هادئ بطبعه، يحب العمل بقدر ما يحب الشعر ويحب العلم الذي نهل منه حتى وصل إلى أعلى مراتبه، بسيط بكل ما تحمل الكلمة من معنى، تقلد مناصب عدة متنقلاً بين العمل الحكومي والخاص، حتى بات من أكثر رجال القانون شهرة في دولة الإمارات، شغل مناصب كثيرة محلية وعربية، كان في جلها الإماراتي الأول الذي يشغل مناصب كهذه .
إنه القانوني الدكتور فهد السبهان الذي كان المركز الأول عنوان مسيرته العملية فهو أول إماراتي تقلد منصب رئيس نيابة في دبي، وأول محام عام كذلك، كما أنه يعتبر أول إماراتي ينتخب رئيساً للمنظمة العربية للقبول والتسجيل في الجامعات العربية . إنجازاته العملية والعلمية، وأفكاره، وجوانب مسيرته الحافلة، محطات نقف عندها في الحوار التالي:
حدثنا عن نشأتك وماذا عن رحلتك العلمية الطويلة؟
ولدت في دبي عام ،1965 وترعرعت بين أحضانها، في أسرة محافظة متوسطة الحال، يغلب عليها طابع التدين، الأمر الذي كان له أثر بالغ في صقل شخصيتي، وفي طفولتي نهلت العلم في البداية من الكتاتيب ثم تنقلت بين عدد من مدارس دبي، ودرست الثانوية في مدرسة الإمام مالك، وواصلت تعليمي إلى أن حصلت على درجة البكالوريوس في القانون من جامعة الإمارات، ومن ثم حصلت على منحة دراسية بالقانون انتقلت على إثرها إلى مصر وأنهيت الدبلوم قبل أن يتم استدعائي لتأسيس النيابة العامة، وفي العام 1993 حصلت على درجة الماجستير من جامعة القاهرة، ثم على درجة الدكتوراه في العام 1999 من الجامعة نفسها، وحملت رسالتي عنوان استجواب متهم .
بداية حائرة
كيف كانت بدايتك في حياتك العملية بعد التخرج؟
بداية دراستي الجامعة كنت في حيرة من أمري، بأي التخصصات ألتحق؟ لكنني قررت في نهاية المطاف دراسة القانون، ومنذ تخرجي في العام ،1986 لم ألبس ثوب المحاماة، ولم أفكر في ذلك، بل كان أمامي عرضا عمل أحدهما من الفريق ضاحي خلفان تميم القائد العام لشرطة دبي، للعمل في الشرطة، والآخر منصب وكيل نيابة، واخترت النيابة رغم ضعف راتبها مقارنة بالوظيفة الأخرى، فكنت في ذلك الحين أول وكيل نيابة إماراتي في دبي، وتدرجت في العمل وأصبحت وكيل نيابة أول، وبعد صدور مرسوم فصل النيابة عن الشرطة تم استدعائي لتشكيل النيابة العامة، وعلى اثر ذلك صدر مرسوم بتعيني رئيس نيابة لأكون بذلك أول إماراتي يشغل هذا المنصب في إمارة دبي .
كما صدر مرسوم بترقيتي لأصبح أول محام عام إماراتي في السلطة القضائية في دبي عام ،1995 واستمررت في ذلك حتى حصولي على درجة الدكتوراه فيه العام ،1999 حيث صدر قرار بتعيني رئيس مجلس إدارة كلية شرطة دبي، وبذلك بدأت مرحلة العمل الأكاديمي عام ،2000 وبموازاة ذلك تم انتخابي رئيساً للمنظمة العربية للقبول والتسجيل في الجامعات العربية لدورة واحدة مدتها سنتان، وإلى جانب عملي الأكاديمي افتتحت أول مكتب محاماة في دبي في العام ،2003 وهو أول مكتب محاماة إماراتي يحمل اسم مجموعة، إذ لدي الآن خمسة مكاتب موزعة على مختلف إمارات الدولة . يتصل بذلك شغلي عدداً من المناصب خلال مسيرتي التعليمية والمهنية كذلك، إذ ترأست المجلس الطلابي لمنطقة دبي التعليمية، وانتخبت نائب رئيس المجلس الطلابي لمدارس الدولة عام ،1981 فضلاً عن انتخابي عضواً في اتحاد الطلبة في جامعة الإمارات، بينما تقلدت عدداً من المناصب بموازاة عملي وهي: عضو المجلس العلمي في المعهد القضائي الاتحادي، والأمين العام للجنة العليا المشتركة للتنمية والتطوير والاستثمار بين حكومة رأس الخيمة وبنك دبي الإسلامي في العام 2005 .
