على مدى أكثر من ربع قرن قدمت العالمة المصرية الدكتورة زينب الديب تجربتها الرائدة في بحوث وعلوم الأنثروبولوجيا التطبيقية والمرئية، موثقة ذلك بالصوت والصورة، وكانت أول تجربة أكاديمية وصفية في هذا المجال، ومن ثم أطلقت جامعة السوربون في فرنسا على أطروحتها للحصول على دكتوراه الدولة وصف مصر الاثنوغرافي المرئي في القرن العشرين .
خاضت الدكتورة زينب الديب مع النظام السابق في مصر معارك، حالت دون تطبيق مشروعاتها التنموية للحصول على الغذاء الآمن، لا سيما القمح الذي لا يوفر فقط رغيف العيش النظيف لكنه يستعيد أيضاً كرامة وسيادة الإنسان المصري .
تحكي الديب ذكرياتها الأولى في منزل جدها الشيخ أحمد الديب، أحد كبار علماء الأزهر الشريف، حيث يتجسد أمامها شكل البوابة الكبيرة والحديقة الواسعة والمضيفة التي كان يستضيف فيها الجد تلامذته من طلاب الأزهر فيقدم لهم المساعدات والمنح الدراسية .
تقول الديب: أتذكر جيداً منزل جدي ومدى ارتباطي بالزراعة التي هي جزء متواصل مع الطبيعة، كنت صديقة لكل أنواع الزرع والفاكهة بالحديقة، كما كنت أتتبع تقاطع أشعة الشمس بأشكالها الهندسية من خلال مشربيات المنزل، فبناء المنزل يشكل في رأيي جزءاً من بناء الإنسان والطفل خاصة، لذلك فإن عراقة منزل جدي تكمن في العمق التاريخي والقيمي الذي شكّل وجداني حتى هذه اللحظة .
كنت أفخر دوما الكلام لزينب الديب بانتمائي إلى كبير العلماء الذي تعلمت منه الحب والعدل والمساواة والذي آثرت أن أطلق اسمه على المعهد الذي أنشئ باسمي في باريس، تكريماً لذكراه .
أما قصة زواج الوالدين فكانت لها دلالة خاصة في حياتي تقول الدكتورة الديب حيث جرى العرف في ذلك الوقت في بيت جدي لأمي أن يدخل المولود إذا كان ذكراً على أبيه وسط مجلسه ليعلن فرحته بقدوم الولد، أما إذا كانت أنثى فيكتفي الخدم بالهمس في أذنه من دون الإتيان بالبنت، وفي إحدى زيارات الشيخ الديب لصديقه الشيخ يوسف وجد الخادم يجلس على السلم مكتئبا لأنه لا يدري كيف يخبر العمدة بأن زوجته أنجبت بنتًا فطلب جدي منه الإتيان بالمولودة ودخل بها على أبيها وسط مجلسه، وكان برفقته ابنه محمد البالغ من العمر 10 سنوات، فطلب تزويج ابنه للمولودة التي هي أمي، وتوفي الصديقان الجدان، وتولت الجدات تحقيق الوصية، وقد تزوج الأبوان في نهاية الأربعينات، وكنت أنا الابنة الكبرى لأربع شقيقات .
وتوفي أبي شابا، بعد 12 عاما، هي كل سنواته التي قضاها مع أمي، كان عمري آنذاك لا يتجاوز عشر سنوات، وكان أبي حاصلاً على شهادة العالمية والأول على دفعته، وقد أرسل ليلقي كلمة الأزهر مع ما ترسله مصر من كسوة الكعبة إلى السعودية، ثم ترشح بعد الحج لبعثة دراسية في فرنسا، لكنه رفض كي لا يترك والدته بمفردها، لأنه كان أصغر أبنائها .
بغياب الجدة ثم الوالد أصبحت أمي هي الراعي لهذه الأسرة، وكانت سيدة جميلة وشاعرة تعلمت في بيت أبيها، ولم تلتحق بالمدرسة ومع ذلك أصرت على تعليم البنات حتى الجامعة، وقررت أن تهب حياتها لنا، وباعت مجوهراتها حتى أكمل تعليمي بجامعة السوربون فكانت مثلا أعلى في التضحية والعطاء .
