الدكتور محمد عبدالسلام أبو النيل أستاذ الشريعة الإسلامية بالجامعات العربية من العلماء الذين نشروا الوعي الديني بين طلاب وطالبات العلم الشرعي في عدد من الدول العربية حيث قام بالتدريس في كلية البنات بجامعة الإمارات خلال الفترة من 1980 حتى بداية التسعينات ثم انتقل إلى جامعة الكويت حيث رأس قسم التفسير والأحاديث بها وعقب عودته إلى مصر قام بالتدريس في كلية البنات، جامعة عين شمس.
وقد ألف العديد من الكتب أهمها: حقوق المرأة في الإسلام، غزوات خلد القرآن ذكراها، البعث والدار الآخرة، العلاقات الأسرية بين المنظور الإسلامي والغربي، إلا أن أقرب مؤلفاته إلى قلبه كتاب بنو إسرائيل في القرآن الكريم الذي يراه جرس إنذار دائماً للأمة حتى تعرف أعداءها من أصدقائها ولا تختلط لديها الأمور.حول ما تضمنه هذا الكتاب وملامح الصراع العربي الإسرائيلي كان لنا معه هذا اللقاء السريع:
رغم العدوان الإسرائيلي المستمر على مقدسات المسلمين وأرضهم وأرواحهم وممتلكاتهم إلا أن البعض ما زال يردد أن السلام خيارنا الاستراتيجي مع إسرائيل.. من خلال دراستكم لبني إسرائيل وصفاتهم فهل هذا ممكن التحقيق؟
لا بد من التفرقة بين الأديان السماوية وما تحويه من مبادئ وقيم وتوظيف هذه الأديان لتحقيق مطامع سياسية واقتصادية وخلط الحق بالباطل لهذا أرى أن الصراع الدامي بين الصهيونية الغاشمة ودول البغي التي تؤازرها والمسلمين بصفة عامة والدول العربية بصفة خاصة لن يتوقف أبدا مهما كثر الكلام عن السلام وذلك لأنه صراع بين الحق والباطل الذي لا يرضى أهله أبدا بمسالمة أهل الحق وقد أكد الله لنا ذلك في آيات نتلوها آناء الليل وأطراف النهار. وقد كشف لنا القرآن عداء اليهود الذي يفوق عداء المشركين لنا فقال: لَتَجِدَن أَشَد الناسِ عَدَاوَةً للذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالذِينَ أَشْرَكُواْ (المائدة: 82). وبقدر تمسك المسلمين بدينهم يكون نصرهم في هذا الصراع.
اعتراف غربي
رصدتم اعترافات بعض مفكري الغرب بأن التوراة التي بين أيدي اليهود محرفة ولا علاقة لها بالتوراة المقدسة التي أنزلها الله وهذا ابلغ رد على تشكيكهم فيما كشفه القرآن عن هذا التحريف. فماذا قال مفكرو الغرب؟
إذا كانوا يشككون في كل ما يصدر عنا باعتبارنا أعداءهم فماذا يقولون في هذه الاعترافات الصريحة التي أوردها بعض أبناء جلدتهم؟ فقد قال تيودور وبنص في كتابه تاريخ العالم تحت عنوان إسرائيل في ضوء التاريخ صفحة 108 من المجلد الثاني (أخبار الكتاب المقدس جاءت في عهد متأخر وقصارها أن تمدنا ببيان ناقص ومشوب بالهوى وتاريخهم بأسره من عمل الخيال) ومن يريد أدلة دامغة على ذلك يقرأ الفقرة 26 وما بعدها. ويكاد يكون هذا نفسه ما ذكره ابن حزم الظاهري في نهاية الجزء الأول من كتابه الفصل في الملك والأهواء والنحل حيث أورد عن كتبهم كثيرا من قبيح تصورهم لله والكذب والمتناقضات. وقام الدكتور علي عبد الواحد بجمعها بشكل مفصل في كتابه الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام. وهذا التناقض ظاهر في شريعتهم فمثلاً يقضي سفرا الخروج والتثنية بأن الإسرائيلي الذي يبيع نفسه بيعاً اختيارياً لأخيه الإسرائيلي في حالة عوزه لا يدوم رقه إلا ست سنين في حين نرى سفر اللاويين يقرر أن رقه لا ينتهي إلا بحلول اليوبيل الإسرائيلي وكل أسفارهم تبيح لالإسرائيلي أن يبيع نفسه رجلاً كان أو امرأة ولكن أسفار التلمود لا تجيز ذلك إلا للرجل فقط.. وفي الوقت نفسه فهي تلصق بالإله من العيوب والنقص ما يشيب له الولدان تعالى عما يصفون وكذلك برسله عليهم السلام.