ما سر تعلقك بالعلم إلى هذا الحد؟
المفارقة أن تعلقي بالعلم كان بفضل امرأة أمية، لا تجيد القراءة والكتابة هي والدتي، رحمها الله، التي أثرت في مسيرتي العلمية منذ أيام الكتاتيب، فكانت، رحمها الله، تجمع لي الكتب في المساء وتضعها في منتصف البيت وبجانبها سلة مملوءة بالفواكه لتشجيعي على الدراسة، وكثيراً ما كانت تحثني على الدراسة، وقراءة القرآن الكريم الذي له الأثر الكبير على حياتي، لأيقن بعد ذلك أن العلم هو أساس التنمية التي لا تعرف حدود الزمان والمكان، وهو وجدان وهوية الإنسان الذي كرمه الخالق عز وجل وجعله أفضل مخلوقاته .
بساطة وتلاحم
هلا حدثتنا عن طفولتك؟
طفولتي تذكرني بالأيام الماضية، حيث البساطة والتقارب والتلاحم بين الأهل والجيران والأصدقاء، وأنا أعتبر أنني لم أعش طفولة البساطة واللهو مثل بقية أبناء جيلي، حيث كانت تصرفاتي محسوبة لأنني كنت أشغل عدداً من المناصب الطلابية منذ صغري، والكل يراقب مدى نجاحي في ذلك، وكثيراً ما كان والدي، رحمه الله، يردد مقولة: لا تكون رأس، اللي يكون رأس لازم يتحمل وجع الرأس، كما أنني كنت محباً للقراءة منذ صغري .
لمن تسجل الفضل في ما وصلت إليه اليوم؟
يعود الفضل أولاً إلى والدتي، رحمها الله، فهي التي غرست فينا حب الوطن والانتماء إليه، وحب العلم، فهي صاحبة الفضل الأول في حياتي، ولولاها ما استطعت أن أحقق شيئاً، فقد كانت دائماً الناصح الأمين والمرشد القويم، وبفضلها - بعد الله عز وجل - استطعت أن أحقق الكثير من الأهداف والنجاحات التي كنت أرغب في تحقيقها، كما أرى في أبنائي الأمل والمستقبل .
الشعر والسفر
ما الهوايات التي تمارسها؟
أحب الشعر والقراءة، فقد بدأت في نظم الشعر منذ صغري، ولدي ديوان شعر يحمل اسم الصرخة، ضم كل ما يعبر عني من أشعار . كذلك أحب السفر والتنقل وزيارة المكتبات والمتاحف .
ما أكثر الدول التي زرتها جمالاً ولها تأثير كبير في نفسك؟
في مقدمة الدول التي زرتها تركيا، وأجمل ما فيها أنك تشعر عند زيارتها لأول مرة برقي وحضارة هذا البلد، ويعكس ذلك جمال المباني وانتشار المتاحف، وروعة العمارة الإسلامية، وكذلك المزاوجة بين الحداثة والأصالة، واعتبرها بلداً ينبض بالحضارة الإسلامية الشاهدة على ما وصل إليه المسلمون من تطور ورقي، كما أعجبتني طبيعة جبالها، كذلك أعشق مصر التي أمضيت فيها سنوات دراستي الجميلة، ودائماً أشعر بالشوق لزيارة فهي بلد الحضارة والثقافة، وأحب الأماكن إلى قلبي هو بيت الله الحرام .
