تزامن مولد د . عبدالله بن محمد يوسف الشيباني ونشأته مع بزوغ فجر الاتحاد، وذلك في بيت علم وفكر ودين وثقافة، وتربى على يد والده المغفور له محمد بن يوسف الشيباني الشيخ الجليل والمعلم والمربي وأحد أعمدة ومؤسسي مدرسة الأحمدية العريقة في دبي . دفعه حب المغامرة الى التفكير بالصدارة دوماً، وأحب الإتقان في العمل وأن يعطي أكثر مما يأخذ وأن يكون نموذجاً للإنسان الذي عمل وفكر وخطّط وفشل الى أن لاقى

النجاح بعد أن اشتد عوده وأصبحت أفكاره تلقى النور وتتحول الى مشروعات ثم الى مبادرات إنسانية ووطنية . وأكثر هذه المبادرات وعمقاً مبادرة (وثيقة الولاء والانتماء) التي أطلقت قبل العيد الأربعين للاتحاد . وفي الحوار معه، يشير الشيباني الى طيبة الإماراتيين وعفويتهم في التعبير عن حبهم لرموزهم وقياداتهم ودولتهم وتقديم الشكر وولائهم التام للوطن الغالي وقيادته الرشيدة . ويتحدث عن محطات في حياته ورؤاه في موضوعات عدة .

هل لك أن تحدثنا عن وثيقة الولاء والانتماء باعتبارك صاحب الفكرة والطرح؟

كانت الوثيقة حلماً كبيراً يرافقني دوماً وتحولت الى خاطرة تداعب نفسي الى أن استقرت في الأعماق وأصبحت قناعة أبناء الوطن بها حقيقة ملموسة وسبلاً في صدارة ثقافة الولاء الخالص لقيادة فذة ومخلصة وانتماء لوطن غال وعزيز في النفوس . وحررت شهادة ميلاد الوثيقة في عاصمة السلام أبوظبي، في 31 مايو/ أيار 2011 وأعلن رسمياً عن عزم أبناء الوطن رفع الوثيقة ولاء وانتماء لقيادة الوطن لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، ورعاه . وبلغ عدد الجنسيات التي سجلت عضويتها أكثر من 129 جنسية والطموحات كبيرة لتخطى المليار، ويحصل كل عضو منتسب في الوثيقة على شهادة عضوية ولاء ليترجموا بكل لغات العالم محبتهم ووفاءهم للإمارات وشيوخها الكرام، علماً بأن الوثيقة ليست أولى مبادراتي .

ما هي مبادراتك الأخرى؟

من خلال تجربتي في مجال العمل العمراني والعقاري والتنموي تمخض في ذهني وأفكاري العديد من البرامج والخطط والمشروعات، ومنها مشروع نحو مستقبل آمن الذي قدمته لإدارة الدفاع المدني في الشارقة وتم الإعلان عنه رسمياً خلال مؤتمر صحفي . وهو عبارة عن تدخل مبكر للحد من الخسائر الناجمة عن الحوادث المنزلية وسهولة الوصول الى موقع الحادث من خلال الكم الهائل من البيانات وإخطار كافة السكان بالحادث عبر رسائل نصية والبريد الالكتروني وتزويد رجل الدفاع المدني بكافة المعلومات عن موقع المبنى ومكوناته وكافة المخططات الخاصة به من خلال منظومة بيانات تقنية . يضاف إلى ذلك للمشروع غرس الثقافة العمرانية في نفوس الأطفال وهو مشروع يساهم في الأمان العمراني للصغار وقدمناه إلى جائزة الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم لإبداعات الطفولة، لتزويد الأطفال والناشئة بالقيم العمرانية وكيفية المحافظة على النسيج العمراني والدور الذي قامت به الدولة في مجال الثورة العمرانية والحد من الحوادث السكنية وتطويق ظاهرة سقوط الأطفال من المباني .

