حوار: غدير المزيني

قول والده: «خدمة الناس من أفضل العبادات»، هو الدافع الأول الذي يضعه نصب عينيه في قدومه صُبح كل يوم إلى عمله بشغف لا ينتهي، فمن بين سيل عملياته الجراحية التي تتعدى الثمانمئة، أجرى د. محمد عبد العزيز العلماء، أول عملية جراحية بسيطة في عمر الخامسة والعشرين، أثناء دراسته للطب، لاستئصال خراج، أما عن أول عملية كاملة، فقد قام بها وهو في السادسة والعشرين، وكانت لاستئصال زائدة دودية، وبهاتين العمليتين بدأت ملامح سيرته الجراحية الأولى تتشكل، ليصبح من أوائل الأطباء الأجانب في السويد، الذين توكل إليهم مسألة القيام بعمليات الحالات الخطرة والكبيرة، قُبيل حصوله حتى على البورد السويدي، وفي الحوار الآتي نكشف النقاب عن خبايا شخصية العلماء، وأهم المحطات في سيرته المهنية والدراسيّة.

}ما تخصصك الدراسي، وكيف أتت رغبتك لدراسته في تلك الفترة الأولى من الزمان؟

- لقد درست الطب البشري العام في السويد في جامعة جوثنبورج، ثم تخصصت في جراحة المخ والأعصاب، وبعدها تعمقت أكثر بتخصص جراحة مخ وأعصاب الأطفال، وأيضاً الآلام العصبية. في البداية كنت متشوقاً، لدراسة الفضاء، وأن أصبح رائداً للفضاء، وكان والدي يعلمنا كيفية معرفة أوقات الصلاة بالنظر إلى الشمس والظل وحالات القمر والنجوم المعروفة، واتجاه الشمال واتجاه القبلة، وأوقات زراعة الخضراوات وصيد السمك وأنواعها، وأيضا أنواع الرياح، كل ذلك زادني شغفاً بالطبيعة والفضاء، وقراءة الكثير من الكتب عن الفضاء ومتابعة البرامج العلميّة بالتلفزيون عنها.
وعندما قدمت للابتعاث لدراسة الفضاء، نصحوني باختيار مجال تحتاجه الدولة حينها، كالطب مثلاً، فقبلت ذلك، واستذكرت قول والدي: «خدمة الناس من أفضل العبادات»، فالطبيب قد يقدم أفضل خدمة بحفظ أرواح الناس ومعالجتهم، وكذلك لأن ستة من إخواني وأخواتي أيضاً أطباء، فكان الاختيار سهلاً.

}أين كان مكان الدراسة، وما الشهادات التي نلتها في ذلك؟

- في مدينة جوثنبورج في السويد، وبالأخص جامعة جوثنبورج ومستشفى ساهلجرينسكا، وهو من أكبر المستشفيات الجامعية في أوروبا، ونلت فيها شهادة الطب البشري وشهادة البورد السويدي في جراحة المخ، وبعدها تخصصت في جراحة مخ الأطفال، وتخصص الآلام العصبية، وقد قمت بعمل العديد من الدورات التدريبية في مجال جراحة الأعصاب في السويد والنرويج وألمانيا وسلوفينيا وكرواتيا وغيرها، وأيضاً حصلت على شهادة في الإدارة للأطباء وكنت أول طبيب أجنبي يقبل لدخول الدورة التدريبية، حيث كانت مقتصرة على السويديين، علاوةً على قيامي بعمل العديد من الدورات المتعلقة بالدكتوراه في مجال الأبحاث المتعلقة بالحيوانات.

