علاقته أكثر من ممتازة بأهله ووالده الذي يعتبره مثله الأعلى في الكفاح والتربية، ولأنه شخص طموح حصل على درجة الدكتوراه في القانون الجنائي من جامعة القاهرة، وترقى في العمل وصولاً إلى وظيفة رئيس محكمة ابتدائية في محكمة الفجيرة، فضلاً عن ترؤسه لجنة التوفيق والمصالحة في المحكمة، ناهيك به أستاذاً جامعياً وباحثاً متخصصاً .

يحب السفر كثيراً وينتهز كل فرصة ممكنة لقضاء العطلة في الخارج، ويتفق مع كل من يعتبر المرأة نصف المجتمع وأساس حركته، كما ينصح الشباب بأن يسعوا وراء المعرفة والاطلاع والبحث العلمي، لأنها صمام الأمان لمشوار حضاري مسؤول .

إنه الدكتور سعيد علي بحبوح النقبي، ومعه كان الحوار التالي:

حدثنا عن نشأتك وأيام الطفولة؟

- ولدت في مدينة خورفكان عام 1975 وأنا الأكبر بين إخوتي، ونشأت ضمن أسرة صغيرة، وعلاقتي كانت ولا تزال قوية بوالدي، فحينما ينشغل بأمور العمل، كنت أساعده في تحمل المسؤولية تجاه المنزل والأسرة، وعلاقتي بأسرتي ممتازة جداً، لأن والدي علمنا أن نتعاون فيما بيننا .

أما أيام الطفولة فهي جميلة وبسيطة، وحياتي آنذاك تركزت ما بين ثلاثية الدراسة، المنزل، الأصدقاء، لكن أحلى ما في الماضي وأيام الطفولة، أن الحياة بسيطة، والناس يعيشون بتعاون وتآلف، ولم تكن الحياة الاجتماعية معقدة كما هي اليوم، حيث يزدحم النشاط اليومي في هذه الأيام، ومحظوظ من يكرس بعضاً من وقته للواجبات الاجتماعية والتواصل مع محيطه من الجيران والأصدقاء .

نعم، يمكنك القول إني أشتاق لأيام الماضي، أقلها أن الحياة آنذاك كانت سهلة والعلاقات بين الناس قوية وحميمية .

أكثر من ممتازة

علاقتك بالأهل والمكان كيف تصفها؟

- إنها أكثر من ممتازة، وأحافظ عليها، وأصدقك القول إن أكدت لك أن ارتباطي بالعائلة زاد أكثر، لأنهم أهلي أولاً وأخيراً ولأنني أعتز بهم، وأقول لك بفخر إن والدي الذي لم يتعلم في حياته، عوض هذا النقص بأن علمنا جميعاً، وشد على أيادينا بضرورة الارتقاء والتطور الدراسي، ولذلك فإن إخوتي من الذكور والإناث جميعهم متعلمون، ومنهم المدرس، والمهندس والضابط .

مراحل الدراسة المختلفة، ماذا تقول عنها؟

- في مدارس مدينة خورفكان قضيت كل دراستي، إلى أن حصلت على الثانوية العامة (القسم الأدبي) سنة 1993 وكنت الأول على الفصل والثالث في الترتيب العام للمدرسة، ثم التحقت بجامعة الإمارات، وتخرجت في كلية الحقوق عام 1997 وبعدها انقطعت عن الدراسة بحكم العمل، لكن بفضل الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، استطعت استكمال الدراسات العليا، وحصلت على بعثة دراسية عام 2003 وفي العام 2009 نلت درجة الدكتوراه بتقدير جيد جداً في القانون الجنائي من جامعة القاهرة، حول موضوع المواجهة الجنائية للإرهاب الدولي .

