الخالدون مئة اعظمهم محمد: كتاب يتضمن تقييماً لأعظم الناس أثراً في التاريخ . مؤلفه هو الدكتور مايكل هارت، عالم الفيزياء والفلك، الأمريكي، اليهودي الديانة، والذي يهوى دراسة التاريخ الإنساني . وقد لاحظ أنه من عشرات الألوف من ملايين البشر، لم تذكر دوائر المعارف جميعها سوى عشرين ألف شخص، كان لهم أثر في التاريخ الإنساني . ومن كل هذه الشخصيات حدد لنفسه معايير لاختيار المئة الأكثر تأثيراً . وأهمية الكتاب أن المؤلف وضع الرسول صلى الله عليه وسلم على رأس القائمة . فلماذا كان الاختيار؟

يقول هارت: لقد اخترت محمداً صلى الله عليه وسلم في أول القائمة، ولابد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار . ولكن محمداً هو الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحاً مطلقاً على المستوى الديني والدنيوي . فهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات، وأصبح قائداً سياسياً وعسكرياً ودينياً . وبعد 14 قرناً على وفاته فإن أثره لايزال قوياً متجدداً، وأكثر الذين اخترتهم ولدوا ونشأوا في مراكز حضارية ومن شعوب متحضرة سياسياً وفكرياً . . إلا محمداً، فهو قد ولد في مكة من منطقة بعيدة عن الحضارة . مات أبوه وهو لم يخرج بعد إلى الوجود، وماتت أمه وهو في السادسة . وكانت نشأته في ظروف متواضعة، كان لا يقرأ ولا يكتب . ولما قارب الأربعين كانت هناك أدلة كثيرة على أنه ذو شخصية فذة بين الناس . وكان أكثر العرب في ذلك الوقت وثنيين يعبدون الأصنام . وكان يسكن مكة عدد قليل من اليهود والنصارى . في الأربعين امتلأ قلبه إيماناً بأن الله واحد، وأن الله قد اصطفاه ليحمل رسالة سامية إلى الناس .

انتشار الإسلام

ويضيف مايكل هارت: كان البدو في شبه الجزيرة العربية مشهورين بشراستهم، وكانوا ممزقين . وقد استطاع الرسول لأول مرة في التاريخ أن يوحد بينهم، ويملأ قلوبهم بالإيمان، ولذلك استطاعت جيوش المسلمين الصغيرة المؤمنة أن تحقق أعظم انتصارات عرفتها البشرية، فاتسعت الأرض تحت أقدام المسلمين، وشملت الإمبراطورية الفارسية، واكتسحت بيزنطة والإمبراطورية الرومانية . ثم انتزع العرب مصر من الإمبراطورية البيزنطية . ثم اكتسحت القوات الإسلامية شمال إفريقيا حتى المحيط الأطلسي، ثم إلى مضيق جبل طارق، وعبرت إلى اسبانيا . وساد أوروبا شعور في ذلك الوقت بأن القوات الإسلامية تستطيع أن تستولي على العالم المسيحي كله .

وهكذا استطاع هؤلاء البدو المؤمنون بالله وكتابه ورسوله، أن يقيموا إمبراطورية واسعة ممتدة من حدود الهند حتى المحيط الأطلسي، وهي أعظم إمبراطورية أقيمت في التاريخ .

على الرغم من عدم استقرار العرب في كثير من هذه البلدان كما يقول مايكل هارت فإن الكثير من الشعوب بقيت على دين الإسلام، بل ظلت الديانة الإسلامية تنتشر على مدى القرون التالية . والإسلام مثل كل الديانات الكبرى، كان له أثر عميق في حياة المؤمنين به .

كتاب فحكم دقيق

والقرآن نزل على محمد كاملاً، وسجلت آياته وهو لايزال حياً، وكان تسجيلاً في منتهى الدقة، فلم يتغير منه حرف واحد . وليس في المسيحية شيء مثل ذلك . فلا يوجد كتاب واحد محكم دقيق لتعاليم المسيحية يشبه القرآن . وكان أثر القرآن على الناس بالغ العمق . . ولذلك كان أثر محمد على الإسلام أكثر وأعمق من الأثر الذي تركه عيسى على المسيحية .

وكان محمد على خلاف عيسى رجلاً دنيوياً، فكان زوجاً وأباً، وكان يعمل في التجارة ويرعى الغنم، وكان يحارب ويصاب في الحروب، وكان يمرض . . ثم مات .

كان محمد صلى الله عليه وسلم قوة جبارة كما يؤكد مايكل هارت ويمكن أن يقال أيضاً إنه أعظم زعيم سياسي عرفه التاريخ، وإذا استعرضنا التاريخ، نجد أحداثاً كثيرة مهمة، ليس من الضروري أن تكون مرتبطة بأشخاص . ولكن من المستحيل أن يقال ذلك عن البدو الذين أقاموا إمبراطورية واسعة، من دون أن يكون هناك محمد، فلم يعرف العالم كله رجلاً بهذه العظمة . فما كان من الممكن أن تتحقق كل هذه الانتصارات بغير زعامته وهدايته وإيمان الجميع به .

هذا الامتزاج بين الدين والدنيا هو الذي جعلني أؤمن بأن محمداً هو أعظم الشخصيات أثراً في تاريخ الإنسانية كلها .