تقول الدكتورة زينب الديب: في العام 1965 حصلت على الثانوية العامة، وبعد وفاة والدي، تعددت زياراتنا لقريتنا بالمنوفية، ما جعلني أرتبط بالفلاح وبالأرض، ورغم أن الخروج كان ممنوعاً فإنني كنت أخرج من الباب الخلفي لألتقي الفلاحين، وأشاهد أوقات الحصاد وحفلات الزواج، فكنت أراهم رغم فقرهم أسعد حالاً من أسرتي الغنية، وقررت الالتحاق بكلية الفنون الجميلة لأنني أحببت العمارة، وكنت أتمنى أن أعيد بناء بيت جدي الشيخ الديب، ثم تقدمت للجامعة الأمريكية، والتحقت بقسم علم الأنثروبولوجي وأحببته كثيراً، وقدمت بحثاً عن الحياة في الأحياء الشعبية وأثناء مناقشة البحث كان الدكتور ثروت عكاشة حاضراً، وطلب مني أن أتقدم للالتحاق بأكاديمية الفنون قسم الديكور، حيث أتيحت لي دراسة الطرز المعمارية المصرية .
وكانت نكسة العام ،6791 فأغلقت الجامعة الأمريكية وأكملت تعليمي في الأكاديمية وعملت مهندسة ديكور وعمارة، وبدأ مشواري مع الدراسات العليا بالتعاون مع المركز الإقليمي في اليونيسكو، وكان تركيزي على الريف المصري، وقدمت بحثا وضعته اليونيسكو في مقدمة الأبحاث بعنوان ذهبنا للريف المصري لنعلم الفلاح أبجديات اللغة فعلمنا أبجديات الحياة وحصل البحث على جائزة .
وفي العام 1975 كررت اليونيسكو التجربة في الجزائر فسافرت لمدة عام وهناك تأكدت أن التنمية لن تحدث إلا إذا عدنا لجذور الحضارة المصرية، وأن مخزون الثقافة والمنهج الحياتي اليومي للإنسان المصري، لا سيما الفلاح، هو بمثابة أكبر موسوعة معرفية لعودة البصمة والهوية للزراعة والصناعة والأسرة والأمة .
حلمت بهذه الأمة الكلام للدكتورة زينب الديب وسافرت إلى باريس عام 1978 وسجلت مع أكبر عالم للبحوث الأنثروبولوجية المرئية وتحديدا عن الأجناس والأعراق أو الأصول، حتى لا يقتصر البحث على الإنسان فقط، لكن يتناوله في منظومة متكاملة شاملة مع الزرع والضرع والبيئة المحيطة .
من هذا المنطلق كان بحثي الذي قدمته على مدى عشر سنوات لوصف مصر، وحصلت من خلاله على دكتوراه الدولة من جامعة السوربون كأول متخصصة في علم الأجناس، وكان فحوى الرسالة: التواصل الحي لفلاحي ما قبل الأسر مع فلاحي مصر من المعاصرين على طول الوادي المصري، من خلال أهم مظاهر الحياة اليومية المتمثلة في الزراعة وصناعة الغذاء، على رأسها رغيف العيش، حيث العودة إلى العناصر الثلاثة: رغيف العيش والبيت والموارد المائية، هذه الأركان للتنمية الإنسانية بالصحراء المصرية، الذي يستهدف إقامة مجتمعات زراعية صناعية حرفية جديدة، بالظهير الصحراوي المتاخم للقرى المصرية القديمة .
بعد حصولي على الدكتوراه تعرفت إلى زوجي الدكتور محمد، أستاذ الأدب الفرنسي، عام 1981 وتزوجنا ورزقنا بابنتنا الوحيدة إيزيس التي تعد الآن رسالة الدكتوراه، وهي متزوجة ومقيمة بفرنسا، كنت أتمنى أن أنجب عددا من الأبناء لكن طبيعة عملي الشاقة حالت دون ذلك .