لماذا درست الحقوق؟ وهل حققت ما كنت تطمح إليه؟

- أولاً يمكن القول إنني أحببت دخول هذا المجال، وثانياً توفرت الرغبة لدي ليس لأنني أحببت الحقوق فحسب، وإنما شكلت الدراسة تحدياً بالنسبة لي، ودخلت هذا التحدي والسباق، ولقد كان الفضل في ذلك لعمي الذي شجعني على الالتحاق بكلية الحقوق، باعتبارها كلية مهمة ترتبط بمهنة محترمة وصعبة .

في الشق الثاني من سؤالك، لا يسعني إلا أن أقول: إنني راضٍ عن نفسي وعن تحصيلي العلمي والمهني، لكن كما تعلم فإن أي إنسان ناجح يسعى دائماً إلى توسيع طموحه، وطموحي العلمي يتمثل في الاستزادة من البحث العلمي والاطلاع، وأما على صعيد المهنة، فأنني أطمح إلى خدمة المجتمع وتحقيق العدالة، وكلما نجحت في ذلك شعرت بالرضا أكثر وأكثر .

أسرة د . سعيد، ماذا تقول عنها؟

- لدي ستة أبناء، نصفهم ذكور والباقي إناث، أكبرهم عمره 13 عاماً، وأصغرهم عمره ثلاث سنوات . أحبهم كثيراً وأخصص وقتي لهم، خصوصاً أيام العطل والإجازات، حيث نذهب معاً إلى دول مختلفة، وأسجل هنا تقديري لزوجتي التي ربت الأولاد في أثناء فترة دراستي الخارجية في مصر، لكن بعد عودتي، شاركت زوجتي في تربية الأبناء والحرص على تلبية طلباتهم وتعليمهم .

الأسرة أولاً

هل تجد وقتاً للأسرة في ظل زحمة أجندة العمل؟

- أولوياتي للأسرة بالطبع، وأحاول تحقيق نوع من المساواة بين كوني قاضياً وأكاديمياً، وبين علاقاتي الأسرية والاجتماعية، وفي أوقات الفراغ أهتم بأسرتي، وأفضل قضاء وقتي معها في السياحة الخارجية كما سبق القول وإذا كان لدي وقت زائد فإنني أطالع كتباً وأنبري للكتابة .

هل تفضل أن يكون أصدقاؤك من الوسط الاجتماعي أم المهني؟

- أرتاح وأفضل أصدقاء الوسط المهني، لأن القاضي تحكمه ظروف معينة في اختيار الأصدقاء، ومع ذلك لدي أصدقاء ضمن الوسط الاجتماعي ولا أقطع علاقاتي بأحد وأنا راضٍ تماماً عن علاقاتي الاجتماعية .

حدثنا عن بطاقتك المهنية؟

- مشواري مع المهنة بدأ منذ أنهيت دراسة البكالوريوس من جامعة الإمارات، والبداية مهنة وكيل نيابة عام ،1997 وبعدها ترقيت إلى درجة وكيل أول عام ،2001 ثم في العام 2006 ترقيت إلى رئيس نيابة، وبعد ذلك وفي أقل من عام ترقيت إلى درجة قاض ابتدائي، وفي العام 2011 ترقيت إلى درجة رئيس محكمة ابتدائية، وهي درجتي الحالية . وإضافةً إلى ذلك، أترأس لجنة التوفيق والمصالحة في محكمة الفجيرة، وهذه اللجنة تعرض عليها الدعاوى المدنية والحقوقية طبقاً لنص القانون، قبل إحالتها إلى المحاكم، وتحاول اللجنة عقد الصلح والتسوية بين أطراف النزاع للوصول إلى حل ودي ينهي النزاع .

برأيك، من القاضي والمحامي الناجحان؟

- القاضي والمحامي يشتركان في بعض الصفات ويختلفان في أخرى، فالقاضي الناجح هو ذلك الرجل المُطلع والقارئ الذي يبحث في بطون الكتب المتخصصة وفي كل ما هو جديد، ولابد أن يتمتع بالصبر والحكمة وسرعة البديهة، وأن يكون صاحب قرار وصاحب كاريزما، وألا يتحرج من السؤال والمشورة، حتى مع من هو أقل منه خبرةً وعلماً .