كشف القرآن كثيراً من صفاتهم حتى نحذرهم ونعلم عنهم كل شيء ومع هذا فإن هناك تدرجاً في الخطاب القرآني عنهم فما تفسيركم لذلك؟
دعاهم القرآن في أول الأمر برفق بل وأشاد بهم حيث ذكر قصص أنبيائهم وتاريخهم كما وجه نظرهم إلى الاعتبار بما حدث لغيرهم وبشرهم وأنذرهم ولما تمادوا في الكفر والضلال شدد النكير عليهم ودحض شبههم ولذلك نجد من الآيات ما يتعلق بتاريخهم وموقفهم من الدعوة وعدائهم لها وللرسول صلى الله عليه وسلم والجزاء الذي لقوه. وكذلك هناك آيات تتعلق بعقيدتهم وشريعتهم ومنها ما يتعلق بقصصهم وأنبيائهم ومزاعمهم وأخلاقهم حتى إنهم أتعبوا موسى عليه السلام وجميع من أرسلهم الله إليهم.
أكذوبة أرض الميعاد
حاولت إثبات أكذوبة أرض الميعاد لشعب الله المختار فما الأسس التي استندت إليها؟
هناك إجماع من المؤرخين على أن العرب سكنوا فلسطين قبل اليهود بآلاف السنين وهذا ثابت في بعض كتب اليهود أنفسهم حيث أثبتت أن الإسرائيليين لم يستقروا في فلسطين إلا فترات وجيزة متقطعة لا تزيد على ألف سنة في حين سكنها العرب ستة آلاف سنة متتالية وأن الإسرائيليين خرجوا منها منذ ثمانية عشر قرناً وذابوا في كل دول العالم وإذا كان الله لعنهم في القرآن في أكثر من 14 موضعاً وعذبهم بألوان مختلفة من العذاب الشديد الذي لم يذقه إلا الذين غضب الله عليهم وحصرهم القرآن فكيف يكونون شعب الله المختار وقد حكم عليهم بالذلة والمسكنة؟
وأجمع المؤرخون من خلال وثائقهم على أن العرب سكنوا فلسطين قبل أن يكون هناك بنو إسرائيل بآلاف السنين ففي سنة 4000 قبل الميلاد نزل العرب وفي سنة 3500 توالت الهجرات حيث جاءت القبائل الآمورية والكنعانية العربية. أما بنو إسرائيل فلم يكن لهم وجود إلا بميلاد نبي الله يعقوب عليه السلام وعودته من أرض العراق وإقامته مع أبنائه بفلسطين ويمكن تحديد المدة التي عاشوها آنذاك بثلاث وثمانين سنة وذلك لأن يعقوب مات عن 140 سنة عاش منها في مصر 17 عاماً ثم بالعراق حتى بلغ الأربعين ثم رحيله مع أبنائه إلى فلسطين 1656 قبل الميلاد ثم خرجوا منها إلى مصر واستقروا فيها.
وعاد بنو إسرائيل إلى فلسطين في القرن الثالث عشر قبل الميلاد ولكنهم لم يستقروا بها لأن العمالقة العرب أغاروا عليهم بقيادة جالوت ثم عادوا على يد طالوت وفي سنة 586 قبل الميلاد أغار عليهم بختنصر فخرب ديارهم ونفاهم إلى بابل ثم عاد عدد كبير منهم بعد أن تغلب كورش ملك الفرس على البابليين سنة 548 قبل الميلاد وظلوا تحت سيطرة الفرس ثم المقدونيين كما بطش بهم خردوس فدمر ديارهم ثم سيطر عليهم الرومان وفي سنة 135 ميلادية أخمدوا بقيادة هادريان ثورة قام بها اليهود وبطش بهم حتى خرجوا مطرودين في شتى بقاع العالم.
نصوصهم تكذبهم
تؤكدون أن بعض نصوصهم المقدسة تفيد بأن هناك ممالك ودويلات كانت موجودة قبلهم وبالتالي فهم ليسوا أصحاب الأرض الأصليين باعترافهم. فما هذه النصوص؟
جاء في الإصحاح الثاني عشر من سفر يوشع (وهؤلاء هم ملوك الأرض الذين ضربهم يوشع وبنو إسرائيل في عبر الأردن.. الحيثيون والآموريون والكنعانيون والفرزيون والحويون واليبوسون) وأكد المؤرخ الفرنسي الشهير رابور (أن سكان فلسطين يرجعون إلى عهد قديم يقدر بعشرة آلاف سنة قبل الميلاد وقبل أن يضع اليهود أقدامهم في فلسطين كان يقطنها أقوام كانت لهم حضارة وأمجاد مثل الكنعانيين والحيثيين والفينيقيين والفلسطينيين وغيرهم) بل إنه في الأوقات التي كان لبني إسرائيل فيها شأن في فلسطين لم تكن خالصة لهم حيث إن العرب الفلسطينيين سكنوا هذه الأرض ستة آلاف سنة أربعة منها قبل الميلاد وألفان بعده وفي سنة 636 ميلادية أتم المسلمون تحرير فلسطين من حكم الروم لتصبح فلسطين إسلامية دينا وعربية لغة.