وفي العام 1987 حصلت على الدكتوراه الثانية، وعدت إلى مصر بعد أن رفضت أرفع المناصب العلمية والعالمية بجامعة السوربون واليونيسكو، وقد استحدث الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة في مصر عام 1989 أول هيكل وظيفي لمسمى درجتي العلمية وهو البحوث الأنثروبولوجية المرئية والتطبيقية وكانت أولى تجاربي تفعيل منهج جديد في التنمية يعتمد على الهوية الاثنولوجية لتنمية الزراعة والحفاظ على التنوع البيولوجي للنبات والأنواع الحية، وكذلك حماية الطرز المعمارية المصرية المتوائمة مع البيئة، وتعظيم الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية في العمران والبشرية في حرف البناء المميزة لتنظيم البناء المصري عبر العصور، وتنمية الصناعة المصرية والحرف اليدوية، هذه النهضة التنموية لا يمكن حدوثها من دون حماية وتطهير مجرى النهر وجذره وحرمه وبحيرته، باستصدار تشريع مصر إفريقي عالمي برعاية اليونسكو لاعتبار حوض النيل كاملا محمية طبيعية، وكذلك استصدار تشريع يجرم البناء على الأرض الزراعية وأن يعتبر كل ما تبقى من الوادي القديم محمية طبيعية .
وفي عام 1990 قدمت هذا المشروع لمجلس الشعب المصري، وتمت الموافقة عليه للتعاون مع مراكز البحوث والوزارات المعنية واليونيسكو ومشاركة المجموعة الأوروبية بالتمويل، وكان الهدف الأساسي هو تعظيم التراث الحضاري للتجربة المصرية على مر العصور وربطها بآخر ما وصل إليه العلماء في مصر والعالم .
وبدأت تجربة جديدة عام 1990 يسبقها بحث ميداني لتوفير التقاوي من القمح المصري، واستطعنا زراعة نصف مليون فدان قمح من أجود أنواع القمح التي عرفها المصري القديم، وقدمت النماذج الإرشادية للآبار التي تروي هذه الأفدنة بأسلوب غير مسبوق لمحور تنمية حقيقي بالوادي الجديد، وكانت الخطة الخمسية ممتدة حتى عام 2017 ليبلغ عدد الأفدنة المنزرعة من القمح 5 ملايين فدان تكفل لنا الاكتفاء الذاتي، فضلا عن فائض التصدير .
هذه الإنجازات غير المسبوقة نالت الاعتراف المحلي والعالمي من كبار المسؤولين والعلماء والتي حصلت من خلالها على أهم جائزة للتنمية الإنسانية والحضارية على مستوى العالم، حيث اعتبرها اليونسكو تجربة رائدة يضعها على استراتيجياتها الكبرى المستقبلية كنموذج أمثل للتنمية البشرية، لاسيما في العالم النامي، كما تم بناء بيوت من خامات البيئة واعتبرت أهم تجربة عمرانية حديثة بالريف المصري ما زالت تقف نماذجها الإرشادية على طول الوادي والصحراء الشرقية والغربية شامخة، مؤكدة أن الإنسان المصري قادر على أن يعيد الهوية والروح المصرية وشموخ وعراقة التجربة الحضارية في الآونة الحديثة، وأن بمقدور مصر أن تعود مرة أخرى رائدة بالتاريخ .
وفي العام 1997 توقف المشروع تماما بعد أن ظهرت ثماره للشباب والفلاحين وعرف بالنتائج المبهرة كبار المسؤولين لكنني تعرضت للمطاردات التي وصلت إلى حد التهديد بالقتل والتنكيل والمساومات التي لا تنتهي لوقف المشروع، فآثرت على نفسي أن أقبل المنفى وأسافر إلى باريس حيث أعمل بمعهدي معهد الديب للبحوث الاثنولوجية والتنمية المتواصلة والبيئة في باريس وأواصل مؤتمراتي العلمية باليونيسكو والسوربون لتوفير بعض متطلبات الحياة لي ولأسرتي، لكن بعد ثورة يناير البيضاء حزمت أمتعتي وحملت أبحاثي وعدت إلى القاهرة مع كل العلماء الشرفاء الذين يريدون مستقبلاً باهراً . لأقدم مع شباب الثورة نماذج تنموية لإعادة بناء القرية المصرية وبعض قرى الظهر الصحراوي .