والمحامي الناجح هو الذي يتمتع بالأمانة والثقة بالنفس وقوة إبداء الرأي وصاحب البديهة والذكاء والاطلاع المستمر، والقدرة الفاعلة على التقصي والبحث، ومن المهم أن يكون واضحاً وصادقاً مع موكله، ويمتلك أسلوباً علمياً وفنياً ومهنياً عند الترافع أمام القضاء .

ومن الصفات المشتركة بين الاثنين، حضور وصحوة الضمير، فلا يجب أن يغيب هنا، لأنه صوت العقل السليم، والأقدر على توجيه البوصلة نحو الحق، لما في ذلك من خير للمجتمع وسلامته ولمجرى العدالة .

تخصيص القضاء

قضايا الأحوال الشخصية، القضايا الجنائية، القضايا المدنية، هل ثمة فوارق عند تعامل القاضي معها؟

- قطعاً هناك فوارق، وعلى القاضي أن يكيف نفسه مع كل قضية تعرض عليه، لأن القضايا تختلف في نوعيتها وأطرافها، وكل قضية لها طبيعتها الخاصة، فالقضايا الأسرية تختلف عن الجنائية، والأخيرة تختلف عن القضايا المدنية وهكذا دواليك، لكن برأيي الشخصي، أنه كلما كان هنالك تخصيص في القضاء كان ذلك أفضل، لأنه سيعني سرعة الفصل في القضايا والدقة في إصدار الأحكام . . إلخ .

علاقتك بالسفر؟

- علاقة حب من طرفين، فأنا أعشق السفر وأنتهز الإجازات حتى أشد الرحال إلى دول مختلفة، وتعلم أن عمل القضاء متعب ذهنياً وجسدياً، ولذلك كلما وجدت نفسي في راحة آمنة، أقصد دولاً بهدف قضاء العطلة والتعرف إلى ثقافاتها، فالسفر بالنسبة لي ليس هواية فحسب، وإمتاعاً للعين بالمناظر الطبيعية الخلابة، وإنما يعني أيضاً التعرف إلى ثقافات الشعوب وفكرها وفلسفتها في الحياة، وعليه فإن البلاد التي أقصدها لا أضعها في أجندتي السياحية المستقبلية، لأنني أحب التنويع واستكشاف بلدان جديدة .

ماذا عن هواياتك المفضلة؟

- السفر أولاً وأخيراً، لكن هناك هوايات أخرى مثل البحث والاطلاع، وتخيل أنني لا أحب على سبيل المثال كرة القدم ولست من متابعيها على شاشات التلفزيون، كما أنني لا أجيد السباحة ولا أهواها .

مثلك الأعلى؟

- مثلي الأعلى هو والدي، الذي سجل مثالاً مشرفاً في الكفاح من أجل أن نحصل على حياة آمنة ومحترمة، وأكرر لك أن والدي الأمي الذي لم يكن يقرأ أو يكتب، خرج أسرةً متعلمة وأتحدث هنا عن فترة كانت صعبة، هي فترة السبعينيات من القرن الماضي، حيث الدولة فتية وتشق طريقها نحو مكانة متميزة على خارطة العالم .

أيضاً أقتدي بكل من هو أكبر مني علماً وسناً، ولا أنظر إلى نفسي باعتباري فلتة العصر، وأنني أنجزت كل مراحل الدراسة، فما زلنا ننهل من هذه الحياة وأمامنا الكثير حتى نتعلم .

المرأة، ماذا تعني لك؟

- أتفق مع كل من يقول إن المرأة تشكل نصف المجتمع، لأنها الأم والزوجة والصديقة وهي أساس حركة المجتمع، فعلى سبيل المثال زوجتي لها الفضل حقيقةً في الوقوف إلى جانبي في أوقات صعبة حين كنت مبتعثاً للدراسة في الخارج، وما زلت أعتمد عليها في تربية الأولاد وفي تمشية أحوالنا المنزلية والاجتماعية .