ماذا تخطط لأبنائك وماذا ترجو لهم؟
أرجو من الله أن يكرمهم وتكون أيديهم العليا لا السفلى، وأن يكونوا ملتزمين ديناً وخلقاً، وأن أراهم متحابين معطائين، وأنا أوجههم دائماً وأقدم لهم النصح والمشورة، كما ادعو الله أن يحمل أبنائي لوائي في المستقبل، ويكونوا من مراجع المحاماة في منطقة الخليج، خاصة أن اثنين من أبنائي يدرسان القانون، وأنتظر دخول ابنتي مجال الطب .
ماذا يعني لك شهر رمضان المبارك؟
أفضل قضاء شهر رمضان داخل دولة الإمارات، فلدي خيمة ومجلس رمضاني، يحتضن أهل العلم، خلال شهر الرحمة، نناقش فيه التحديات والهموم العامة، ورمضان يعني لي شهر العبادة وشهر القرآن وشهر التراويح وصلة الأرحام، فهو شهر له نكهة دينية خاصة، ويمكن للإنسان أن يراجع فيه نفسه ماذا قدم لنفسه ولأمته ولأهله من أعمال خيرية، وأنا أحرص في شهر رمضان كل الحرص على صلة الرحم وعلى أداء صلاة التراويح في المسجد وتلاوة القرآن الكريم .
سلاح الحياة
ما النصيحة التي تقدمها لطلبة الجامعة؟
النصيحة التي أقدمها لأبنائي الطلبة هي أن يتحلوا بالقيم الدينية النبيلة، فهي سلاحهم في الحياة، وأن استمرار نهضة وحضارة الإمارات يتوقف على ما لديهم من هذه القيم، وواجبهم وأن يكونوا خير سفراء لوطنهم، وأن يتحلوا دائماً بالجد والاجتهاد والمثابرة .
ما المشكلات التي تعانيها مهنة المحاماة، من وجهة نظر الدكتور فهد؟
في اعتقادي أن مهنة المحاماة في الدولة تعاني فقدان الاستراتيجية، والتنظيم، فضلاً عن ضعف التنسيق بين مختلف الجهات ذات العلاقة بالمهنة في الدولة، وأكثر ما يهدد هذا القطاع المهم، وجود أربع جهات ترخيص وتنظيم للمهنة داخل الدولة، كما تعاني مهنة المحاماة فقدانها غطاء يحمي مزاولي هذه المهنة التي تستحق نظرة تقدير من المجتمع .
هل يتعامل الدكتور فهد مع عائلته كمحام، أم أنه يفصل بين العمل والعائلة؟
أبتعد عن الرسميات في تعاملي مع عائلتي وأصدقائي، وقد أكسبتني وظيفتي التروي في اتخاذ القرارات، وتحمل المسؤوليات وإيجاد الحلول البديلة عند مواجهة المشكلات، وأخذ آراء الآخرين والحوار البناء .
هل ترى أن العادات والتقاليد الاجتماعية أصبحت من الماضي نتيجة تطور الحياة وتسارع المتغيرات؟
على الرغم من تراجع العادات والتقاليد لدى الجيل الجديد، لا تزال موجودة لأننا لا نزال نحافظ عليها بطريقة حديثة لمواكبة التطور، برغم تسارع وتيرة الحياة، ومن العادات التي نفخر بها التمسك بالزيّ الوطني سواء للمرأة أم الرجل، وكذلك عقد المجالس الاجتماعية لكونها رمزاً لتعلم الرجال حُسن وآداب الحديث والتعامل من الغير، إذ إن عادات وتقاليد أي شعب دلالة على تاريخه وحضارته .
كيف تقضي يوم الإجازة، وهل لها خصوصية لا تسمح بانتهاكها؟
نعم أنا أعتبر يوم الجمعة يوماً عائلياً بامتياز لذلك أحاول الابتعاد عن أجواء العمل، وكثيراً ما أتجاهل الرد على الهاتف في هذا اليوم، أما بقية الإجازات فهي مشتركة بين العائلة والأصدقاء، بعد الاتفاق مع العائلة، كما أنني أسعى في بعض الإجازات إلى الخلوة مع النفس والاسترخاء، الأمر الذي ينعكس على عملي إيجاباً .