من منا لم يسمع بالدكتور عبدالرحمن مخلوف الذي نشاهد صوره كثيرا برفقة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أثناء تفقده المشاريع الإنمائية في أبوظبي منذ السنين الأولى لتوليه مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، الذي وضع تخطيطاً حديثاً لمدينة أبوظبي، والذي يأخذنا في رحلة الذكريات التي تبدأ في جمهورية مصر العزيزة وتنتهي بنا في أبوظبي، ويمر خلالها في محطات الدراسة والشباب وبدايات العمل والتخصص في تنظيم وتخطيط المدن، ويصرح لنا في هذا اللقاء بأنه تعلم العديد من النظريات التخطيطية والعمرانية من مدرسة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس الدولة طيب الله ثراه، التي لم يتعلمها من كبريات الجامعات العالمية، وقد وجد في مدرسة وجامعة الشيخ زايد الكثير من العلوم والدروس التي يجب أن تسجل وتعلم للأجيال المقبلة .

أنا عبدالرحمن حسنين مخلوف من مواليد عام ،1924 ولدت ونشأت في أسرة اشتهر رجالها بكونهم علماء أزهريين، كان أكثرهم أعضاء في هيئة علماء الأزهر، وشغل بعضهم منصب مفتي الديار المصرية، وكان مقدراً لي أن أسلك هذا الطريق لولا أن أصر أخوتي الكبار، رحمهم الله، على أن أسلك طريق التعليم الحديث بدلا من التعليم الديني، وكان ذاك حيث درست في المدارس النظامية إلى أن أنهيت المرحلة الثانوية ثم التحقت بجامعة القاهرة ودرست في كلية الهندسة قسم العمارة وتخرجت فيها عام 1950 وعينت معيداً بها في عام ،1951 ثم مدرسا بعد حصولي على شهادة الدكتوراه من جامعة ميونيخ عام 1957 .

منذ طفولتي وأنا أحب في لعبي أن أرسم أشكالا هندسية وتصاميم عمرانية لمختلف المباني، وكنت مولعاً بتفاصيل العمارة، ونما حبي هذا مع نموي وكبري حتى دخلت الجامعة وتخصصت في الهندسة، وكانت صورتا المدينة المنورة ومكة المكرمة من أوائل الصور التي رأيتها لمدن عربية وإسلامية شهيرة، وهما المدينتان المقدستان، وكلما كانت تقع عيني على صورة المدينة المنورة أو مكة المكرمة كنت أتمنى وأدعو الله أن يشرفني بعملية تخطيط هاتين المدينتين المقدستين، وشاءت الأقدار أن انتدبت للعمل في هيئة الأمم المتحدة كخبير لتخطيط المدن، وطلبت المملكة العربية السعودية العام 1959 من الأمم المتحدة تزويدها بخبير لتخطيط المدن على أن يكون مسلماً، وذلك لتخطيط بعض مدنها فتم تكليفي بهذه المهمة، وعرفت أن الله قد استجاب دعائي فبقيت في المملكة إلى العام 1963 قمت خلالها بإنشاء جهاز تخطيط المدن وأنجزت مشروعات التخطيط العمراني لكل من مدينة جدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة وينبع وجيزان، ولله الحمد على تشريفي بهذا العمل العظيم .

القاهرة الكبرى وأبوظبي

بعد أن انتهت مهمتي في المملكة العربية السعودية الشقيقة عدت إلى القاهرة عام 1964 ورجعت إلى عملي أستاذاً في الجامعة، وفي تلك السنة قمت بعمل بحث علمي عن أوضاع ومستقبل مدينة القاهرة والجيزة كإقليم عمراني متكامل ووضعت مخططاً مستقبلياً لهما اقترحت فيه المدن الصحراوية الواقعة على طريق السويس والفيوم واقترحت إنشاء الطريق الدائري حول القاهرة الكبرى، وفي العام 1965 عينت أستاذاً لتخطيط المدن وخلال هذه الفترة حققت تطويراً في منهج تدريس مادة تخطيط المدن بأقسام العمارة في جامعة القاهرة وجامعة أسيوط وجامعة الأزهر، وانتدبت عام 1966 للعمل مديراً عاماً لإدارة التخطيط العمراني للقاهرة الكبرى، وأنشأت الهيكل التنظيمي للجهاز التخطيطي والتنفيذي وأشرفت على إعداد التخطيط التمهيدي للقاهرة الكبرى في عام ،1966 وقمت بإعداد التخطيط العمراني لكل من منطقة شبرا الخيمة الصناعية في عام 1966 والمنطقة الحرة في بور سعيد في عام ،1967 وأسهمت في بعض مراحل إعداد تخطيط مدن جديدة في مصر مثل مدينة العبور ومدينة العريش الجديدة وغيرها من مدن جديدة .