} حدثنا أكثر عن تجربتك في زراعة جهاز مراقبة وقياس ضغط المخ في دماغ فأر مستيقظ؟

- في البداية تقدم بروفيسور في البيولوجيا إلى قسم جراحة الأعصاب بمستشفى ساهلجرينسكا في سنة 2007، وأخبرنا عن دواء جديد قد يفيد في علاج حالات مرضية مختلفة بالمخ، وأراد جراح أعصاب على وجه التحديد أن يساعده في تجاربه، مقابل دخوله في برنامج الدكتوراه وحصوله على شهادة الدكتوراه في هذا المجال، رئيس قسمي في ذلك الحين أشار اليّ على الفور، وقال هذا الرجل سيقوم بالمطلوب، في بداية الأمر قبلني البروفيسور للعمل بمختبره على مضض، فقد كان يريد جراحاً سويدياً لا أجنبياً، ووجدت العمل حينها صعباً، حيث إنه جعلني أفعل كل شيء وحدي ولله الحمد، وهذا ما جعلني أبدع، إذ قمت باختيار أنواع الحالات المرضية مثل إصابات الرأس، وحالات أخرى في الفئران، وكان لدينا جهاز عقيم لحساب ضغط المخ، لا يعطي النتيجة الصحيحة، وكان علينا إبقاء الفأر مخدراً لنصف يوم لقياس الضغط، حينها بحثت عن أجهزة أخرى موجودة في الأسواق العالمية، فوجدت جهازاً لاسلكياً، جربه طبيب كندي في مخ فأر وقاس الضغط لدقائق قصيرة، فقمت بالتواصل معه، ووجدت الطريقة معقدة، ولكن الجهاز هو ما أريده.
قمت بعدها بالتواصل مع البروفيسور وشرحت له الوضع، فبُهر لجديتي، وقام بشراء الجهاز على الفور، وقمت بعمل تجارب عليه وابتكار طريقة سهلة للغاية لزراعة الجهاز، وجربناه على الفئران المستيقظة التي تسرح وتمرح في المختبر، وفي نفس الوقت كنا نقيس الضغط، وكنا أول من استطاع قياس ضغط مخ الفأر قبل وبعد إصابته بالتهاب السحايا أو المخ، ومعالجة الحالة على مستوى العالم، وأثبتنا كنتيجة لذلك أن الدواء الجديد مجد جداً.

} كيف أثرت مهنتك فيك على الصعيدين الشخصي والمهني ؟

- مهنة جراحة الأعصاب مهنة دقيقة وشاقة ومتعبة جسدياً ونفسياً، وخاصة حالات إصابات الرأس جراء حادث سيارة أو حالات الأورام السرطانية، نظراً لأن أهل المريض يكونون في حالة صعبة نفسياً، ويكون التعامل معهم صعباً، وإذا كان المصاب طفلاً، فالشعور يكون أصعب. لكنني وبقدر الإمكان أحاول ضبط النفس مع أهل المريض، وشرح الحالة بالكامل، وأيضا شرح العلاج المتوفر عالمياً، حيت تؤثر ردة فعل الأهل في نفسيّة الطبيب خصوصاً مع الحالات الكثيرة والمعقدة، وحيث إن مستشفى راشد يستقبل أكثر حالات إصابات الرأس على مستوى الدولة، فضلاً عن أكثر الحالات المعقدة بالمخ، فإن الخبرة تزيد مع الوقت، ويفهم الزملاء في المستشفيات الأخرى مدى إلمامنا بالحالات بمستشفى راشد، فيرسلون لنا الحالات.
واللحظة الأجمل في مهنتي، التي تدخل السرور إلى قلبي، هي القيام بعلاج المريض، ونجاح العملية، مما يدخل السعادة لوالديه، وربما يصبح هذا الطفل عضواً فعالاً ومنتجاً في المجتمع، وطبعاً أكثر الناس تأثراً، هم أهل الطبيب الذين يفتقدون الزوج أو الأب، ووجوده في المناسبات العائلية، إذ إن الطبيب جل وقته لمرضاه.

