محمد عليه الصلاة والسلام كان مدده القرآن الكريم، الذي أعجز الأولين والآخرين، وأداته البيان الناصع، والبلاغة الآسرة، في مجتمع عرف بالفصاحة، وتزين بالشعر، وتجمل بالبيان، فكان محمد سيّد ذلك المجتمع أدباً وفضلاً قبل المبعث، وفصاحة وبياناً وإلهاماً بعد نزول الوحي والتكليف بأمانة الدعوة وحمل الرسالة .
هذا ما يقوله الدكتور مصطفى الشكعة المفكر الإسلامي الذي شغل عدة مواقع إسلامية بارزة، منها: عميد كلية الآداب في جامعة عين شمس، وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، ورئيس لجنة التعريف بالإسلام في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية .
أفصح الفصحاء
يقول الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه البيان المحمدي: كان محمد صلى الله عليه وسلم أفصح الفصحاء، وكان يعلن ذلك في قوله: أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش، وربيت في بني سعد، وكان أبوبكر يقول له: يارسول الله، ما رأينا الذي هو أفصح منك . فكان يجيبه: أدبني ربي فأحسن تأديبي .
لقد فاض بيان محمد صلى الله عليه وسلم على العالمين، وظل هذا الفيض النوراني يواكب الحقب والأزمنة . وعلى الرغم من الجهود التي بذلت، مازال البيان المحمدي يحتاج إلى مزيد من التجلية والجمع والترتيب والتوثيق . وقد أكرمني الله ووفقني للاضطلاع بهذا العبء، حتى خرج هذا الكتاب إلى حيز الوجود .
ويستشهد الدكتور الشكعة بكلمات القاضي عياض عن قوله صلى الله عليه وسلم: أنا أفصح العرب، حيث يقول: جمع له صلى الله عليه وسلم قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها، إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي الذي لا يحيط بعلمه بشر . وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان صلى الله عليه وسلم من ذلك بالمحل الأفضل، إيجاز مقطع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، فكان يخاطب كل أمة منها بلسانها .
ويروى المؤرخون الكثير من النماذج من أقواله صلى الله عليه وسلم التي إعجازها في إيجازها، فبهرت العقول، وأذهلت الفطن وهو أمي من أمة أمية، لم يقرأ كتاباً، ولا درس علماً، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: الناس بزمانهم أشبه/ ماهلك امرؤ عرف قدره/ حبك للشيء يعمي ويصم/ الخير كثير وقليل فاعله/ من حسن إسلام المرء تركه ما لايعنيه/ دع ما يريبك إلى ما لايريبك . .الخ .
أدب الحوار
ويضيف الدكتور الشكعة: كان الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر الناس أدباً في الحوار والسلوك، وأشدهم حياء، وأوفرهم مجاملة للآخرين . قال أنس بن مالك -خادمه الذي لازمه نحو عشر سنوات-: ماشممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله، ولا تناول أحد يده فيتركها حتى يكون هو الذي يتركها، وما أخرج ركبتيه بين يدي جليس له قط، وما قعد إلى رسول الله رجل قط فقام حتى يقوم .
ويورد المؤلف نماذج من حوار الرسول صلى الله عليه وسلم يتضح من خلالها: نصاعة البيان وسلاسة القول ورقة الحوار وسعة الصدر وجلال التسامح وكظم الغيظ ويسر الإقناع .
وذهب بعض الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكون أن أغنياء المسلمين أفضل منهم، فهم يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم . فرد عليه الصلاة والسلام بما يمكن أن نطلق عليه أدب الحوار التعليمي، قال: أو ليس قد جعل الله لكم ماتصدّقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة .
ويقول الدكتور مصطفى الشكعة: دعاء الله عنوان العبودية الخالصة والإيمان الكامل، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرب الناس عبودية، وأكملهم إيماناً وأدناهم إلى ربه . ثم هو أفصح الفصحاء، فكان دعاؤه أبلغ الدعاء، واستغفاره أنقى الاستغفار، وتسبيحه أسمى التسبيح، وابتهالاته أعمق الابتهالات .
والرسول يختار لكل موقف ما يناسبه من دعاء، ولكل مناسبة مايليق لها من ابتهال . في الليل والنهار، وفي الصباح والمساء، وعند النوم والاستيقاظ، وساعة الخروج من البيت والعودة إليه، وقبل الصلاة وأثناءها وفي أعقابها . وعند السجود وساعة التشهد .