في العام 1968 طلب حاكم أبوظبي عهد ذاك المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من الأمم المتحدة إرسال خبير لتخطيط المدن إلى أبوظبي للمساعدة في إعداد المخطط العام لمدينة أبوظبي، فتم ترشيحي لهذه المهمة، فعينت مديراً لتخطيط المدن في أبوظبي حيث توليت مهام تخطيط المدن فيها وإنشاء دائرة تخطيط المدن في كل من مدينتي أبوظبي والعين، وكان ذلك لمدة سبع سنين ونصف السنة، وفي مايو/أيار 1976 أسست المكتب العربي للتخطيط والعمارة وفيه قمت بالعديد من المشروعات العمرانية والتخطيطية في الإمارات، وانتدبت أستاذاً محاضراً لمادة التخطيط العمراني في كلية الهندسة بجامعة الإمارات من العامين الدراسيين 83-1984 و84-1985 .

طبيعة أصيلة

عند وصولي إلى أبوظبي استقبلني المرحوم سعيد بن سلطان الدرمكي مدير التشريفات وأخذني إلى الشيخ زايد رحمه الله، وكما يقولون إن الإنسان يضع تصوره عن أي شخص من أول نظرة وأول موقف يجمع بينه وبين الأشخاص ، وأنا بمجرد وقوع نظري في نظر الشيخ زايد، رحمه الله، ومصافحته استقبلني ذلك الاستقبال الحار وأكرمني كل ذلك الكرم التي تجلت في الحفاوة المبالغ فيها في الاستقبال، وبعدها عرفت أنه يستقبل ضيوفه كلهم بهذه الحفاوة والكرم النابع من طبيعته الأصيلة من دون تفريق بين أحد منهم لمنصبه أو مكانته الاجتماعية .

تمتع الشيخ زايد، رحمه الله، بشخصية فريدة قلما تتكرر في زمنه أو غيره من الزمان، ولعلنا جميعا وقفنا على هذه الشخصية من خلال سيرته العظيمة، والأعمال الخالدة التي تركها، والإنجازات الضخمة التي أسسها وبناها للأجيال، ولعل المحيطين والقريبين منه أدركوا أكثر من غيرهم ووقفوا على مميزات هذه الشخصية بحكم تعاملهم المباشر معه، رحمه الله، وأنا من خلال عشرتي معه والتي امتدت لأكثر من ثلاثين عاما، وقفت على جوانب كثيرة من شخصيته، التي كونتها من خلال انطباعاتي الشخصية من الأمور التي أدركتها وشهدتها شخصيا، وتلك التي سمعتها من غيري ممن احتك به ولو لمرة واحدة وكوّن فكرة عن هذا الرجل العظيم، فقد كان رحمه الله في محياه القوة والمهابة، وهذه الصفات يدركها كل من يلتقي معه للوهلة الأولى، سواء أكان رجلاً عادياً أم أي شخصية لها مكانتها سواء أكان رئيس دولة أم صاحب منصب رفيع أو أي ممثل أو سفير لدولة من الدول الكبرى أو الصغيرة، وكان رحمه الله يشع بالجاذبية والبشاشة، وترى هذه الصفة لا تفارقه وهو في أكثر حالات التعب والإرهاق التي تسببه كثرة حراكه وتنقله بين المشاريع والوقوف على أمور الإمارة والدولة والقضايا المحلية والإقليمية والعالمية، فقد كان رغم تلك المشاغل العظيمة بشوشاً مبتسماً يلقي عليك الأنس والراحة والسكينة، وكان ملء لمحاته العزم والشجاعة، وهذه الصفة أدركها الجميع بمجرد النظر إليه أو نظره إليهم، فقد كان رحمه الله شجاعاً في اتخاذ قراراته، ولعل التاريخ سجل له العديد من المواقف التي وقف فيها بكل عزم وشجاعة على كافة الصعد، وهذه الوقفات التاريخية لا تعد ولا تحصى، وكان في خطاه الإقدام والجسارة، فلم نجده يوماً تراجع أو جبن عن اتخاذ وتنفيذ أي أمر أمضاه، ما لم يجد فيه ضرراً أو عدم جدوى وفائدة، لأن التوقف عن الخطأ كما يرى وكما كان يقول، هو أكبر شجاعة، وليست الشجاعة لديه في الإصرار على الخطأ والتعنت والاعتراف بالخطأ ومن ثم تصويبه، وهنا تكون الشجاعة الكبرى، وكان رحمه الله يتحلى بالصبر والمثابرة، وهاتان الصفتان من الأسباب والأسرار الجلية التي كانت وراء أعماله وإنجازاته العظيمة التي تحققت في فترات زمنية قصيرة لا تعد من عمر الدول والشعوب، وكان رحمه الله، شديد التواضع، يحمل قلبا صافيا، وكانت سريرته نقية، تتفجر من جنباته تعابير الرحمة والعطف على كافة البشر والمحيطين به وخاصة ذوي الحاجة، من مواطنين وقاطنين وعرب ومسلمين وحتى غير العرب والمسلمين وصلتهم أياديه وعطاياه السجية، ولم تكن رحمته وعطفه ورعايته للبشر فقط، بل وصلت هذه الرحمة وهذا العطف إلى الحيوانات والنباتات أيضا، والتي وفر لها سبل العيش والحياة حتى أصبح أبو البيئة وأبو الطبيعة، وكرّمه العالم باختياره شخصية العام العالمية لمحافظته على البيئة وحمايتها من كل ما يضرها ويسيء إليها، بل قام بتطويرها وتنميتها حتى أصبحت أرض الإمارات جناناً ترتع فيها الحيوانات والطيور وتنبت فيها مختلف النباتات والأشجار، وزرع أشجار الفاكهة والمحاصيل المختلفة التي لم تكن معهودة في هذه البقعة الصحراوية من العالم، وزرع البر والبحر بمختلف النباتات والأشجار التي زرع أكثرها بيده رحمه الله .

