خبراء العالم العربي وخبراء العالم الغربي أيضاً . أما طموحاتي الشخصية فرضا الله تعالى ورضا الوالدين من أولوياتي في الحياة، أن أكون شخصاً فعالاً في المجتمع وأترك بصمة طيبة في الحياة .

القناعة والتواضع

يقول د . راشد الغافري عن سماته الشخصية: "أتحلى بالقناعة و"التواضع" و"المنطقية"، فالقناعة ذلك العامل الذي شجعني وعلمني كيف أحقق اهدافي عن طريق ما تيسر لي من موارد، فهذا الطريق الذي أجده غالباً يميزني حيث إنه يبعدني عن التقليد ويميل بي إلى الابتكار والابداع، أما التواضع فهو صفه تجعلني أرى جميع البشر حولي سواء، فإن هذه الصفة تعلمني كيف أقدّر التفاوت في القدرات بين الناس، وكذلك هذه الصفة تجعلني أرى أنه مهما وصلت إلى مرحلة في الحياة فإن جميع من لم يصلوا بعد إليها قادرون على ذلك وكذلك الذين في مراحل أعلى من المراحل التي وصلت اليها فإنني قادر على بلوغها، أما عن المنطقية فإنني ألازمها في جميع التجارب التي أمر بها في هذه الحياة، حيث إنها تساعدني شخصياً على التعرف إلى الطرق المغلقة والمتاحة . وبشكل عام فأنا شخص أحب التميز اقتداء بالقيادة الرشيدة .