هناك من يقول إن النجاح يبدأ من البيت، ما رأيك بذلك؟

من لم يكن ناجحاً في بيته لا ينجح خارجه، وأعتبر نفسي ناجحاً في بيتي لأنني أب لطفلين وطفلة وهم من الأوائل في مدارسهم ومحافظون على الصلاة ووالدتهم تفهمني وعاشت معي على الحلوة والمرة واستطعنا أن نربي أطفالنا تربية صحيحة، إضافة لوالدتي التي أكن لها كل الاحترام والمحبة وأعطيها قبل أن أعطي لنفسي، وهي أحد أسباب نجاحي . وخلاصة القول إن البيت هو المدرسة الأولى التي نتعلم فيها معنى الحياة وقيمتها .

كيف بدأت حياتك العملية؟

حياتي مجموعة من المحطات المتباينة والوقفات، لأنني عانيت كثيراً ومن العصاميين والمتميزين بعزة النفس . وعندما كنت في سن العشرين فكرت بمشاريع تجارية ولم تساعدني الظروف وتعرضت بعض مشروعاتي وأفكاري للاقتباس، وعملت في مجالات عدة، منها تنظيم المعارض والمهرجانات والنقليات العامة والعقارات وكموظف في محاكم دبي وفي الدفاع المدني وفي البحر بصيد الأسماك .

ماذا تعلمت من البحر؟

كان دوام عملي يبدأ في السابعة والنصف صباحاً وكنت أتواجد قبله بنصف ساعة وأبقى الى بعد نهاية الدوام بساعات ثم أعود للمنزل وأذهب الى (خور دبي) من أجل الصيد وأبقى فيه للساعة الرابعة فجراً تقريباً وأحيانا كنت أقوم بعد عودتي للمنزل بجولات تفتيشية على العمال، للتأكد من الأسعار التي يبيعون بها للزبائن وحركة البيع، كي أعلم الأسعار نظراً لتقلباتها، أما بالنسبة للدروس التي اكتسبتها منه، فالبحر عشق أهل الخليج عامة، لأنهم كانوا يحصلون منه على الغذاء والثروة والحياة والأمل المتجدد، لذلك فإنه علمني الصبر والقناعة والإيمان وتحمل الشدة وتقلبات المناخ وقسوة الطقس والتفكير بالمغامرة حيث كنا أحيانا نخسر تعبنا وتكاليف الرحلة، لان البحر كان يغدر بنا تارة والسوق تارةً أخرى، ولم أتخل عن قاربي حتى اليوم واعتبره بصمة في حياتي أعتز بها كثيراً .

هل تستفيد من الوسائل الالكترونية المتطورة في تسيير أعمالك ؟

قطارا العولمة وتقنية المعلومات متسارعان ومن لا يلحق بهما يتأخر كثيراً، لذلك فإنني دائم الاطلاع والتزود بجديد المعلومات التقنية والالكترونية وأعتمد على التكنولوجيا، لأنها لا تنسى بعكس الإنسان، لذا طوّرت إدارة عملي الى إدارة الكترونية وأدخل كل جديد في مجال عملي وتطويره .

أين يمكن أن نجدك بعيداً عن الضوضاء وزخم الحياة؟

أسرتي ملاذي الأول والحضن الذي أجد فيه نفسي عندما يرهقني عناء الضجيج وضغوط الحياة، ومشكلتي أنني لا أهرب من العمل وعندما أريد أن أرتاح أجد نفسي مع أسرتي سواء داخل أو خارج المنزل . ولست من الناس الذين يهدرون أوقاتهم في ممارسات هامشية، بل أستثمره في ما هو إيجابي وبنّاء وهادف .

وأحب السباحة والبحر وركوب الخيل وهوايات كثيرة، ولا أمارسها الآن نتيجة لظروف عملي، لأنني أريد أن أطوّر نفسي في الحياة العملية، وأحياناً أمارسها عندما آخذ أبنائي معي إلى البحر وأسبح معهم، وهذا بحد ذاته إحياء للهواية وتقرب من أبنائي، وفي الشتاء آخذهم للبر من أجل الاستمتاع برمال وسحر الطبيعة .