حياة أقل صخباً

ماذا تفعل في رمضان؟

- حياتي في رمضان أقل صخباً من الأيام العادية، ففي الأيام العادية تجدني غارقاً في العمل الصباحي إذ أمارس مهنتي كقاضٍ، ومن ثم التدريس في الجامعات، والتنقل بين جامعة عجمان ومعهد التدريب والدراسات القضائية في الشارقة لإعطاء المحاضرات، وبين هذا وذاك أشارك في مؤتمرات واجتماعات، ثم أقصد المنزل وأزور أهلي والأصدقاء، وهذا نسميه الروتين اليومي . لكن في رمضان، أمارس مهنة القضاء، وأتوقف عن التدريس في هذا الشهر الفضيل، وأخصص وقتاً للعبادات، كما أحرص على تأدية عمرة رمضان كل عام، وطبعاً أزور الأقارب وأصل الأرحام .

ما رأيك في وسائل الاتصال الحديثة والمواقع التفاعلية الإلكترونية؟

- باختصار، إنها سلاح ذو حدين، فهناك من يستغلها في الجانب الإيجابي والبحث والاطلاع وتطوير الذات والتواصل الاجتماعي والحضاري مع الآخرين، وعلى الجانب الآخر تجد من يستغلها في سلوكيات لا أخلاقية وفي ارتكاب الجرائم، وفي كل الأحوال ينبغي متابعة هذه الوسائل من قبل الأهالي، فهي نعمة إذا ما تم استخدامها بطرائق إيجابية وضمن أوقات محددة .

موقف طريف تعرضت له أثناء ممارسة عملك؟

- ذات يوم، وبينما كنت أعمل رئيس نيابة، عُرض علي أحد المتهمين، وأثناء التحقيق معه، وجّه إلي سؤالاً سألت عنك أثناء توقيفي في الحبس وقيل لي إنك شخص طيب ومتواضع، لكن ما أشاهده الآن شخصية أخرى، لماذا أنت كذلك؟، ضحكت هنيهةً وناولته سؤالاً من الذي أحضرك أمامي اليوم؟، فأجاب المتهم باستغراب ما قصدك من السؤال؟، أعدته عليه بطريقة أخرى من الذي حضر إلى الثاني، أنت أم أنا؟، رد المتهم أنا، فقلت له هذا هو الجواب على سؤالك .

الرسالة من هذه الواقعة مفادها أن شخصية القاضي ووكيل النيابة تحكمها اعتبارات كثيرة، لعل أهمها ألا يتأثر القاضي بأية ظروف، كأن يضعف تحت أي موقف، لأنه لا سلطان على القاضي بعد مخافة الله إلا ضميره والقانون .

وعلى كل حال، أنا في العمل وأمام المنصة قاض، لكني في المنزل أو في إطار العلاقات الاجتماعية لا أستدعي شخصية القاضي، ففي البيت مثلاً تجدني زوجاً وأباً، فجيد أن نفصل بين الحياة العامة، حياة الوظيفة والمهنة، وبين الحياة الخاصة .

رسالتك للجيل الجديد؟

- لا يوجد هناك مستحيل في ظل الظروف والإمكانات التي أتاحتها الدولة، وفي ظل القيادة الرشيدة وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، الذي أتاح لهذا الجيل كل ما هو ممكن لتحقيق الخير والرفاهية، ولا يبقى على الشباب سوى خدمة الوطن ورد الجميل، وهنا أحث الشباب على السعي وراء المعرفة والعلم والاطلاع والبحث العلمي، لأنها صمام الأمان لمشوار تقدمي وحضاري مسؤول، والأهم ألا ينساق هذا الجيل وراء مغريات الحياة وألا يتأثر بالأفكار الهدامة.