المشروع والتنفيذ

من منا لم يطلق على الشيخ زايد اسم زايد الخير؟ فقد كان رحمه الله خيراً وفيرا في كل أفعاله وأقواله، وقد تشربت شخصيته بصفات عظيمة استمدها من دينه السمح وعروبته الأصيلة، فقد ارتكزت شخصيته وتربت على المبادئ والقيم الإسلامية السمحاء، وتأثر كثيرا بالقرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة والتاريخ الإسلامي العظيم، وكانت جميعها المنهل العذب الذي استقى منه معارفه الدينية ومشاعره الإيمانية ومثله العليا في الحياة والحكم، فقد تربى في بيت الحكم الذي ورثه أباً عن جد طيلة قرون مضت، وكان مجلس الحكم في عصر والده وأخيه مدرسة نهل منها الكثير من الدروس التي كونت جوانب شخصيته القيادية والسياسية حتى أصبح ممثلا للحاكم في مدينة العين وهو في سن مبكرة، واستطاع بفضل هذه الشخصية أن يجعل من مدينة العين مدينة مثالية على ضوء ما كان يتمنى ويحلم أن يرى أبوظبي والإمارات كافة عليه مستقبلاً، وكان له ذلك حيث كثيرا ما أجده يقرر ويأمر بالتنفيد في الكثير من المشاريع، وكنت أسأله عن السبب، وكان يجيب، رحمه الله بأنه وضع تصور هذا المشروع وذلك منذ فترة طويلة ولما حان وقت التنفيذ أمرنا بالتنفيذ، وكانت هذه المشاريع من الأسس التي قامت عليها مدينة أبوظبي والإمارات .