وما موقع الصداقة في جدول أوقاتك؟

لدي إيمان بالعلاقات الإنسانية الأخوية النقية وأحترم حدودها، ولدي عدد كبير من الأصدقاء، إلا أني لا أتعمق معهم، كي لا أتدخل في خصوصياتهم .

لمن تلجأ عندما تتعرض لضغوط أو ظروف نفسية صعبة؟

أشتكي إلى الله، لأنني لا أرغب في مضايقة الآخرين وإلقاء همومي عليهم .

هل تمنح أسرتك الوقت الكافي للاهتمام بها كرب أسرة؟

كثيراً ما يطغى العمل وضغوطه على المهام الأسرية، ولكنني أوازن بكل ما أملك من طاقة ما بين الواجبات الأسرية ورسالتي كربّ أسرة ومهام العمل . وأعتبر العمل عبادة والأسرة رسالة ومن واجبنا تأدية الرسالة والعبادة بإنصاف .

ما موقع السفر في جدول اهتماماتك؟

قول الشاعر في الأسفار خمس فوائد حقيقة جوهرية، والسفر يعني لي الكثير وأحبه جداً وأرغب بعد أن يكبر أبنائي في أن نسافر معاً في جولة حول العالم، كي يتعلموا الصبر والثقافات الأخرى، ومن المؤكد أنه سيكون لرحلتنا رسالة وأعتبرها إحدى مفاجآتي التي أخبئها للمستقبل .

هل لوالديك تأثير في تطلعاتك وأفكارك؟

المغفور له والدي مدرستنا الأولى وتعلمت منه الكثير، ولا يزال تاريخه مشرفاً إذ إنه كان خطيباً في جامع الفطيم وإماماً ومأذوناً وهو من مؤسسي التعليم في مدرسة الأحمدية في دبي (نظام المطاوعة الكتاتيب) وعمل والدي معلماً 44 سنة، وقام المغفور له بإذنه تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بتكريمه في السبعينات، وكذلك كرمه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، والمغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، وما تزال صورة والدي معلقة مع نبذة عنه في المدرسة الأحمدية، التي تعتبر متحفاً الآن في دبي، أما والدتي فهي ملهمتي، ومن خلال حنانها وحبها واهتماماتها عرفت معاني كثيرة جداً وما زالت الحضن الآمن لي ولأطفالي .

ما الذي تثيرها كلمة (ذكرى) في مخيلتك؟

الذكرى شريط في سجل الزمن وحروف محفورة في الأعماق، فمنها الجميل والحزين والتجربة والوقفة والدروس . ومن أجمل اللحظات التي أعيشها إلى الآن هي استعادة الذكريات، وليس بالضرورة أن تكون كلها جميلة، إلا أن أجملها بالنسبة لي عندما كنت طفلاً ويخفق قلبا والديّ خوفاً علي إن حصل لي مكروه، وعندما كانت والدتي تقوم باحتضاني وكنت أتخيلها تحميني من العالم بأسره في لحظة براءة مطلقة، ومن اللحظات الجميلة التي لن أنساها عندما كنت اذهب مع والدي للمسجد كي يخطب حيث كنت أتزود بالقيم الروحية، إضافة للذكريات المليئة بالمواقف والدروس .

ما هو طموحك؟

أن يعيش العالم كله في سلام، وتعيش كل الدول حياة هانئة أسوة بالإمارات، وأن يعطي حكامها وقياداتها بقدر ما يعطونه لأبنائها، وألا يكون فرق ما بين جنسية وطبقة وأخرى، وأن تعم ثقافة الشكر والسلام والتعايش السلمي والعطاء والحب والاحترام والوحدة، وأن نأخذ الإمارات نموذجاً للوحدة والتآخي والمحبة وتكون الوثيقة رسالة سلام ترفرف في فضاءات العالم منطلقة من الإمارات الحبيبة واحة السلام العالمي والتعايش السلمي .