أوشك اليأس أن يسكن في قلوب البعض منا باستحالة عودة فلسطين للمسلمين والعرب في ظل حملات التهويد والتآمر الدولي ضدنا. فماذا تقول لهؤلاء؟
النصر بإذن الله حليف المسلمين مهما طال الزمن وكثرت التضحيات وذلك لأن الله توعد الآثمين بأنهم كلما بغوا وأفسدوا سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب وقد افسدوا في الأرض مرتين وعلوا علوا كبيرا فسلط عليهم في المرة الأولى بختنصر فخرب ديارهم وساقهم عبيدا إلى بابل وفي المرة الثانية بطش بهم خردوس وجنوده ثم هادريان الروماني حيث أخرجهم من ديارهم فتشتتوا في كل مكان ولم تقم لهم قائمة إلى اليوم وقد قال الله بعد ذلك: عَسَى رَبكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرا (الإسراء: 8). أي إن عدتم للإفساد عدنا في أن نسلط عليكم من يفتك بكم ويدوس دياركم ويسومكم سوء العذاب. وسوف ينتهي الإفساد الحالي على يد رجال مؤمنين حقا لأن الله سبحانه القائل: وَإِذْ تَأَذنَ رَبكَ لَيَبْعَثَن عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِن رَبكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنهُ لَغَفُورٌ رحِيمٌ (الأعراف: 167).
زرع بذور الفساد
حرب الصهاينة ضدنا ليست بالسلاح المحرم دولياً فقط أو حتى الضرب بكل القرارات الدولية عرض الحائط حتى إنه لم ينفذ منها واحد. وإنما هناك وسائل أخرى يحاربنا بها الصهاينة فما أهمها؟
عندما يريد الصهاينة أن يفرضوا سيطرتهم على منطقة وامتصاص خيراتها فإنهم يحاولون زراعة بذور الفساد بكل أنواعه بين أطفالها وشبابها ونسائها حتى ينغمسوا في الفسق والفجور والجري وراء الملذات والشهوات الجسدية وفي الوقت نفسه تهميش الدين في حياتهم حتى يضيع الإحساس بقيمة الحلال والحرام في كل شيء في حياتهم فيستحلوا الحرام في المال والأعراض وكل شيء حتى يتحولوا إلى عصاة يحاربون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وقد يكون ذلك من خلال إنشاء المواقع الإباحية على الإنترنت أو الملاهي والخمارات وصالات القمار وبيوت الدعارة ومسابقات الجمال ودور السينما والقنوات الفضائية التي تتخصص في تدمير الأمة أخلاقياً حتى تسهل السيطرة عليها بأقل خسائر لأنهم أحرص الناس على الحياة كما وصفهم الله.
ما أهم صفات اليهود التي رصدتموها من خلال القرآن الكريم؟
حذرنا القرآن من اليهود والاستسلام لهم حتى يفسد مخططاتهم ضدنا وأهم صفاتهم: الغدر والخيانة، ونقض العهود والحسد والكراهية والشقاق وعدم الوفاق فيما بينهم والحب الشديد للمال والجبن والحرص على الحياة والغلظة وقسوة القلب والتعطش لسفك الدماء وإشعال نار الحروب والسعي بالفساد والاستكبار والكفر بالنعمة.
في النهاية كيف نتغلب على أصحاب تلك الصفات الذميمة؟
السلاح السحري الذي قهر المسلمون به أعداءهم على مر التاريخ هو إعلاء راية الدين وتقوية العقيدة وإصلاح شؤونهم من خلال توجيهات الدين لأن الله يقول: إِن اللّهَ لاَ يُغَيرُ مَا بِقَوْمٍ حَتى يُغَيرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ (الرعد: 11). وأن نأخذ بأسباب القوة قدر استطاعتنا: وَأَعِدواْ لَهُم ما اسْتَطَعْتُم من قُوةٍ وَمِن ربَاطِ الخيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدو اللّهِ وَعَدُوكُمْ (الأنفال: 60). وأكد واجبنا في المواجهة فقال: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مؤْمِنِينَ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَس الْقَوْمَ قَرْحٌ مثْلُهُ وَتِلْكَ الأيامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناسِ (آل عمران: 139 -140).