دائما كنت أقول إن إخلاص زايد زائد، وأكثر من الحد الذي أعرفه وأعهده في البشر، فقد تمتع، رحمه الله، بالإخلاص في العمل والصدق، وكان هذا هو سر نجاحه في كل ما فعله، لأن في الإخلاص والصدق نجاح الأعمال وقبولها من الله وخلقه، ولو لم يكن الشيخ زايد مخلصاً لله ولشعبه لما رأيت هذه النجاحات التي توالت تباعاً منذ أول يوم تقلد فيه مقاليد الحكم، ومنذ الأيام الأولى التي بدأ فيها مسيرة التأسيس والبناء، وقد امتازت شخصيته بالاعتدال والوسطية وتمثلت في سلوكياته وطريقة عيشه وطبيعة تعامله مع الآخرين ، ولم يتغير زايد منذ الأيام الأولى التي عرفته فيها إلى أن توفاه الله، فقد كان ذلك الرجل البسيط الذي عاش حياة الاعتدال بعيداً عن الملكية والفخامة في العيش، وكان معتدلاً في كافة تفاصيل الحياة، ولعل من أبناء شعبه من عاش حياة أكثر رفاهية وفخامة منه، لأنه وبكل بساطة معدنه أصيل لا يتغير باطناً ولا ظاهراً، فقد كان رحمه الله وسطياً في كل شيء، وكان يتصف بالتروي والواقعية، وهذا ما جعله يتجنب الطفرة والقفز من مكان إلى مكان أبعد، دون أن يعرف أين يسقط بعد قفزته، وكنا أحيانا نرى التسريع في بعض المشاريع والانتقال بها من طفرة إلى طفرة أكبر، ولكنه، رحمه الله، كان يصر على الروية والتروي في إنجاز الأعمال لتدارك الأخطاء والسلبيات التي قد تطرأ على الساحة، فقد كان، رحمه الله، يستبصر المستقبل ويستشرفه بكل إيمان ووضوح وكأنه يراه أمامه رأي العين، وكان هذا سر نجاحه في جعل أبوظبي مدينة متطورة ومتجددة ومتنامية الأطراف دون الحاجة إلى الكثير من الأمور التي يتطلبها التوسع كالهدم وإعادة البناء من جديد، لآنه وضع لكل مرحلة ما تحتاجه، كما أنه لم يغفل عما تحتاجه المراحل القادمة والمستقبلية، فوضع لها ما تحتاجه من كافة الخدمات والمتطلبات، فلهذا تطورت أبوظبي ونمت رويدا رويدا وعلى أسس وقواعد قوية ومتينة، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن بفضل نظرته المستقبلية الصحيحة، ولعل الصفة الأصيلة الكبرى التي امتاز بها هي العدل، فقد حكم بالعدل وجعل العدل أساس حكمه فكان حكمه وملكه قائما على الحق ومبادئ المساواة ونصرة الحق والعدل أينما كان، وصفحات التاريخ سطرت مواقفه في نصرة القضايا العربية والإسلامية والإنسانية، وهي بالكثرة مما يصعب علينا حصرها وعدها .

كان الشيخ زايد، رحمه الله، يفرح في مواقف كثيرة منها عندما يرى الفرح يرتسم على محيا طالبي الحاجات عندما يأمر بتلبيتها، وكذلك عندما يجد أي مشروع أمر بتنفيذه وقد اكتمل، وأذكر أنه عندما جاءنا لزيارة وتفقد مبنى سوق أبوظبي بعد أن أمر بهدم السوق القديم وبناء سوق جديد مكون من مئتي دكان، وقد عرضنا عليه تصميماً وفكرة لسوق مكون من طابقين رفض الفكرة، وقال إن أبوظبي لم تصل في هذه المرحلة إلى بناء سوق ذي طابقين لكونه أكثر من حاجة مدينة أبوظبي، وثانيا إن السوق ذا الطابقين سيوجد إشكالية تملك المواطنين للدكاكين، لأن الدكان الأرضي مقام على قطعة أرض أما الدكان العلوي فإنه يعلو الدكان الأرضي فعند التمليك كيف سنملك صاحب الدكان العلوي، وعند الهدم في المستقبل كيف سنعوضه أيضاً، وأذكر أنه لما تفقد المبنى ووجده قد قطع شوطاً كبيراً أمسكني من يدي وقال لي: اليوم أفرحتني أفرحك الله، فشعرت بسعادة غامرة وأنا أنظر إلى محياه الكريم والنور يشع من وجهه فرحا وغبطة لما رآه، وبعد ذلك وجدت الفرح والسرور باديين على وجهه عندما قام بتوزيع الدكاكين على المواطنين ورأى الفرح بادياً على وجوههم، وكان هذا السوق يعرف عند بنائه باسم سوق مخلوف وبعدها عرف بسوق الهنود وبعده عرف بسوق أبوظبي .

إنني وكل من كان له شرف لقائه والعمل في رحابه لدينا ما نقوله وفاء وعرفاناً وتعريفاً بقدره وفضله، ولعل في تسجيل ذلك إضفاء أضواء على الجهود الكبيرة الشاملة التي بذلها قائد المسيرة وعوناً على التاريخ العلمي لعصر زاهر تحقق على يديه في نحو أربعة عقود من الزمان الكثير من الإنجازات السياسية، ولعل أعظمها إنشاء وتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، التي راهن عليها العالم فكسب الشيخ زايد وشعبه الرهان، وكانت دولة الإمارات ولا تزال المثل الأوحد للوحدة والبناء والنهضة، وتعتبر النهضة العمرانية الشاملة من أكبر إنجازاته رحمه الله، فقد أسس المدن العصرية المتميزة وهي في مجموعها منظومة حضارية باهرة انتظم عقدها في أرجاء الوطن، وكانت نهضته عمرانية شاملة، اجتماعية واقتصادية وفنية، ذات قيمة مميزة، لأنها تعبر بوضوح عن إرادة التطور ومواكبة العصر على نحو شامل متكامل يتمثل ذلك فيما لها من أبعاد وجوانب وخلفيات اجتماعية واقتصادية وفنية.