}كيف تقيّم الكفاءات المحليّة المتواجدة في هذا المجال حالياً؟

- هناك خمسة مواطنين تخصصوا في أفضل الجامعات العالمية في حالات المخ والعمود الفقري ومستواهم ممتاز، وأيضاً لدينا أطباء عرب وأجانب بمستويات ممتازة، ولكن معظم الأطباء مختصون بإجراء عمليات الظهر، كالانزلاق الغضروفي، وقليل منهم ملمون بالمخ، وذلك يجعل الضغط كبيراً على بعض الأطباء عن غيرهم، بسبب قلة الخبرة.

} ماذا عن شعور نجاحك في عمليتك الجراحية الأخطر من نوعها في مستشفى ساهلجرينسكا الجامعي؟

- في الحقيقة كانت حالة غريبة، وكنت أنا من أدخل المريضة إلى المستشفى، حيث كنت مناوباً وكان للمريضة ورم قد أخذ نصف حجم المخ، وقمت بسؤال البروفيسور المسؤول عني، فقال لي هذه حالة كبيرة جداً، ويحتاج أن تعطيها للدكتور ارنه روس، وهو من أفضل جراحي الأعصاب في أوروبا، ويعمل معنا وهو من يقوم بعمل الحالات الصعبة، فذهبت إليه وقلت له إنني أثق بقدراتي وإمكانياتي باستئصال الورم، فقال لي وأنا أثق بقدراتك، ولكن سأكون معك خلال العملية، بعدها سألني البروفيسور المشرف عليّ عما حصل، فقلت: لقد قبل الدكتور أن أعمل العملية بإشرافه هو، فانصدم وقال لي: احترس من مثل هذه الحالات، فهي ليست بالسهلة. وبالفعل أخذت العملية أكثر من 10 ساعات، تناوبنا أنا والدكتور بعملها، وكانت غرفة العمليات مكتظة بالأطباء يشاهدون ما يحصل، والنتيجة كانت ممتازة، وكان الورم أكبر ورم في تاريخ قسم جراحة الأعصاب في مستشفى ساهلجرينسكا، ولقد ازدادت ثقتي بنفسي وثقة الأطباء من حولي بي، حيث إنني بدأت بعمل حالات صعبة قبل حصولي على البورد السويدي، بإشراف الدكتور ارنه روس.

}تأثرت كثيراً بوالدك، فكيف ساهم هذا في تميزك؟

والدي يلم بالعلوم كافة، فهو كان قد درس الطب في بداية حياته في الهند، ثم انتقل إلى الأزهر الشريف في مصر ودرس الشريعة، وكان عالماً محيطاً بالتفسير والحديث والفقه والبيان والنحو والصرف، إلى جانب مطالعاته واحتكاكه بالكثير من الشخصيات من أنحاء متفرقة بالعالم، وكان مجلسه عامراً بالأغنياء والفقراء والعلماء وكل فئات المجتمع، وكان يحب أن يساعد كل من يريد المساعدة، لذا رسخ في أعماقنا حب العلم والقراءة ومساعدة الناس، فكان لذلك الأثر الكبير في حياتي وحياتي إخواني وأخواتي جميعاً.

}من بين دول العالم تهتدي عيناك للسويد، فكيف تشكلت ملامح تلك العلاقة؟

- كما يقال: «الخيرة فيما اختاره الله»، حين قدمت للابتعاث لدراسة الطب، كانت السويد الدولة الوحيدة، التي بها شاغر من بين باقي الدول التي لها علاقة مع وزارة التعليم العالي، وتوجهت للسويد، فوجدت البلد من أفضل بلدان العالم في شتى المجالات وشعبها تسمع اسمه أينما أشار إلى التميز بالبنان، والإنسان بطبيعة الحال يتأثر بالبيئة، وعندما يحتك بالمميزين يتميز أيضاً، وأنا ما زلت أتصل بأصدقائي هناك، وقد زار معظم من عملت معهم في قسم جراحة الأعصاب دولة الإمارات، وأبدوا إعجابهم بها.